الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إتاحة أممية من أجل التعاونيات

إتاحة أممية من أجل التعاونيات

عادل سعد

أمام هذه الرقعة الإحصائية لأهمية التعاونيات الاقتصادية الاستثمارية بوصفها تمثل شبكة أمان, وأمام هذا الخزين العالمي من الاهتمام بالتعاونيات, يظل الرصيد العربي منها تحت طائلة الحاجة الملحة, ومن هنا لا بد لنا أن نبحث عن وسائل وفرص وإمكانيات تضمنا إلى ركب التعاونيات, ولكي نتبين الأولويات لا بد من إعادة هيكلة الذهن الاقتصادي والاجتماعي العربي من أجلها…

أن يعطي الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون حيزا من اهتمامه ولو ليوم واحد وضمن تصريح واحد, وفي إطار وقفة تضامنية واحدة مع مفهوم التعاونيات في العالم, فلأن الأمانة العامة للمنظمة الدولية تشعر بالكثير من الانشغالات السياسية والأمنية المسيجة بالإحباط على حساب قضايا هي من صلب عملها, ومن أساسيات إطلالتها الأخلاقية على مجتمعات العالم وما تتمناه لها من كرامة وتمكين وفرص للجميع, وربما تجده هروبا مشروعا من ضغوط القتل والتدمير والنسف والجوع التي (تزين) العالم في الوقت الحاضر ضمن متوالية مرعبة من الإصرار على الحقد والكراهية والتهميش والتكفير، وتفويض البشاعة والخطايا والتلذذ بحز الرقاب، وتقطيع الأطراف وإدامة شريعة الغاب.
إن من تابع خطاب بان كي مون عن التعاونيات في يومها السنوي ضمن الأسبوع الأول من الشهر الجاري لا بد أن يكتشف أن في أعماق هذا الدبلوماسي الكوري الجنوبي المحنك والدمث صرخة على درجة من الشدة يستغيث بها لإبعاده عن المساومات والمجاملات، والتستر على الأخطاء التي ترتكبها دول وجماعات (تتعاون) على الإثم والعدوان.
تستغيث الأمم المتحدة وكأنها الآن ضمن مناخ (الساكت عن الحق شيطان أخرس), إنه يدعو إلى التعاون وإلى مفهوم التعاونيات بوصفها الحل الأمثل في مواجهة القطيعة والتنافس المفتوح على الضغينة والاستحواذ.
في هذا السياق لا أنكر أننا في أغلب البلدان العربية لنا بعض التجارب في اعتماد التعاونيات التنموية، لكننا مع الأسف لم نرق بالتجربة التي لدينا إلى حد اعتمادها أسلوبا شاملا ينطوي على المزيد من الأهداف التنموية مع أن التجربة عالميا أسست قواعد عمل مهمة في هذا المجال, فهناك الآن مليونان و600 ألف تعاونية تضم أكثر من ثلاثة عشر مليون موظف, وتناهز قيمة أصولها مبلغ 20 تريليون دولار وتدر عائدات مالية سنوية ثلاثة تريليونات دولار, وتغطي طلبات اقتصادية يستفيد منها أكثر من 900 مليون مواطن أغلبهم من الشرائح الاجتماعية الفقيرة, أو ذات الدخل المالي المحدود التي تجد في اللجوء إلى التعاونيات حلا جذريا لحاجاتها الاقتصادية الأساسية.
إن الإحصاءات المشار إليها هي الآن في تصاعد مستمر أصلا ضمن متغيرات متواصلة في ارتفاع المستويات غير المسبوقة, مما يشير إلى أن هناك انطباعا متناميا بأهميتها, وبأنها تصلح لاحتواء شرائح اجتماعية أكثر مع مرونة واضحة في التعامل, الأمر الذي يتيح بصورة أو بأخرى لقدرتها على الاستقطاب بضم فئات اجتماعية جديدة إلى حيزها, وبهذا فهي الآن منافس لا يشق له غبار في مواجهة التوحش الطبقي وسطوة الثراء الفاحش.
أمام هذه الرقعة الإحصائية لأهمية التعاونيات الاقتصادية الاستثمارية بوصفها تمثل شبكة أمان, وأمام هذا الخزين العالمي من الاهتمام بالتعاونيات, يظل الرصيد العربي منها تحت طائلة الحاجة الملحة, ومن هنا لا بد لنا أن نبحث عن وسائل وفرص وإمكانيات تضمنا إلى ركب التعاونيات, ولكي نتبين الأولويات لا بد من إعادة هيكلة الذهن الاقتصادي والاجتماعي العربي من أجلها, أنا هنا لا أدعو إلى تأسيس منظومة عمل باستنساخ تجارب دول أخرى, بل أدعو إلى تعميق التجارب ضمن الهوية لمجتمعاتنا وتمرير المزيد من القناعات الأخلاقية بها, وهذه التوجهات بحاجة ماسة إلى تغييرات جذرية في أنماط التمويل المالي المصرفي وتنشيط دور البيوت المالية بهذا الاتجاه, وأضم صوتي إلى العديد من الخبراء والمعنيين بالتنمية المستدامة في جعل الأرياف أكثر المناطق البيئية والاجتماعية في إنجاز مشاريع من هذا النوع داخل القرى العصرية الزراعية, والزحف في هذا الاهتمام إلى مجال الخدمات العامة.
إن تحالفا مجتمعيا من أجل إيجاد أرضية عمل للتعاونيات هو أصلح السبل لإدارة العمل في التنمية المستدامة حقا، ولا مجال للتحالف في ذلك إلا من منطلق التضامن والشراكة.

إلى الأعلى