الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مراجعات فلسطينية لا بد منها

مراجعات فلسطينية لا بد منها

علي بدوان

إن منظمة التحرير الفلسطينية ومعها حركتا حماس والجهاد الإسلامي وفصائل قوى التحالف المعارضة وعموم فصائل العمل الوطني الفلسطيني وقد بلغت من العمر عتيًّا، كان وما زال يفترض بها أنها تجاوزت مرحلتي المراهقة “المبكرة والمتأخرة” بمعنى الفكر والممارسة، لكنها لم تستطع إلى الآن أن تتجاوز حالة التفكك والانقسام بين أطرافها المختلفة، بسبب من تعقيدات الحالة الفلسطينية…

سيطرت مواضيع أزمة الفكر والعمل السياسي الفلسطيني على أعمال العشرات من الكتاب والنقاد السياسيين والمتابعين في الساحة الفلسطينية منذ سنواتٍ طويلة، حتى باتت تلك المواضيع ذات حضور مستديم على جدول أعمال السياسيين والمثقفين الحريصين على الارتقاء بالوعي والعمل السياسي الفلسطيني، وتعميم ثقافة النقد والنقد الذاتي والشفافية والوضوح، عدا عن كونها موضوعة درج الحديث عنها على لسان كل القوى بتلاوينها الفكرية الأيديولوجية المختلفة في الساحة الفلسطينية.
إن الابتلاء العام الذي حد من تطور الفكر والعمل السياسي الفلسطيني إلى حدودٍ ما، وأصاب الجسم السياسي الفلسطيني بمكوناته الفصائلية والحزبية بالأزمة، انطلق من الصنميات التي حكمت سياسات تلك الأحزاب والقوى الفلسطينية، وبتفاوت، والتي غيّبت الجانب النقدي، بل وحاربته، واستعاضت عنه بلغة القيادة المعصومة والينبغيات، مع غياب العمل المؤسساتي الحقيقي والجدي، ومع إدارة الظهر للدروس والمحطات الثمينة التي مرت بها الحركة الوطنية الفلسطينية، والتي دفعت بها نحو التقوقع والتكلس والتحول إلى ما يشبه الأحزاب السلطوية، كما هو حال العديد من الأحزاب السلطوية الحاكمة في بعض بلدان العالم الثالث، حيث انتقلت الأحزاب المشار إليها من “الراديكالية العالية” الملونة بالألوان الجيفارية والكاستروية والماوية والتروتسكية وحتى الديمقراطية الليبرالية … الخ، إلى أحزاب “أيديولوجيا الجمهور الفضفاض “وبلباس” البراغماتيا المفتوحة السقف، وتاليًا لم تجد من يدافع عنها إبان الأزمات كما حصل في الاتحاد السوفييتي السابق عندما انهارت دولة الترسانة النووية وحزب العشرين مليون عضوًا، ولم تجد شوارع موسكو فردًا واحدًا يدافع عن الاتحاد السوفييتي أو عن الحزب البلشفي الذي قاد الاتحاد السوفييتي لأكثر من سبعين عامًا.
لقد سيطرة القاعدة التجريبية على الحالة الفلسطينية والعمل الوطني في على حساب الاشتقاق البرنامجي القائم على فكر متطور، وعلى استيعاب عميق لمراحل ومحطات العمل الوطني الفلسطيني المختلفة منذ العام 1965.
والتجريبية التي نقصدها هنا لا تنتج عملًا إبداعيًّا مُتميزًا في السياسة والممارسة، ولا تنتج كذلك رؤية واستشفافا وتقديرا جيدا للموقف، بمقدار ما تُنتج سياسات قائمة على قاعدة (لنجرب ونرى) وتراجع في الاشتقاق الفكري ومراوحة بالمكان، وهي قاعدة أدت في نهاية المطاف للوقوع في مطبات كبرى كان ثمنها أليمًا، وقد تم دفعه من كيس وحساب الشعب الفلسطيني.
إن مرض التجريبية في العمل السياسي بجوانبه الفكرية والعملية، دفع نحو إحلال حالة الجمود والتقوقع في البنى السياسية والمؤسساتية الفلسطينية الفصائلية وغيرها، لدرجة التهكم كما قال في ذلك أكثر من مرة الراحل الدكتور جورج حبش مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
إن منظمة التحرير الفلسطينية ومعها حركتا حماس والجهاد الإسلامي وفصائل قوى التحالف المعارضة وعموم فصائل العمل الوطني الفلسطيني وقد بلغت من العمر عتيًّا، كان وما زال يفترض بها أنها تجاوزت مرحلتي المراهقة “المبكرة والمتأخرة” بمعنى الفكر والممارسة، لكنها لم تستطع إلى الآن أن تتجاوز حالة التفكك والانقسام بين أطرافها المختلفة، بسبب من تعقيدات الحالة الفلسطينية، وواقع الجغرافيا السياسية وما تفرضه من استحقاقات تبدو أحيانًا أكبر من إمكانيات الفلسطينيين أنفسهم، وأكبر من أن يستطيعوا أن يلجموا تفعيلاتها، وصعوبة تحقيق التوازن الفلسطيني الديناميكي في المعادلة الإقليمية دون التأثر بمتحولات المعادلة على جانبيها. ولكن كل هذه الأسباب لا تبرر في حال من الأحوال فقدان وحدة “القرار والإرادة” واستمرار الانقسام الفلسطيني السياسي الذي يُدلل في جوهرة على أزمة في العمل وفي البرامج وفي الفكر السياسي الفلسطيني.
إن الشعب الفلسطيني بحسه الفطري والعفوي، صاحب خبرات وتراكمات، وصاحب أطول عمليات كفاحية وانتفاضية شهدها التاريخ الحديث والمعاصر للإنسانية برمتها منذ إضرابه واعتصامه التاريخي في العام 1936 (الاعتصام والعصيان المدني المعروف بإضراب الستة أشهر زمن الانتداب البريطاني)، وبالتالي فمن المنطقي القول إن طريق التحول الديمقراطي هو الطريق المُمكن، لصياغة وتجديد الحياة في جسد الحركة الوطنية الفلسطينية بكافة تلاوينها السياسية والفكرية، من داخل الأطر القائمة دون اللجوء للخيارات الانشقاقية المدمرة أو خيارات البدائل التي عفت عنها وتجاوزتها التجربة القاسية والمريرة للشعب الفلسطيني. إن هذا الطريق يُمكن تعبيده وفتحه بالنفَس الصبور، والروح المثابرة، وهو وحده الطريق السليم لتفعيل حضور العنصر الجديد من هذه الأجيال الصاعدة من الشبان والشابات التي نمت في ميدان العمل الوطني في الداخل والشتات ولم يتسنَّ لها أن تأخذ دورها الريادي والقيادي في صفوف الشعب والمنظمة وداخل المعادلة الفلسطينية، وهو وحده الطريق المُمكن للتخلص من العقليات والسياسات والبرامج القديمة التي حكمت مسار معظم الفصائل الفلسطينية التي شاخت بقدها وقديدها، بقياداتها وبرامجها وسياساتها.
إن فتح الدروب أمام إعادة بناء العقد التاريخي الوطني للحركة الوطنية الفلسطينية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، يفترض خروج الناس والقوى من عبء الأطر التنظيمية الضيقة لصالح الفضاء الوطني الأوسع، وكسر الأنانيات والعصبويات التنظيمية المقيتة، كما يقتضي: العودة لإحياء المنظمة ومؤسساتها كافة، وإعادة توحيد عملها بين الداخل والشتات، ورد الاعتبار لوحدة كل الشعب الفلسطيني، وتفعيل مؤسساتها في الشتات الفلسطيني، فالشتات الفلسطيني حمل على أكتافه عبء العقود الثلاثة الأولى من حياة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، لكنه وجد نفسه مهمشًا دون حضور في ميدان الفعل والتأثير في القرار الفلسطيني، بل وجد نفسه خارج العملية السياسية بالرغم من كل الصراخ والعويل الذي يطلق من حين لآخر بالنسبة لقضية حق العودة باعتبارها (لباب) القضية الفلسطينية.
وهنا، إن من المهم دخول كافة القوى الفلسطينية إلى الإطار اللاائتلافي للمنظمة بما في ذلك حركتا حماس والجهاد الإسلامي. فالوقائع التي تشكّلت بعد انطلاق الانتفاضة الكبرى الأولى باتت تفترض إعادة النظر بخريطة ووجود القوى في الساحة الفلسطينية. واعتماد مبدأ الانتخابات حيث أمكن، والتوافق الوطني حيث تصعب الأمور، في بناء المجلس الوطني الفلسطيني باعتباره السلطة التشريعية العليا للشعب والمنظمة، وبالتالي إلغاء مبدأ الكوتا والمحاصصة واقتسام الكعكة. فالأساس في تشكيل المجلس الوطني يفترض أن يقوم على الانتخابات وفق التمثيل النسبي الكامل والتوافق حيثما يتعذر ذلك. كذلك في التوافق على إلغاء تمثيل المنظمات والاتحادات الشعبية في عضوية المجلس الوطني, إذ إنه بإمكان الجميع خوض الانتخابات مباشرة, بدلًا من اختيار ممثلين للمنظمات والاتحادات الشعبية يعينون دون انتخابات, في المجلس الوطني.
إن تحقيق انتخابات ديمقراطية نزيهة لتشكيل المجلس الوطني الفلسطيني للداخل والشتات، يفضي بالضرورة باتجاه تجديد روح وحياة المؤسسات الوطنية الفلسطينية الائتلافية القادرة على صياغة وتقرير برنامج سياسي يُمثّل الإجماع الوطني الفلسطيني، برنامج يأخذ بعين الاعتبار إعادة توحيد وتفعيل عوامل القوة في الوضع الفلسطيني وتثميرها باتجاه الهدف الوطني الأسمى.

إلى الأعلى