الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قراءات متعددة فـي المشهد الوطني «3ـ13»

قراءات متعددة فـي المشهد الوطني «3ـ13»

سعود بن علي الحارثي

لقد تفاءلنا كثيرا بالقضايا الساخنة والملحة والمهمة التي طرحت من قبل التلفزيون والإذاعة قبل سنوات قليلة في نشرات الأخبار الرئيسة، والتي كشفت الكثير من أوجه الفساد والخلل والقصور، وتعمقت في مشاكل وهموم المجتمع، وأوضحت مشاهد كثيرة عن الصورة الحقيقية وعن معاناة شريحة كبيرة من المواطنين، ولكن يبدو أن ذلك الطرح القوي والجريء بدأ في الضمور والتراجع..

ثالثا: في الانفراد بالمسئولية والرؤية الأحادية والاقصاء يكمن الخطر .
كلنا معنيون ومرتبطون بالشأن الوطني، بالاهتمام والمتابعة والسعي الحثيث والمشاركة في العمل الجاد وإظهار الروح المتفائلة لتحقيق أهداف التحسين والتطوير والتحديث والرقي والتغيير الإيجابي المفضي إلى الطموح وحياة أفضل وأجمل وأكثر نموا وازدهارا، بالكلمة الصادقة، والرأي الأصيل، والعمل المسئول، والفعل المحكم، والنصح الخالص، والمشاركة الفاعلة المثمرة، كلنا متفقون حاكما ومحكوما مؤسسات وأفرادا على أهمية التغيير المتواصل الذي من شأنه أن يحقق مصالح الوطن والمجتمع، ويعزز المكتسبات وحياة الازدهار والرفاه، كلنا متفقون على حساسية المرحلة وخصوصيتها وظروفها الاستثنائية محليا وإقليميا وعالميا، وهو ما نعلن عنه في خطابنا الرسمي وتقارير مؤسساتنا وكلمات مسئولينا وتصريحاتهم الصحفية ومشاركاتهم العامة المدركة والواعية لمتطلباتها ـ أي المرحلة ـ واحتياجاتها المتمثلة في العمل على تعزيز قيم المشاركة في تحمل المسئولية وفي اتخاذ القرارات الوطنية وتحقيق مبادئ العدل والمساواة، والعمل على تغليب المصالح العامة بقوة القانون وبقوة المؤسسات القضائية والرقابية والمدنية والإعلامية، فبها تحقق الشعوب والدول هذه القيم المثلى، وتشجيع حرية التعبير عن الرأي المنضبط والمسئول، وحماية الكتاب والمثقفين والصحفيين من الاعتقال والمساءلة والعقوبة إلا بنص القانون واستنادا لتجاوزات وممارسات نص عليها القانون وأدلة تدحض كل شك واجتهاد، والعمل على مراجعة وتعديل القوانين والأنظمة التي من شأنها حماية الكلمة المنضبطة والمسئولة التي تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة للوطن والمواطن، فمن شأن ذلك أن يوفر بيئة صالحة لممارسة العمل الوطني بكل صوره وأشكاله، ووضع جميع الأطراف أمام مسئولياتهم في العمل الجاد في صيانة المكتسبات وتحقيق الطموحات، وتعزيز قيم المشاركة الفاعلة، فلا أحد فينا يختلف على هذه الأسس والمعايير والمبادئ في إحداث التغيير والتعامل مع المرحلة، فالعمل الوطني يتطلب أعلى درجات المسئولية، والوعي والشعور بالحس الوطني، فكل كلمة يتفوه بها المواطن أو المسئول والكاتب والمثقف أو يكتبها وينشرها في وسائل الإعلام والمنتديات ووسائل التواصل، وكل قرار يتخذ أو خطوة تجري في الشأن الوطني وفي قضايا المجتمع ومصالحه لها عواقب ونتائج وهو ما يجب أن نحسب له حسابه، فالارتهان إلى العواطف والانفعالات والانطباعات المتسرعة في طرح الآراء وتقييم الأوضاع وقراءة الأحداث، والخروج عن قيم المجتمع ومبادئه، والتحريض والتهم المعلنة التي تفتقر إلى الأدلة والاجراءات القانونية، وتصنيف الناس وربطهم بجهات معينة وقراءة أفكارهم اجتهادا أو نكاية والحكم عليها بأقسى العقوبات، والتعصب الأعمى لرأي أو فكر، والتراشق بالكلمات البذيئة والمس بالمحظورات وخصوصيات الناس، واستغلال الحريات المتاحة وشبكات التواصل من جانب أو السلطة لمن هم فيها من جانب آخر في ممارسة حقوق مزعومة تتنافى مع القوانين والشرائع واستفزاز المواطن … جميعها تشكل خطرا كبيرا على حاضر الوطن ومستقبله، وتضع المواطن أمام خيارين لا ثالث لهما وتعمل على وأد كل المكاسب التي تحققت في مجال الحريات والتطوير والمشاركة، وتضع العقبات أمام كل عمل جاد ومخلص وكلمة ناقدة ورأي أصيل تهدف إلى الإصلاح والتقدم، وتعيق كل المساعي الطيبة التي يقوم بها الكثير من المخلصين لمعالجة المشاكل وتبني قضايا المجتمع، وتقديم المبادرات والأفكار المخلصة، وكشف أوجه الخلل والقصور الحكومي. … لقد تفاءلنا كثيرا بالقضايا الساخنة والملحة والمهمة التي طرحت من قبل التلفزيون والإذاعة قبل سنوات قليلة في نشرات الأخبار الرئيسة، والتي كشفت الكثير من أوجه الفساد والخلل والقصور، وتعمقت في مشاكل وهموم المجتمع، وأوضحت مشاهد كثيرة عن الصورة الحقيقية وعن معاناة شريحة كبيرة من المواطنين، ولكن يبدو أن ذلك الطرح القوي والجريء بدأ في الضمور والتراجع، وبدأت تلك القضايا الحيوية تتحول إلى قضايا عادية وهامشية ومحلية في مجملها، وهو ما نلاحظه كذلك في برامج الشباب والبرامج الحوارية الأخرى، وقد تكرر ما حدث لبرامج عديدة في السابق وتناولته في مقالات سابقة، وفي المقابل فعندما تنفس البعض أجواء الحرية أساءوا للأسف إليها بكتابات مسيئة وكلمات بذيئة واتهامات استفزازية لا تليق بكاتب أو مثقف أو إعلامي أو حتى مواطن عادي يتحلى بروح المسئولية، ويعلم بأن كتاباته تلك لن تؤدي إلى إصلاح ولا إلى تطوير ولا إلى كشف دقيق ومدلل عن فساد، بل ستقدم الحجة والمبرر إلى كل من يعمل من أجل التضييق على الحريات ومحاربة الكلمة الصادقة وإبقاء الأمور على حالها من المنتفعين والفاسدين والنافذين، ووأد كل عمل مخلص يهدف إلى تحقيق المصالح العامة ومعالجة المشاكل وتعزيز قيم المشاركة. إنني بحق أشعر بعميق الحزن والألم والخجل أحيانا للعبارات المسيئة والأطروحات الهزيلة ومحاولة البعض إقصاء الآخر والتشكيك في حبه للوطن والانفراد بالرأي، وتبادل الاتهامات التي تقدم الشكوك والانطباعات والأهواء على الدليل والحجة واليقين والمعرفة، والتي يتقاذفها البعض ويشاركون بها في المنتديات وشبكات التواصل الاجتماعي والتي يستثمرها بعض المسئولين مسايرة وتجاوبا كذلك للترويج والتسويق لأنفسهم وإحاطتها أو حمايتها ـ كما يعتقدون ـ بهالة من الشعبية المجتمعية، في مواقف تعبر للأسف عن الازدواجية والتناقض لمن قدر له أن يتعرف مصادفة أو معايشة لبعض التصرفات والسلوكيات، والتي تعبر عن الخواء الفكري والثقافة الهزيلة التي تؤسس لها مناقشات شبكات التواصل للأسف، وعلى العقلاء والحكماء والأدباء والمثقفين ومؤسسات المجتمع المدني وجميع الأطراف الذين تعنيهم مصلحة هذا الوطن ويعملوا داخل هذه المظلة أن يتساءلوا أولا عن الأسباب الحقيقية لهذا التحول الخطير في أخلاق المجتمع وفي سلوكياته وثقافته، لماذا تبدلت الرؤى والاهتمامات والقيم؟ لماذا هذا التنابز والتراشق والسباب والصراخ؟ لماذا لا نرى في الوطن إلا مصالح وامتيازات شخصية ندافع وننافح عنها درجة العمى عن رؤية الكثير من الحقائق؟ لماذا لا يرى الواحد منا الحق والصواب إلا في رأيه وكتاباته ومناقشاته، ومن يخالفها ويشذ عنها يناصبه العداء ويكيل له الاتهامات؟ لماذا تعمل بعض الأطراف بمنأى عن الأطراف الأخرى، ووفق ثقافة وخطاب وأداء يخالف متطلبات المرحلة ومصالح الوطن ويجهض جهود الآخرين المخلصة؟ لماذا لا نلتقي جميعا وعلى طاولة واحدة نتحاور ونعمل ونسعى، نتفق ونختلف من أجل مصالح هذه الوطن ومن أجل مستقبل مشرق لأبنائنا متخذين من قيم الشورى نبراسا يؤسس للحوار والنقاش، الاختلاف والاتفاق؟ لماذا لا نعمل معا من أجل صياغة مشروع وطني محكم يضع كل مواطن أمام مسئولياته وأمام واجباته وحقوقه؟ مشروع وطني متكامل يهدف إلى إصلاح التعليم ومراقبة المال العام، وتعزيز الموارد وتنويع المصادر وتشجيع ثقافة العمل الجاد والأخذ بيد المواطن للاعتماد على نفسه بعد تأهيل سليم وتدريب فاعل مجد، وضمان التوزيع العادل للثروة، ومكافحة الفساد، وتعزيز قيم المواطنة والانتماء والعمل والشعور بالمسئولية وتعريف المواطن بحقوقه وواجباته… تشترك في إعداده وصياغاته الحكومة ومجلس عمان وغرفة تجارة وصناعة عمان ومؤسسات المجتمع المدني. إن الشأن الوطني وقضايا المجتمع وشئونه مسئولية الجميع، فكلنا معنيون بمراقبة وتقييم ومراجعة أوجه الخلل والقصور وشكل التغيير الذي يحدث للمجتمع، والتعرف على أسباب المشاكل والتأزمات والعمل على معالجتها، جميعنا يفرض علينا الواجب حماية هذا الوطن من السلوكيات المنحرفة، والقرارات الطائشة، والآراء المنفعلة، والأعمال التي لا تخدم إلا فئة، وما يمكن معالجته وتلافيه وضمانه اليوم قد لا يمكننا ذلك في الغد، إن كل ما يتعلق بالشأن الوطني وبقضايا المجتمع لا يمكن أن تنفرد بمسئوليته مؤسسة أو طرف أو فرد من الأفراد، فهي مسئولية يشترك فيها الجميع كل من موقع مسئوليته، والمواطنة كذلك حق يشترك فيها المواطنون جميعا، ولا يملك أي أحد أن ينتزع هذا الحق إلا بحكم القانون ووفقا لجرم كبير أو خيانة، ففي الانفراد بالمسئولية والرؤية الأحادية والإقصاء يكمن الخطر. وفي هذه الأيام السعيدة حيث يحتفل العمانيون بيوم النهضة العمانية أو يوم التحول الكبير علينا أن نستذكر كلمات سلطان البلاد المفدى ـ حفظه الله ورعاه ـ في سعيه الحثيث إلى (بناء المستقبل المزدهر السعيد المنشود لهذا الوطن) كما جاء في أول خطاب لجلالته، وبعد مضي ستة وأربعين عاما من عمر هذه المسيرة المباركة، فقد تعددت التحديات الداخلية والخارجية التي تتطلب منا جميعا مسئولين ومواطنين أن نتعامل معها بدرجة عالية من الوعي والحذر، متحدين متماسكين متفقين على أن الوطن أمانة في أعناق كل واحد فينا، وعلى المسئولين جميعا أن يعملوا ليلا ونهارا بكل إخلاص وأمانة، وبذل كل الإمكانات لتحقيق الغايات والأهداف التي رسمها جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم وأكد عليها في خطاباته وكلماته السامية وتنفيذ توجيهاته وتعليماته ـ أيده الله – والمتمثلة في إسعاد المواطن والحفاظ على مكتسباته وتعزيز ثقته في أداء الحكومة وتوفير فرص عمل للباحثين والمضي قدما في تعزيز الموارد وتطوير القطاعات والأنشطة الاقتصادية واستثمارات إمكانات السلطنة في مختلف المجال والحقول بهدف الاستغناء التدريجي عن النفط وتحرير الاقتصاد من قيوده.

إلى الأعلى