الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / كيف تنصر نبيك (صلى الله عليه وسلم)؟
كيف تنصر نبيك (صلى الله عليه وسلم)؟

كيف تنصر نبيك (صلى الله عليه وسلم)؟

معرفة أهمية سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) وبيان قيمتها ندرك ذلك من كلام الله تعالى، فالله تعالى من رحمته جعل للناس أئمة يهدون بأمره، ويبشرون بدينه، ويطبقون منهجه في الأرض قال تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ الانبياء 73، ولا شك أنّ اختيارهم أئمة للناس من باب توحيد القدوة والأسوة، فهم رباهم الله تعالى على كتابه، وكانوا آيات عملية تمشي بين الناس على الأرض، ولذا كان الاقتداء بهم سمو خلقياً، ومنهج ربانياً، ووحدة في الاتباع والاقتداء. قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.لذا كان الأمر الإلهي بوجوب طاعته والاقتداء به قال تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ. وكتاب (كيف تنصر نبيك )صلى الله عليه وسلم وضحت فيه المؤلفة اتباع سنة الرسول والاقتداء به في كل جوانب الكتاب للمؤلفة الدكتورة نوال بنت عبد العزيز العيد ويقع في 96 صفحة وصدر عن مكتبة دار الحضارة للنشر والتوزيع.
في بداية هذا الكتاب أشارت المؤلفة إلى الإيمان بالله ورسوله قال تعالى: (فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ) على كل مؤمن وجوب الإيمان به صلى الله عليه وسلم وتصديقه فيما أتى به وهذا معنى شهادة أن محمدا رسول الله طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر ، وأن لايعبد الله إلا بما شرع .وقد تكرر الأمر بالإيمان برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، بل وقرنه بالإيمان بالله يقول تعالى: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ، وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (الحديد 7 ـ 8) فجعل الرب شرط الإيمان به الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم وبما يدعو إليه ، وقد أيده بالآيات الظاهرات الدالة على صدق ما جاء به ولذا جاء عقب هذه الآية:(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) (الحديد ـ 9) وقال سبحانه:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات ـ15) بل حكم الله بكفر من لم يؤمن برسوله وحذره من سعيره فقال سبحانه:(وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرا)ً (الفتح ـ 13) وانظر إلى المنزلة الرفيعة والمكانة العظيمة التي بلغها صديق هذه الأمة ، حين صدق رسول الله حق تصديقه وآمن به حق الإيمان فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أسري بالنبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المسجد الأقصى أصبح الناس يتحدث بذلك فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه ، وسعوا بذلك إلى أبو بكر فقال : هل لك إلى صاحبك ، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس ؟ قال: أوقال ذلك؟ قال: نعم! قال : لئن كان قال ذلك لقد صدق قالوا: أو تصدق أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح : قال نعم أني لأصدق فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة) فلذلك سمي الصديق أخرجه الحاكم وصححه الألباني ،وتناولت المؤلفة حتى يحبك الله: ادعى قوم على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنهم يحبون الله ، فنزلت آية المحنة (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم ٌ، قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) (آل عمران 31 ـ 32) يقول ابن كثير : هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين المحمدي في جميع أقواله وأفعاله، ومتى أراد العبد أن يعلم قبوله لحكم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وتسليمه له، فلينظر في حاله ويطالع قلبه عند ورود حكمه على خلاف هواه وغرضه، أو على خلاف ما قلد فيه اسلافه من المسائل الكبار والصغار قال تعالى (بل الإنسان على نفسه بصيرة) وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا : يا رسول الله ومن يأبى؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى ، وما أحوجنا في هذا العصر الذي شاع فيه حب الملذات، وإرضاء الشهوات بالمحرمات، أن نطوع أنفسنا لما يرضي ربنا عزوجل ونجعل هوانا تبعا لسنة رسولنا (عليه أفضل وأزكى تسليم) حتى نحب ما يحبه وندع ما يبغضه مقتدين في ذلك بسلفنا الصالح.
ووضحت المؤلفة عبر هذا الإصدار: حب رسول الله لابد أن يكون حتى من نفسك : أعلم وفقك الله أن حب رسول الله من الإيمان بل أنه مقدم على حب النفس ومن علامات هذه المحبة الحرص على رؤيته والإكثار من ذكره بالصلاة والسلام عليه ولزوم طاعته، وحفظ ونصر سنته والذب عن عرضه ومحبة من أحب وبغض من أبغض، وللسلف الصالح في محبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أعطر الذكر، سئل علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) كيف كان حبكم لرسول الله ؟ قال : كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ قال عزوجل: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً) (النساء ـ 69)، وروى الطبراني عن سعد بن أبي وقاص قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامراة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأحد ، فلما نعوالها قالت : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين ، قالت : أرونيه حتى أنظر إليه قال : فأشير إليه حتى رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل، وما هذا الإيثار الذي تضمنته هذه الكلمات إلا تعبيرا عما تكنه نفوسهم من المحبة له (عليه الصلاة والسلام).
وعبرت المؤلفة عبر إصدارها: هل اشتقت له؟ وتمنيت صحبته؟ وصف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أهل هذه الصفات من الأمة بأنهم من أشد الناس محبة لرسول الله صلى ولا يقدر حق هذه الأمنية إلا صاحب الإيمان الذين ترسخ في قلبه حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وضربت شجرة المحبة بعروقها في قلبه ، فأينعت ثمارها ، وطاب أكلها ، ولا يبالي أحدهم أن يبذل أهله وماله للحظوة برؤيته صلى الله عليه وسلم ولسان أحدهم يقول : ما أعظم الأمنية! وما أرخص الثمن ! فحري بهذه النفوس أن تنال شهادة النبي (صلى الله عليه وسلم) لها بأنها أشد القلوب محبة له ، ولا تعجب لمن اشتاق لرؤية من اصطفاه الله وهداه الله به ، ومن حاز على خصال الكمال التي هي في جبلة الخلقة ، وأحاط بشتات محاسنها دون خلاف بين نقلة الأخبار لذلك قال أبو هريرة : ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله كأن الشمس تجري في وجه ، وإذا ضحك يتلالأ في الجدر وقالت أم معبد : أجمل الناس من بعيد ، وأحلاه وأحسنه من قريب ، وكان خلقه القرآن، وزكاه به سبحانه وتعالى وقال (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم ـ 4)، وقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم عظيم الشوق للقياه، والحرص على صحبته أخرج البخاري عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، فقالت: فجاء فاستأذن، فاذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: أخرج من عندك فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بابي أنت يا رسول الله! فقال : فإني قد أذن لي في الخروج فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يارسول الله قال رسول الله: نعم (لم يفكر أبو بكر (رضي الله عنه) في مخاوف السفر ومخاطره، وإنما كان مولعا بشرف صحبته وإن ترك أهله وماله، فجاءته البشارة فانحدرت دمعته على لحيته الشريفة فرحا بالظفر، وجذلا بالفوز 0إن الحب والشوق ليسا شعارات تردد ولا دعاوى تخلو من الحقائق ، بل هما واقع يترجم صدق صاحبه ، ولهف اللحاق به، مطيع لأمره، حافظ لحديثه ، متابع لهديه ، مدوام على طاعته مشتغل بنشر سننه ، وليبشر، فقد اشتاق الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم لرؤية كل من كان هذا حاله ، وسماه أخاه، وود لقاه أخرج مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (وددت أن قد رأينا إخواننا ، قالوا: أو لسنا إخوانك يارسول؟ قال : أنتم أصحابي ، وإخواننا الذين لم ياتوا بعد فقالوا : كيف تعرف من لم يأت بعد أمتك يا رسول الله ؟ فقالوا : أرأيت لو أن رجلا له خيل دهم بهم ألا يعرف خيله ؟ قالوا : بلى ، قال : فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء).
وتحدثت المؤلفة عن فضل الصلاة على الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم): لقد أمرك ربك بالصلاة والسلام على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأمر بدأ فيه بنفسه ، ثم ثنى بملائكته ، فامتثل أمره يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب ـ 56) بل ضاعف الله أجر من صلى على رسوله وأجزل مثوبته من حديث أبي بردة بن دينار قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ما صلى علي عبد من أمتي صلاة صادقا بها في قلب نفسه إلا صلى الله عليه بها عشر صلوات ، وكتب له بها عشر حسنات، ورفع بها عشر درجات ، ومحا عنه بها عشر سيئات ومداومة الصلاةعليه سبب تفريج الهموم ، وغفران الذنوب ، اخرج الترمذي من حديث أبي بن كعب قال : كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال : يا أيها الناس اذكروا الله ، جاءت الراجفة ، تتبعها الرادفة ، جاء الموت بما فيه ، قال أبي : قلت : يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك ، فكم أجعل لك من صلاتي ؟ قال ما شئت ، قال : قلت : الربع ؟ قال : ما شئت ، فإن زدت فهو خير لك قلت : النصف ؟ قال : ما شئت فإن زدت فهو خير لك قال : قلت : فالثلين ؟ قال : ما شئت فإن زدت فهو خير لك ، قلت : أجعل لك صلاتي كلها قال : إذا تكفى همك ، ويغفر لك ذنبك) قال الترمذي: حسن صحيح ، وحسنه الألباني.
وتناولت المؤلفة عن التمسك بسنة الرسول: حفظ سنة الرسول رعاية ورواية ونشرها وتبليغها حق من حقوق الرسول (صلى الله عليه وسلم) علينا، ولا شك أن على طالب العلم بعد الانتهاء من حفظ كتاب الله أن يحرص على حفظ سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذ أنها أسس الشريعة وقاعدتها، يقول الله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (الحشر ـ 7)، ويقول: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى) (النجم ـ 3).
وتطرقت المؤلفة عن توقير الرسول يقول الله تعالى:(لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) (الفتح ـ 9)، وقد حوت الآية حقوقا ثلاثة لرسول الله الإيمان به وتعزيزه وتوقيره فتوقير معناه التعظيم والإجلال والتفخيم وتوقير رسول الله في قلوب الخلق باستشعار هيبته (صلى الله عليه وسلم) وجلال قدره، وعظيم شأنه واستحضار محاسنه والمعاني الجالبة لحبه وإجلاله وكل من شأنه أن يجعل القلب ذاكرا لحقه من التوقير والتعزيز ومعترفا به ومطيعا له ؟ فالقلب ملك الأعضاء وهي له جند وتبع فمتى كان تعظيم النبي (صلى الله عليه وسلم) مستقرا في القلب مسطورا فيه على تعاقب الأحوال فإن آثار ذلك ستظهر على الجوارح حتما لا محالة.

عرض : مبارك بن عبدالله العامري

إلى الأعلى