الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / المعسكر الصيفي يعاني تداعيات الحصار في غزة

المعسكر الصيفي يعاني تداعيات الحصار في غزة

لقد تبدد التزام المانحين الدوليين بمساعدة الفلسطينيين. فهل مستقبل هؤلاء الأطفال الذين يشكلون نحو نصف سكان غزة لا يستحق الاستثمار فيه؟ إن دورات المعسكر لا توفر فقط للبنات والبنين فرصا متساوية للعب، بل إنها تسعى أيضا إلى تعليمهم مهارات جديدة في اقتصاد يعاني من الاختناق، حيث فرص العمل الجيدة نادرة، فضلا عن غرس آليات التكيف مع البيئة المرهقة للغاية في غزة.

تتمايل بالونات تحمل شعلة على نمط الألعاب الأولمبية بشكل مبهج في السماء فوق فعالية للسباحة. وبالنسبة لآدم نيراب البالغ من العمر12 سنة والأطفال الآخرين على الشاطئ فإن تلك البالونات تمثل عنصر الهام لهم. فالبالونات تعني أن هناك في الحياة ما هو أكثر من الطائرات بدون طيار والتفجيرات والتهديد بالموت المفاجئ.
فدورات الرياضة والفنون في المدرسة التي ترعاها الأمم المتحدة توفر لأطفال غزة مظهرا من مظاهر الحياة الطبيعية ومنفذا للتعبير. فعلى مدى صيفين، كان آدم يعشق الذهاب إلى المعسكر الصيفي. فهو فرصة نادرة للعب والتعلم في بيئة خالية من الهم.
لكن البالونات وسباقات السياحة والدورات كانت فرص الأمس، وصارت ليس إلا ذكريات صعبا الوصول إليها. بفضل أزمة التمويل، كثير من الفعاليات الممتعة المخيم الصيفي تم إلغاؤها. وتعود حياة أطفال غزة إلى الرتابة الكئيبة في أن يكون لديهم القليل جدا لأكله والقليل جدا لعمله في إقليم يعاني من انقطاع الكهرباء لـ18 ساعة في اليوم.
بداية من عام 2007، كانت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (اونروا) ـ المزود الرئيسي للخدمات للاجئين في قطاع غزة ـ تقدم البرامج الصيفية الترفيهية والتعليمية لأكثر من ربع مليون طفل. وكان الآلاف غيرهم يستفيدون من جهود مماثلة تقوم بها منظمة اليونيسف.
وجراء تعرضهم لصدمات الحروب، والعيش تحت الحصار بدون المرافق الرئيسية، يكون للأطفال القليل الذي يمكنهم التطلع إليه بجانب أسابيع المتعة الصيفية التي ترعاها اليونيسف والأونروا. فقد كان المعسكر هو واحدا من الأوقات القليلة في حياتهم الذي يشعرون فيه بحقيقة أنهم أطفال، أو كما قال لي يون كونوجي الموظف الرفيع في اليونيسف “هذا أمر بالغ الأهمية في غزة، حيث يعيش الأطفال في بيئة صعبة، ويعانون من مستويات عالية من الإجهاد والضغط العصبي مع الأثر الضار على دراساتهم. فغالبا ما لا يكونون قادرين على المشاركة في الأنشطة الخارجة عن المناهج بسبب الاكتظاظ في الفصول الدراسية والمدارس التي تعمل بمناوبتين”.
ومنذ الدمار الذي خلفه عدوان 2014، يتزايد بشكل كبير حرمان أطفال غزة. ففي الشتاء، فإن آلافا من أولئك الذين شردتهم الحرب يتجمدون من البرودة في الملاجئ وفي الصيف تصبح تلك الملاجئ حارة بشكل خانق. ولعدة أسابيع، كان المعسكر الصيفي يقدم فترة راحة من كل ذلك.
والمساعدة المضغوطة التي توافرها الأونروا تم خفضها هي الأخرى بشكل أكبر وذلك ثمنا للانصياع للمتطلبات الأمنية الإسرائيلية المكثفة بشأن استيراد المستلزمات. فقد كبدت تلك الإجراءات الوكالة 8.6 مليون دولار العام الماضي، وهو مبلغ يكفي لبناء 6 مدارس أو إطعام نحو مليون لاجئ لمدة خمسة أسابيع.
وهذا العام، أوقفت الدول المانحة تمويلها للبرامج الصيفية. ولن يكون هناك أي دراما أو سباحة أو بناء حصون رملية ولا كرة طائرة ولا كرة قدم ولا رسم ولا عمل أشكال ورقية. وأطفال غزة الذين سجلوا رقما قياسيا عالميا في عام 2011 لأفضل الطائرات الورقية التي تطير في وقت أكثر من 10 آلاف لن يحصلوا على فرصة لكسر ذلك الرقم. وبداية من يوليو الجاري فإن حوالي 125 ألف طفل فقط سوف يشاركون في المعسكر أي نصف العدد الذي كان يشارك في السنوات السابقة.
لقد تبدد التزام المانحين الدوليين بمساعدة الفلسطينيين. فهل مستقبل هؤلاء الأطفال الذين يشكلون نحو نصف سكان غزة لا يستحق الاستثمار فيه؟ إن دورات المعسكر لا توفر فقط للبنات والبنين فرصا متساوية للعب، بل إنها تسعى أيضا إلى تعليمهم مهارات جديدة في اقتصاد يعاني من الاختناق، حيث فرص العمل الجيدة نادرة، فضلا عن غرس آليات التكيف مع البيئة المرهقة للغاية في غزة. فالشوارع غير آمنة للعب والمشي عند الحدود بالغ الخطورة حيث يمكن أن تصيب أي طلقات من الجانب المصري أي أحد يسير قرب الحدود.
والبديل الوحيد لذلك المعسكر هو المشاركة في برنامج تديره إحدى الفصائل السياسية الكثيرة في غزة التي تقوم بغرس فكرها لدى المشاركين. لقد خلف غياب برامج المانحين الدوليين فراغا. وقد أعلنت حركة حماس للتو فتح باب التسجيل للمعسكر الصيفي الخاص بها.
وسوف يكون الاختيار بالنسبة لأغلب الآباء هو بين أي من البرامج التي تقدمها حماس أو إرسال أطفالهم للعب في واحد من مخيمات اللاجئين القديمة التي أقيمت هناك بعدما تم إخراج الفلسطينيين من أرضهم وقراهم عندما قامت إسرائيل عام 1948.
ولا يشعر الآباء بالارتياح والاطمئنان لإرسال أبنائهم إلى مثل تلك المعسكرات، ويذكرون أنه يكونون مضطرين لذلك لعدم وجود البديل. وقد أسهم نقص الفرصة والإجهاد والإحساس بعدم الجدوى في زيادة معدل حالات الانتحار بين الشباب لتصل إلى نحو 40% في الأشهر الأولى من العام الحالي مقارنة بنفس الفترة من السنوات السابقة.
لقد كانت البرامج الصيفية لوكالات الإغاثة توفر على الأقل فرص عمل صيفية سخية بالنسبة لحديثي التخرج من الجامعات بما في ذلك البنات الحاصلات على تعليم جامعي. في العام الماضي كان هناك حوالي 34 ألف متقدم بطلب على 2200 وظيفة كمعلمين ومشرفين. والخيارات المتقلصة أمام الفتيات يعني أنه يتعين على الكثير منهن اختيار الزواج بدلا من الوظيفة. وفضلا عن كل ذلك، فإن حصار غزة الذي يدخل الآن عامه العاشر هو الذي يجعل الآلاف من شبابنا خاملا وعاطلا ويقيد اختياراته.
لقد تم وقف مبادرات السلام الأميركية والفرنسية بسبب تعنت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والحكومة الإسرائيلية. ومع ذلك، فحتى بدون الإرادة لضمان حرية الفلسطينيين، لا يزال هناك شيء يمكن للمجتمع الدولي عمله وهو توفير الأمل.
ويتمثل ذلك في تمويل البرامج التي تسمح لهذا الشباب بأن ينسى لساعات قليلة إنهم لاجئون في أرضهم. ويظهر لهم أن هناك بديلا للتحزب والقتال.
بالنسبة للدول المانحة، فإن الأنشطة الصيفية قد تبدو حاشية تافهة. لكنها بالنسبة لأطفال غزة فإنها توفر لهم شريان الحياة لمستقبل مختلف.

محمد عمر صحفي
ومؤلف كتاب” الصدمة الشديدة على الأرض في ظل العدوان الإسرائيلي على غزة.” خدمة نيويورك تايمز خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى