الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / محمد الرحبي: وظيفة الأدب كشف الواقع الذي ربما يصدمنا
محمد الرحبي: وظيفة الأدب كشف الواقع الذي ربما يصدمنا

محمد الرحبي: وظيفة الأدب كشف الواقع الذي ربما يصدمنا

مسقط ـ العمانية:
تمثل رواية محمد بن سيف الرحبي الأخيرة “اسمها هند” تجربة مختلفة عما أصدره في الرواية سابقاً، حيث يقارب فيها بين عالم الواقع وعالم الافتراض، وكأنه يريد القول إننا بتنا نعيش، على الصعيد الإنساني، في عالمٍ هو نتاج عالمين مختلطين؛ كليهما واقعٌ وكليهما افتراض في الآن نفسه.
ويقول الرحبي في حوار مع وكالة الأنباء العمانية إن المفارقة أننا “نعيش مأزق هذا الفهم الضائع لتفسير ما هو الواقعي في حياتنا، وما هو الافتراضي، والحدود المفترضة أو الضرورية بينهما”، مضيفاً أن تعبير “الافتراضي” دخل قاموسنا مع أنه شائك إلى حد واسع، فنحن الأشخاص الواقعيين “ألسنا افتراضيين أيضاً بالنسبة لكثيرين ونحن نطل عليهم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وهي تفترض أن كل ما يأتي منها افتراضي؟!”.
ويتابع الرحبي بقوله: “لدينا آلاف الأصدقاء الذين نفترض أنهم أصدقاء ولكننا لا نراهم إلا على شاشة حاسوب، ولا نتبيّن من ملامحهم سوى حروفهم في غالب الأحيان، وصورهم التي، ربما، لا تشبه صورهم الحقيقية، كما إن أسماءهم قد لا تكون هي نفسها الحقيقية”.
ويبين أن تجربته الروائية اقتربت من هذا المأزق الإنساني؛ المتمثل في “أن يصاب الذي يعرف الواقع ويعيشه، بالقلق من اسمٍ افتراضي، لا يعرف حقيقته، أو هويته، أو شكله، ومع ذلك يتداعى إليه، وعليه، على نحو صادم”.
وهو يقر أن هذه الفكرة “لم تكن غير مسبوقة”، لكنه حاول أن يمضي بها في اتجاهات تدمج الأفكار السابقة بعضها ببعض، وتعمل على “تقديم الراوي بمواجهة بطلته الآتية من خلف الحاسوب، فترتبك حياته من هذه العاصفة التي باغتته في هدوئه الذي تحركه زوابع العمر وأسئلته، باحثاً عن ذاته بعد مرور كل هذه المساحة من السنين، والمسافة الممتدة بينه وبين طفولته، إذ تعرف المرأة الافتراضية تفاصيله ولا يعرف عنها ما يروي ظمأه كي يستريح قليلاً”.
وحول النظرة الفلسفية التي ينطوي عليها إهداء روايته “اسمها هند” الذي جاء فيه: “إلى العام الخمسين من عمري، جئتني بعد نصف قرن، كم بدوت لي قبلئذٍ.. بعيداً جداً.. جداً.. كأنك المستحيل”، يوضح الرحبي أن الرواية تبدأ بمقاربة العمر، وأسئلته، وحضوره، والبحث عن هوية خلف كل هذه الهويات التي تربكنا، والمهاوي التي تتعقبنا وتحاصرنا. ويضيف أن الإهداء توضيح للشخصية الفاعلة في الرواية، شخصية الكاتب/ السارد، حيث حالة الإيهام حول الكاتب؛ هل هو ذاته بطل الرواية، أم إنها مجرد حالة تشابه أو تماهٍ بشكلٍ ما يذيب الفواصل بين الواقعي والافتراضي؟
ويلفت إلى أن هذا ما حدث حين طُرح السؤال عن حضوره كروائيّ في الرواية: “من هي البطلة/ هند؟ وأين تسكن؟”، رغم أن الأمر لا يتعدى حكاية اخترعها، وبناها من خلال تضارب العالمين، وخشية الواقعيّ من غموض الافتراضيّ.
ويضيف حول ثيمة الإهداء الذي يعدّ عتبة أولى وأحد مفاتيح الرواية: “هي خشيتنا، كلما أصبحنا بعيدين عن طفولتنا، من هذا الوحش المتفجر بين أصابعنا، أصابع كل من في الأسرة والمجتمع، المنشغلين عن أنفسنا وعمّن حولنا، بحوار الأصابع مع شاشات صمّاء.. من الأعناق المنكوسة لتتبع حوار (الطرشان) عبر الهواتف (الذكية) فتتركنا في غباء اجتماعي وتجعلنا ننشغل عن الحوار مع القريبين الجالسين على بعد سنتميترات، فتخسر لغتنا مشاعرها، حيث لا مشاعر كالتي تقولها وجوه مَن نحاورهم أمامنا، وتعبّر بها تنويعات أصواتهم وتدرجاتها صعوداً أو نزولاً، نحن الذين ذهبنا على سطح العمر نصف قرن، أين موقعنا من كل ما يحدث، وإلى أين نمضي ببقية العمر في دروب نُساق فيها، ولا يبدو أمامنا من خيار، وقد أنفقنا العمر ننشد خياراتنا الذاتية”.
وحول رأي بعضهم أن رواية “اسمها هند” تقارب السيرة الذاتية لمؤلفها، بخاصة وأن كتابه “بوح الأربعين” تضمّن نصاً يشبه السيرة الذاتية، مما يجعل المرء ينظر إلى هذه الرواية على أنها امتداد لذلك النص، يقول الرحبي إن الاشتغال في روايته الأخيرة مختلف، فهذه رواية “لها أفقها الفني وفق تقنية الكتابة الأدبية”، أما “بوح الأربعين” فسردُ مراحلِ عمْرٍ بشكل مباشر. ويضيف: “أبدو في الرواية لاعباً رئيسياً، حيث تجريب المقاربة بين الواقعي جداً والافتراضي جداً، والصدام بين عالمين نعيشهما، حتى يصبح من يعيش الواقع مصاباً بحالة قلق عميقة لأن الواقع حقيقي وله ارتداداته الاجتماعية والمعنوية، عكس ذلك الافتراضي الآتي من خلال شاشة الحاسوب، والذي يمكن حذفه بكسبة زرّ على لوحة مفاتيح أو هاتف نقال، كم يمكن العبث بحياة الآخرين بأزرار أيضاً!”.
ويقرّ الرحبي أن الصورة العامة للفكرة تبدو مقاربة لبوحٍ خمسيني، لكنه بوحٌ “من نوع مغاير”، حيث التفاصيل حكائية صدامية، وليست سرداً ذاتياً كما هو “بوح الأربعين”.
ورداً على سؤال حول الرسالة التي كان يود إيصالها من روايته “الخشت”، التي اعتمدت على لعبة تقليدية حملت الرواية اسمها، يؤكد الرحبي أن هذه الرواية قرأها بعضهم من منظور جسدي فقط، وعلى أساس أن المجتمع فاضل ولا علاقة له بتلك العلاقات المتفجرة التي وردت في سياق الرواية/ اللعبة، وأن للكاتب بعامة حريته في الكتابة، وللآخرين حريتهم في قبول ذلك أو رفضه.
ويوضح أنه خاض في هذه الرواية التجريب على مستوى الشكل، حيث تم بناء الرواية وفق تقنية اللعبة التقليدية وفي مجتمع تقليدي، كما إن التجريب شمل اللغة بوجود الحوارات باللهجة العُمانية، إلى جانب تناول المسكوت عنه في المجتمعات التقليدية.
ويرى أن المسألة تدور حول: ما الذي يمكن أن نكتبه من مسكوت عنه لم يتجرأ أحد على تناوله، وما المسموح به في راهننا الحالي، والذي سيصبح يوماً ما متاحاً كأنه الاعتيادي، تماما كما هي فكرة التحولات التي تصيب العادات والتقاليد؟
وبشأن “رسالة” العمل الروائي يقول: “ليست وظيفة الأدب نقل الرسائل، بل كشف الواقع الذي ربما يصدمنا”، موضحاً أن هذه الأمور “نسبية”، وأن هناك “من يخشى من بضع كلمات عن علاقة جسدية، ويتوقع أنه برفضها سيمنع تياراً هادراً من الحديث عن جسدٍ تأتي به الشاشات، حتى العربية منها، عدا الهواتف المحمولة في المخادع”.
ويبين الرحبي إنه مع التوظيف الفني لفكرة الجسد دون وقوع في فخاخ الألفاظ، والتي تبدو خارج السياق الاجتماعي أو الأخلاقي للمجتمع، ويرى ضرورة احترامها في ذلك، لأن اللغة الأدبية “لا يُفترض أن تهبط إلى دركٍ ما نخجل من نطقه من مفردات، بينما نحن نتحدث عن الجسد، صراحةً أو تلميحاً، في كثير من الأحيان”.
وحول اتجاهه إلى التجريب وهو يتناول موضوعاً يعتمد على “التاريخ العُماني” في روايته “السيد مر من هنا” يقر الرحبي أن في هذا التناول “مخاطرة ومجازفة”، حتى إنه في لحظاتٍ كثيرة قرر التوقف عن الكتابة، ويضيف: “لكن التاريخ العُماني في شرق إفريقيا أخذني كثيراً إلى ضوئه، بحيث لم أكن أرى سواه وأنا أتتبع السيد سعيد بن سلطان، حاكم عُمان وزنجبار، وأرصد مسيرته التي خلّدته، وصولاً إلى رحلة السفينة سلطانة إلى نيويورك حاملةً أول مبعوث عربي نحو الولايات المتحدة على ظهر سفينة فيها من التناقضات ما يحفّز على الكتابة”.
وحول الفرق بين القصة والرواية، يقول الرحبي الذي أصدر عدداً من المجموعات القصصية: “أول ما شاغبتُ الحكايةَ كتبتها قصةً، لكن الرواية علّمتني أن الاتساع الحكائي متاح أمام رغبة الكاتب في السير بشخصياته في بناء بعيد المدى، عكس القصة التي تحاصره في صفحات قليلة، وفي حدث مركّز ومختزل”. ويضيف: “الرواية فن عجيب، وبناء يستغرق وقتاً طويلاً، في كتابته، وملاحقة أحداثه، وبناء شخصياته”
لكنه يعترف أنه لا يمكنه الادعاء أن أحد هذين النوعين الأدبيين أقرب إليه من الآخر، مؤكداً: “كلاهما عالمي الذي أحب، وكلاهما وجدت فيه ضالّتي للحكاية، قراءةً وكتابة، وكلاهما أعطاني قرّاء حققوا لي مكسباً كبيراً حلمتُ به كثيراً، والقول إن هذا أقرب إليّ من ذاك فيه ظلمٌ لأحدهما ونكران”.
وبشأن كتابته المسرح والمقالة والنص المفتوح، وصلته بعالم الصحافة والإعلام إلى جانب كتابته القصة والرواية، يوضح الرحبي أنه لم يسعً إلى أن يكون كاتباً شمولياً، فالكتابة بالنسبة إليه “حياة شمولية” يستمتع فيها بالكتابة، والفكرة كما يقول: “تختار مسارها، لأنني عوّدت نفسي على فتح كل المسارات أمام الاشتغالات الكتابية بحثاً عن التجريب على مستوَيي الفكرة والشكل.. هو بحثي الدائم عن شيء جديد تمنحني إياه هذه الحياة/ الكتابة”، متسائلاً: “هل هو بحث عن الذات من خلال الكتابة وأشكالها، أم بحث الحياة عن نفسها في داخلي كوني كاتباً يريد أن يجرّب أشكالاً من الحياة”.
ويوضح أن الصحافة كانت مهنته، فأخلص لها منذ دخلها “فني مونتاج” في المطبعة، حتى خروجه من صحيفة “عُمان” مديراً للتحرير، ثم حقق حلمه القديم أن يكون رئيس تحرير مجلة شاملة، هي “التكوين”، والتي تكمل عامها الأول في نوفمبر المقبل. لكنه يعود ليؤكد: “الكتابة الأدبية مزاجي الخالص والخاص، أجرب في الأدب ما تريده ذاتي، أما الصحافة فهي مهنة لكسب لقمة العيش والكتابة وفق رغبات أخرى لا علاقة لها بمزاج الذات وتجلياتها”.
ويرى الرحبي أن واقع الأدب والحركة الثقافية في السلطنة “ليس كما هو المأمول” لكن هناك مؤسسات تعمل “لتؤسس لمشهد ثقافي له ديمومته وتكامليته، رغم الظروف المحيطة، حيث دعم هذه المؤسسات أقل من طموحها لتقديم المزيد”.

إلى الأعلى