الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / ذكرى يوم النهضة المباركة

ذكرى يوم النهضة المباركة

الثالث والعشرون من يوليو عام 1970 سيكتبه التاريخ بأحرف من نور، ففي هذا اليوم بزغ فجر النهضة المباركة، فأشرق على عمان عهد جديد بتولي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مقاليد الحكم في البلاد، فأقام صروح المجد وأعلى هامات السعد، وتبوأت عُمان بفضل الله عزّ وجل ثم بحنكة وحكمة جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ المكان المرموق بين الدول، فحق لكل مواطن يعيش على هذه الأرض الغالية أن يتباها ويتفاخر بما تحقق من إنجازات عمّت ربوع هذا الوطن، وشملت مختلف المجالات الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.
وكان النظام القضائي من الأولويات التي حظيت باهتمام خاص من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ رئيس المجلس الأعلى للقضاء، نظراً لما يمثله القضاء من أهمية كبرى في حضارة الشعوب ورقيها، وحسن جوارها وطيب تعايشها، به تطمئن النفوس وتستقر، وتصان الحقوق وتزدهر، ويحفظ الأمن بين أفراد المجتمع وينتشر.
لقد كان يدرك ـ حفظه الله ورعاه ـ بفكره الثاقب وبصيرته النيِّرة أن العدل أهمّ مقومات الدولة وأحد أركانها وأنه لا حياة للشعوب بغير العدل، ولا أدّل على ذلك من إنشاء وزارة للعدل ضمن أول تشكيل وزاري عام 1970م فسعت منذ إنشائها إلى بسط العدل بين المتقاضين عن طريق المحاكم الشرعية التي تنظر القضايا المعروضة عليها وتفصل فيها بموجب الشرع الشريف.
وفي عام 1974م برز إلى الوجود القضاء الجزائي وذلك بصدور قانون الجزاء العماني بالمرسوم السلطاني رقم 7/1974م، ثم أخذ في التطوير والتحديث حيث صدرت مراسيم سلطانية تنظم القضاء الجزائي على أسس حديثة ومرئيات جديدة فأنشئت المحاكم الجزائية في كل من مسقط وصحار ونزوى وصور وصلالة لتقوم بدور فعَّال في استتباب الأمن والاستقرار.
وبجانب المحاكم الشرعية ـ صاحبة الولاية العامة في النظام القضائي آنذاك ـ والمحاكم الجزائية أنشئت المحكمة التجارية التي تعنى بالمنازعات التجارية، إضافة إلى بعض اللجان الإدارية ذات الصبغة القضائية، كاللجنة المحلية لشئون الأراضي ولجنة سنن البحر .. وغيرها.
ونظراً للتطور الذي شهدته السلطنة في كافة المجالات كان لا بد أن يواكبه تطور في النظام القضائي، ولذا كان صدور النظام الأساسي للدولة بالمرسوم السلطاني 101/96 وتخصيص الباب السادس منه للقضاء إيذاناً بتطوير النظام القضائي على أسس حديثة، ومن أهمّ سمات هذا التطور:
1 ـ استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، فقد نصت المادة “60″ من النظام الأساسي للدولة على أنه:(السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدر أحكامها وفق القانون)، كما نصت المادة “61″ من ذات النظام :(لا سلطان على القضاة في قضائهم لغير القانون، وهم غير قابلين للعزل إلا في الحالات التي يحددها القانون، ولا يجوز لأي جهة التدخل في القضايا أو في شئون العدالة، ويُعتبر مثل هذا التدخل جريمة يعاقب عليها القانون)، كما نصت المادة “62″ من النظام ذاته على أنه:(يرتب القانون المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، ويبين وظائفها واختصاصاتها..).
وتطبيقاً لهذه النصوص صدرت القوانين المنظمة للعمل القضائي، يأتي في مقدمتها قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم:(90 /99) حاملاً بين جنباته الأمور الوظيفية المتعلقة بالقضاء كالتعيين والترقّية والنقل والندب والإعارة والمساءلة، وإنهاء الخدمة وسائر شئونهم الوظيفية والإدارية والمالية، حيث أوجد القانون مجلسا للشؤون الإدارية للقضاء يختص بجميع شئون القضاة الوظيفية يرأسه رئيس المحكمة العليا وعضوية ثلاثة من نواب الرئيس والمدعي العام، وأقدم رئيس محكمة استئناف، وأقدم رئيس محكمة ابتدائية.
كما تم إنشاء المجلس الأعلى للقضاء برئاسة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وفقاً للمرسوم السلطاني رقم:(11 /2012 م) ويختص برسم السياسة العامة للقضاء وبكفالة استقلاله ومتابعة تطوره.
ويُعتبر صدر المرسوم السلطاني السامي رقم:(10 /2012م) الخاص بتنظيم القضاء تحولاً تاريخياً في النظام القضائي، حيث أصبحت السلطة القضائية مستقلة استقلالا تاما عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأعطى القانون مجلس الشؤون الإدارية للقضاء صلاحيات إدارية ومالية.
1 ـ توحيد القضاء، كان القضاء في السلطنة موزعاً على عدة جهات كالمحاكم الشرعية التي كانت تعنى بالقضاء الشرعي والمدني والمحاكم الجزائية والمحكمة التجارية، وبصدور قانون السلطة القضائية بالمرسوم السلطاني رقم:(90 / 99) توحدت المحاكم تحت مظلة واحدة (محاكم القضاء العادي)، وتأتي على رأس قمة الهرم القضائي المحكمة العليا التي تنظر في النزاع المرفوع إليها من محاكم الاستئناف وتفصل فيها من الناحية القانونية، ثمّ محاكم الاستئناف حيث أوجد القانون محاكم للاستئناف في كل من مسقط والسيب وصحار والرستاق ونزوى وإبراء وصور والمضيبي والبريمي وعبري وصلالة والدقم ومسندم تنظر في الدعاوى المستأنفة من المحاكم الابتدائية بمختلف الدوائر عدا محكمة الجنايات، فتنظر من محكمة الاستئناف ابتداء ويطعن بالحكم الصادر منها أمام المحكمة العليا، ثم المحاكم الابتدائية التي تتوزع على مختلف ولايات السلطنة حيث يوجد حالياً أربع وأربعون محكمة، وتتشكل بكل محكمة عدة دوائر:
أ‌ ـ دائرة المحكمة الشرعية: تتولى النظر والفصل في قضايا الأحوال الشخصية وفق قانون الأحوال الشخصية.
ب ـ الدائرة المدنية: تختص بالنظر والفصل في الدعاوى المدنية كدعاوى المطالبات المالية ودعاوى الحيازة والمياه والنخيل .. وغيرها.
ج ـ الدائرة الجزائية: تختص بالنظر والفصل في الدعاوى الجزائية وفق قانون الجزاء العُماني.
د ـ الدائرة التجارية والضريبية: تختص بالنظر والفصل في الدعاوى التجارية وفق قانون التجارة.
هـ ـ الدائرة العُمالية: تختص بالنظر والفصل في الدعاوى التي تنشأ بين العامل وصاحب العمل وفق قانون العمل.
و ـ دائرة المرور: تختص بالنظر والفصل في الدعاوى والمخالفات المرورية وفق قانون المرور.
ز ـ دائرة محكمة الأحداث: تختص بالنظر والفصل في دعاوى الأحداث وفق قانون مسآلة الأحداث.
ح- دائرة الإيجارات: تختص بالنظر والفصل في الدعاوى بين المستأجر والمؤجر، بالإضافة إلى محاكم القضاء العادي، أنشئت محكمة القضاء الإداري بالمرسوم السلطاني:(91 /99) كهيئة قضائية مستقلة تختص بالنظر والفصل في الخصومات الإدارية كالدعاوى التي يقدمها الموظفون العموميون بمراجعة القرارات الإدارية الخاصة بالرواتب والمعاشات والمكافآت أو الدعاوى الخاصة بإحالتهم إلى التقاعد أو فصلهم بغير الطريق التأديبي .. وغيرها ذلك من الدعاوى التي تكتسب وصف الإدارية.
وأصبح الادعاء العام وفق المرسوم السلطاني رقم:(92 /1999) هيئة مستقلة مهمته تحريك ورفع الدعوى العمومية باسم المجتمع ومباشرتها أمام المحكمة المختصة والإشراف على الضبط القضائي والسهر على حسن تطبيق القوانين وتنفيذ الأحكام الجزائية.
3 ـ استكمال المنظمة القضائية، وذلك بصدور القوانين المنظمة للعمل القضائي الإجرائية منها والموضوعية كقانون الإجراءات المدنية والتجارية الذي يعنى بإجراءات التقاضي في الدعاوى المدنية والتجارية والعمالية، ودعاوى الأحوال الشخصية بدءا من رفع الدعوى وحتى صدور الحكم من المحكمة العليا، وقانون الإجراءات الجزائية الذي يعنى بإجراءات التقاضي في الدعاوى الجزائية، وقانون المعاملات المدنية وقانون التوفيق والمصالحة وقانون مسآلة الأحداث، وقانون الإثبات في المعاملات المدنية والتجارية .. وغيرها من القوانين التي تنظم إجراءات التقاضي.
4 ـ تهيئة كل السبل الكفيلة بالسمو والرقي بالمرفق القضائي أخذ مجلس الشؤون الإدارية للقضاء على عاتقه تنفيذ التوجيهات السامية بتطوير النظام القضائي ووضعه موضع التنفيذ، ففي مجال البنية الأساسية أنشئت مبانٍ خاصة للمحاكم، يأتي في طليعتها مبنى المحكمة العليا كمنارة عدل واشعاع يقع في قلب محافظة مسقط وبجانبه المجلس الأعلى للقضاء اللذان تم افتتاحهما في شهر شعبان 1437هـ/ يونيو 2016م، ويقابلهما جامع السلطان قابوس الأكبر بمآذنه الخمس تعلو منها هتافات الله أكبر، كما تم إنشاء مجمعات للمحاكم في كل من عبري وإبراء وصلالة ومسقط وصحار والبريمي والرستاق ونزوى.
وفي مجال التدريب والتأهيل قام المجلس بعقد دورات وندوات ولقاءات متخصصة لتدريب وتأهيل القضاة ومساعديهم وأعوانهم، كما قام بتعين الكادر الوظيفي للمحاكم، ويأتي المعهد العالي للقضاء الشامخ بمدينة العلم والتاريخ (نزوى) الذي أنشئ بموجب المرسوم السلطاني رقم:(35 / 2010م) ليضيف لبنة أخرى لتطوير النظام القضائي وليكون منارة علم وإشعاع، يتولى إعداد القضاة وأعضاء الادعاء العام ومعاونيهم وتدريبهم ليتمتع القاضي بحصيلة علمية واسعة تعينه على أداء رسالته وتحمل المسؤولية الملقاة على عاتقه.
وفي مجال التعاون مع القوانين قام المجلس بطباعة القوانين في كتيبات ليسهل الرجوع إليها من قبل القضاة والمختصين، كما قام المكتب الفني بالمحكمة العليا بإصدار مجموعة الأحكام الصادرة من المحكمة العليا بمختلف الدوائر واستخراج المبادئ القانونية منها، كما قام بإصدار العدد الثاني من المجلة القضائية، وهي مجلة دورية تضم بين جنباتها الأحكام القضائية المختارة والدراسات القانونية والبحوث المنتقاة.
وهكذا يستمر العطاء المتدفق وتتوالى الإنجازات في هذا العهد الزاهر الميمون لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ليتبوأ النظام القضائي المكان المرموق والمنزلة الرفيعة كما أراد له جلالته ـ أبقاه الله ـ ولا يسعنا وبلادنا العزيزة تحتفل بالعام السادس والأربعين لقيام النهضة المباركة إلا أن تتقدم بآيات الشكر والعرفان للمقام السامي مقرونة بالدعاء إلى المولى عز وجل أن يحفظ جلالته ويكلأه برعايته، وأن يمد في عمره، وأن يحفظ عُمان عامرة بالنمو والازدهار محفوفة بالأمن والاستقرار.

د. محمد بن عبدالله الهاشمي

إلى الأعلى