الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن :سياسة عمانية متزنة تسهم فـي الاستقرار والسلام

رأي الوطن :سياسة عمانية متزنة تسهم فـي الاستقرار والسلام

منذ القدم وكان للعماني دور بارز كهمزة وصل في عملية التواصل الفكري والحضاري بين الأمم، فأبناء البحر تربوا وترعرعوا على تراث يمزج ما بين التجارة والدبلوماسية، لهذا فليس من المستغرب أن يبني حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ رؤيته الخارجية، على أسس وثقافة راسخة تحافظ على معادلة قوامها صفر مشاكل، وتقوم على الاحترام المتبادل، خصوصًا حق السيادة. فالسلطنة حرصت منذ بواكير النهضة المباركة على إقامة علاقة صداقة وود بكافة شعوب العالم، تحرص دومًا على عدم التدخل في شؤون الآخرين الداخلية، وترفض بعزة وشموخ أي تدخل خارجي في شؤونها يتخطى حدود النصيحة، ودمجت بين دبلوماسية تسعى للتنمية وتبادل المنافع، وأخرى تحرص على أن تنأى بنفسها عن الصراعات، كانت وما زالت تراها أكبر عوائق نهوض الأمم، كما تؤطر علاقات تسمح لها أن تكون حلًّا في معادلة الصراعات الدولية والإقليمية، ومخرجًا لمن أدخلته النزاعات طريق اللاعودة.
فالتاريخ القديم والحديث للسلطنة يشهد على تلك القواعد التي لا تنحاز مطلقًا لتحالفات تبعدها عن رغبة النمو، ولا تخوض صراعات تراها تهديدًا للاستقرار الإقليمي، وهو بالتالي ينعكس على استقرارها الداخلي، بحكم التواصل والأخوة والصداقة التي تجمعها بكافة شعوب المنطقة، من منطلق الحياد الإيجابي الذي يحرص على تقديم النصيحة في البداية، ويرفض الانجرار للتحزب مع قيام الصراع، ويترك بابها مفتوحًا عندما ينهك المتصارعون، ولا يجدون غير المائدة العمانية الدبلوماسية الرحبة، واللغة العمانية البعيدة عن قعقعة المعارك، التي تتميز بالهدوء والرصانة، والرغبة في الإصلاح، دون انحياز لطرف ضد آخر، وإنما تنحاز دومًا للحق والعدل والمساواة، وتنطلق من ثوابت وحدة المصير والأخوة والصداقة، مغلفة بواقعية سياسية، تدرك حقائق الجغرافيا السياسية وحدود القوة والإمكانات، والأولويات للفئات الملتئمة على مائدة المفاوضات، دون وصاية على أحد، ولا معاداة آخر.
إن هذه السياسة الخارجية التي رسختها حكمة قائد عمان المفدى تأتي من الإيمان المطلق بالسلام والسعي الدائم إليه، عبر تقوية أواصر الصداقة مع الجميع، على أساس من العدل الشامل، والاحترام المتبادل، والعمل بكل جهد دؤوب على إيجاد حلول للقضايا التي تؤرق العالم، وتهدد السلم والأمن في المنطقة، مع الحرص دومًا على رفع الظلم عن المظلومين، والإسهام في ترسيخ الأمن والاستقرار، وتحقيق الوئام والتعاون بين مختلف الشعوب، لهذا أطلق على جلالته لقب رجل السلام، ونالت مواقفه البيضاء إشادات واستحسانات العالم على مدار الـ46 عامًا من عمر النهضة المباركة. فعُمان منذ بواكير النهضة كانت مفتاح الحل للعديد من القضايا الإقليمية الحساسة، التي استطاعت السلطنة بفضل سياستها الخارجية البعيدة عن الغلو والتشنج، إيجاد حلول أسهمت في حقن الدماء ووقف إهدار فرص التنمية، ولعل هذا الدور يتواصل في ما تقوم به السلطنة في الأزمة اليمنية، والليبية، وما قامت به في الملف النووي الإيراني، وغيرها من الأزمات التي تنهك المنطقة.
ولعل هذا الحياد الإيجابي لسياسة السلطنة الخارجية لم يؤثر على ما تراه السلطنة وتحرص عليه دومًا من واجب قومي وطني تجاه مناصرة القضية الفلسطينية، وسعت ولا تزال تطرق كل الأبواب في سبيل ضرورة العمل لإيجاد حل عادل ومشرف ينصف الشعب الفلسطيني، ويستجيب لمبادراته السلمية التي تعبر عن إصراره على حقه في الحرية وتقرير المصير. ولم تفتأ السلطنة تذكر العالم بواجبه نحو لجم جماح «إسرائيل» ودفعها بكل وسائل التأثير الفعال لوضع حد لتعنتها لكي تتاح فرصة حقيقية للتوصل إلى تسوية سلمية شاملة، تكفل نهاية سريعة للمحن القاسية والمريرة التي يعانيها الشعب الفلسطيني كل يوم تحت وطأة الاحتلال, وتعيد إليه حقوقه المشروعة في الحرية وإقامة دولته المستقلة, كما تضمن السلام العادل والشامل لكافة شعوب المنطقة.
لقد كانت السلطنة تسعى دومًا لمؤازرة استقرار المنطقة عبر دعوة الجميع الى الالتزام بمبادئ التعايش السلمي بين الدول، واحترام قواعد القانون الدولي المنظمة للحقوق والواجبات على أساس من الرغبة الصادقة في تجنيب المنطقة عوامل عدم الاستقرار، وتمكينها من مواصلة النمو والازدهار دون أن يؤثر الاختلاف في وجهات النظر تجاه قضايا معينة في البعد عن أهداف الاستقرار، والتكامل الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية لكافة سكان المنطقة، ما من شأنه توثيق عرى الأخوة، وتقوية روابط التعاون والتفاهم والتعاضد التي تدعو إليها جملة من الحقائق التي تجمعهم وهي أواصر العقيدة، وروابط الجوار والمصالح المشتركة.‏

إلى الأعلى