الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)
(ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)

(ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)

إن الظالمين في كل زمان ومكان، لغـتهـم واحـدة في الـوقـوف ضـد الحـق، خـصوصا إذا خـافـوا عـلى مصالحـهـم، فهـم يجحـدون وجـود الله ، ويـكـذبـون بأن الـرسـل أن يـكـونـوا بشـرا.
قال الله تعالى: {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون}، ولـذلك يأمـر الله تعالى نبيـه (صلى الله عـليه وسـلم) بالصبر فـيقـول له:{فاصبر على ما يقولون}، ثم يقول له: {وسبح بحمد ربك} بعـد أن أمـره بالصبر أمـره بالتسبيح، واشـتغــل بتسبيح ربك آناء الليل وأطراف النهار ودعهـم، فالله تعالى هـو الـذي يعـلم حـالهـم وهـو الـذي سـيجازيهـم، عـلى أعـمالهـم إن خـيرا فخـير وإن شـرا فـشـر.
والتسبيح: هـو تنزيه الله عـز وجـل عـن كل نقـص، لأنه هـو الـكامل الكـمال المـطـلـق، وهـو القادر الـقـدرة المطلقة، والعالم العلم المحـيط بـكل شـيء، والفـعـال لما يـريـد بإرادة كاملة لا إكـراه فـيها، وشـكـر الله تعالى واجـب قـائـم لا ينـقـطـع أبـدا، عـلى خـلـقه السماوات والأرض، وعـلى خـلـقه الإنسان في أحسـن تقــويـم، وعـلى هـدايته وإرشـاده، وعـلى إرسـال الـرسـل وإنــزال الكـتب، وبخاصـة نبيـنا محمد (صلى الله عـليه وسـلم)، الـذي جـعـله خـاتـم الأنبياء والـرسـل، ورسـالته خـاتمـة رسـالات السـماء إلى الأرض .
قال الله تعالى: {وسـبح بحمد ربـك قـبـل طـلـوع الشمس وقـبـل الـغـروب ، ومـن اللـيـل فـسبحـه وإدبار السجـود} سورة (ق) 39/40، هـذه الأوقات تشبه الأوقات التي ذكرها الله تعالى في قـوله: {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبحه وأطراف النار لعلك ترضى} سـورة طه 130.
وهنا في هذه السورة، سورة (ق) جاءت كلمة ( الـ ) عـوضا عـن المضاف إليه ، فـقال الله تعالى: {قبل طلوع الشمس وقبل الغـروب}، يعـني : قـبـل غـروبها ، وذلك مـن أجـل اتساق رؤوس الآيات بالباء والـدال من أول السـورة، وفي القرآن الكريم آيات كـثيرة تأمـر النبي صلى الله وسـلـم وتأمـرنا جـمـيـعـا بالتسبيح قـبـل طـلـوع الشمس وقـبـل الغــروب، ومـن الليـل وإدبار السـجـود، وبـكـرة وأصـيلا، وعـشيا وعـنـد الظهـيرة ، والصباح والأصـيـل والمساء، وقـرآن الفـجــر ، فـيا تـرى ما المـراد من ذكـر هـذه الأوقـات كلها؟.
يؤخذ من مجموع تـلك الآيات ما يـرشـدنا إلى التفـسير العـام لأمـثـال هـذه الآيات، وهـو أن الله تعالى يأمـر نـبيه صلى الله عـليه وسـلم، ويأمـرنا بالتـبـع، بتسـبيحه وذكـره في كل الأوقات، وهـذا معـروف في اللغـة، تقـول مثلا: فـلان يعـمـل كـذا وكـذا ليـلا ونهارا، بـكـرة وأصـيلا، غـدوا وعـشيا، والمـراد هـو الـدوام، لأن كل وقـت من هـذه الأوقات له قـيمته وله روعـته، ولـه أثـره في النفـوس، وإذا تـفـكـر الإنسان فـيها يـرى فـيها قـدرة الله تعـالى تتجـلى في كل شيء، فـلا يمـلك الإنـسان نفـسه دون أن يـقـول (سـبحان الله)!.
فمثلا قوله تعالى:{وسـبح بحـمـد ربـك قـبـل طـلـوع الشمس وقـبـل الغـروب} أو ليس طلوع الشمس من أعـجـب ما يـرى الإنسان؟، ولـكـن الإلـف والعـادة جـعـلنا لا نـوليه قـيمة، ولـكـن لـو أن إنسانا لم يـر الشمس وقـت طـلـوعـها في حـياته أبـدا ثـم صادفهـا مـرة لـوقـف مـنـدهـشا متعـجـبا بهـذا المنـظـر الجـميـل ، منـذ أن يبـدأ الفـجـر عــمـودا إلى وسـط السماء، هـذا الفـجـر الـذي يـمسى الفـجـر الـكـذاب، والذي لا تحل به صلاة الفـجـر، ولا يحـرم به الأكـل في رمضان، ثم يبدأ ضـوء الشمس يقترب رويدا رويدا حـتى يظهـر الفجـر معـترضا، فـيبـدأ في الاحمـرار شـيئا فـشيئا، ثـم تشـرق الشمس ، بحـيث يسـتطـيع الإنسان بالعـين المجـردة أن يـرى قـرصـها مسـتـديـرا تـمام الاسـتدارة، أحـمـر حـمـرة شـديـدة، ثـم تبـدأ في الطـلـوع شـيئا فـشيئا.
إن هـذا المنظـر لعـجـيـب حـقا في ذاته، ثـم إن فـيه ولادة نهـار جـديـد لنا لتقسـيم الـزمان فنحن نـرى كـيـف أنعـم الله تعالى عـلينا باطـلاع هـذه الشمس التي تهـدي الحـياة بـطاقـتها وتـوزعـها عـلى كل ما عـلى ظـهـر الأرض، مـن إنسان وحـيـوان ونـبات وجـماد، بـل حـتى عـلى ما في باطـنها مـن مـعـادن ومناجـم ومـدخـرات، إذ هـناك أشـعـة تخـترق طـبقـات الأرض، كما تخــترق صـفحـات مـياه البحـار، وتصـل إلى حـيث يـريـد الله تعالى أن تـصـل ، ولـولا هـذه الشمس ودوران الأرض عـليها وعـلى نفـسها، لما أمـكـن أن يكـون عـلى ظهـر الأرض حـياة.
فـمنـظـر الشـروق رائـع حـقا يسـتقـبله الإنسان نهـارا، ثـم لا يـزال الضـوء يـزداد حـتى تصـل الشمس كـبـد السماء، فـيشـتـد حـرها ويتسـع شـعـاعـها، ولـوقـوف الشمس في كـبـد السماء روعـته وجـماله، ثـم تـبـدا تمـيـل نحـو الغـروب، ومنـظـر الغـروب منـظـر جـميـل رائـع كـذلك، إذا بـدأت الشمس تصـفـر وتحـمـر وتكـون شـفـقا من حـولها وفــوقـها، وعـن يمينها وعـن شـمالها حـتى تشـرع في الدخـول في الأفـق، إنه منظـر رائـع حـقا يـقـدر به الإنسان قـدوم اللـيـل، ولا يـزال يـزداد حـتى يـعـتكـر ويشـتـد، وأصحـاب البـلاد الشمالية في أقـصى شـمال الأرض لا يـرون هـذه المناظـر إلا قـليـلا، لـذلك هـم يسـافـرون إلى المناطـق المتـوسـطة والاسـتـوائية للتمـتع بمنظـر الشـروق والغــروب.
لهـذا يأمـرنا الله تعالى بالتسـبيح في هـذه الأوقات، ويـقـول مـذكـرا إيانا: اذكـروا نعـمة الله عـليـكم بهـذا الطـلـوع وهـذا الغــروب، تطـلـع الشمس لتنـتشـروا إلى أعـمالكـم في ضـوء النهار، ثـم تغـرب في آخـر النهـار ليجـيء الليـل الـذي جـعـلته لـكـم سـباتا وراحـة ، فـتأوون إلى مـراقـدكم وفـرشـكـم لتنامـوا وتستردوا قـوتـكـم للـيـوم المقـبـل الجـديـد الـذي كـتبته عـليـكـم، وهـكـذا دواليـك، ثـم إن الآية الأخـرى لـتتجـلى في إدبار النـجـوم واخـتفـائها بعـد أن تطـلـع الشمس ويـبـدو ضـوؤها، كما قال الشاعـر النابغـة الـذبياني في مـدح المـلك النعـمان بن المنـذر:

ألـم تـر أن الله أعـطاك ســــــورة تـرى كـل مـــلك دونـهــا يـتـذبـذب
فـإنـك شـمس والملـوك كــواكـب إذا طـلـعـت لم يـبـد منهـن كـوكـب

والبـيتان من قـصيـدته التي اعـتـذر فـيها للمـلك النعـمان بن المـنـذر ومـطـلعـها :
أتاني أبـيت اللـعـن أنـك لمـتني وتـلك التي أهـتم مـنهــا وأنـصـــب

تطـلـع الشمس فـتخـتفي الكـواكـب في أماكنها، إنها مضـيئة مشـعـة، ولـكـن ضـوء الشمس يحجـبها ، فـتبـدو السماء وكأن ليـس فـيها نجـم ولا كـوكـب، ولـكـن كل تلك النجـوم والكـواكـب تجـري في أمـاكنهـا ومـداراتـهـا، حـتى إذا اعـتـكـر الليـل تشـابـكـت النجـوم في السماء في منظـر جـميـل بـديـع رائـع، كـذلـك لآخـر اللـيـل روعـته وجـماله، ولما بعـد الفـجـر وقـرب طـلـوع الشمس روعـته وجـماله، وإن الإنسان ليتمـتع بهـذه المناظـر الجـميلة ولا سـيما إذا سـافـر عـلى البحـر، وكان عـلى سـطـح الفـلك، فإنه يـرى روعـة شـروق الشـمس وغـروبها، وروعـة انعـكاس أشـعـتها عـلى مـياه البحـر، وقـد كـتب الشـعـراء والـكـتاب واللـذين وهـبهـم الله حـسا مـرهـفا الشيء الكـثير في هـذه المناظـر.
فالله تعالى يـذكـرنا بهـذه الحـالات كلها، حـيث يـقـول : { وسـبح بحـمـد ربـك قـبـل طـلـوع الشمس وقـبـل الغـروب ومـن آناء اللـيـل فـسبحـه وإدبار السـجـود} اذكـروا الله في جـميـعـها، لأنه هـو الـذي أطـلـع الشمس، وهـو الـذي أغـربها ، وهـو الـذي كـون حـمـرتها وصـفـرتها، وهـو الـذي يسـير هـذه الأجـرام وقـدرها، وإذا تـفـكـر الإنسان في هـذه الأجـرام وكان ينـظـر إليها بـقـلـبه فــلا يملك نفـسـه حـتى يـقـول: (سـبحـان الله)! مـن الـذي يسـير هـذه الشمس؟ ويطـلعـها ويـغـربها بهـذا المنـظـر الجـميـل البـديع؟، ولـكـن أكـثر الناس عـن هـذا غـافـلـون.
وفي قـوله تعالى : { وسـبح بحـمـد ربـك قـبـل طـلـوع الشمس وقـبـل الغـروب ومـن آناء اللـيـل فـسبحـه وإدبار السـجـود } سـورة ( ق ) 39/40، أمـر بالتسبيح بعـد الصلاة ، ومـن المعـلـوم أن الصـلاة تشـتمـل عـلى الركـوع والسـجـود، وكـثـيرا ما يـذكـر الـركـوع والسجـود ويراد بهـما الصـلاة كما يـراد بالركـوع والسجـود المصـلـين راكـعـين سـاجـدين .
فالـذي يراد مـن مجـمـوع الآيات الـواردة في القـرآن الكـريـم في هـذا المعـنى ، أن تكـون ألسنتنا رطـبة بـذكـر الله ، نسـبحه ونحـمـده في كل حـين، لأن هـذه الآيات تمـر عـلينا جـميعـا، نـراها ونحـس بها ، وخـصوصـا آية النهـار، فاذكـر ربـك أيها الإنسان المـؤمـن عـنـد مـبـدئها ومنتهاها، وعـنـد شـروقها وغـروبها، إذا مـلأ ضـوؤها السماء والأرض .
.. وللحـديث بقـية إن شـاء الله في حـلقة قـادمة.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى