الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ثقوب الجحيم

ثقوب الجحيم

أ.د. محمد الدعمي

إن أهم أسباب تسابق منتجي وكانزي الأسلحة والأعتدة على أسواق الشرق الأوسط الشرهة لهذه المواد غير الرحيمة نحو من يبتاعها هو انفلات عقد احتكار الدولة المركزية للأسلحة وللمواد المدمرة الخطيرة. وقد أسهم سقوط أنظمة حكومية كانت توصف بأنها “شمولية” أو “دكتاتورية” في إشاعة ونشر التسلح بين “الجميع”، أي على عامة الجمهور، كما حدث ذلك على نحو دقيق ومؤلم لحظة انفراط الدولة العراقية حال دخول الأميركان العراق…

لا جدال في أن الشرق الأوسط غدا اليوم أخطر الأقاليم على الإطلاق في نظر دول العالم قاطبة؛ لذا فقد استحق هذا الإقليم وصف “ثقب الجحيم” Hell Hole عن جدارة، وبلا منازع. أما لماذا استحال هذا الإقليم ثقباً للجحيم، فمرد ذلك يتلخص في أنه غدا “بالوعة” أسلحة لا يمكن ملؤها. وإذ تتعذر إمكانية ملؤها وسدها غدت أسواق التسليح عبر الإقليم مرامًاً لجميع منتجي وممتلكي ترسانات الأسلحة الكبيرة، حتى وإن كانت الأسلحة من الأجيال القديمة أو التي نفدت صلاحيتها، بل وحتى الأسلحة من النوع المحرم والقذر، أي تلك الأسلحة التي حرم استعمالها دوليًّا، كالجرثومية والبيولوجية والكيماوية، إلا أن هناك من يدفع المال لشرائها عبر الشرق الأوسط. وهذه حال لا تحمد شعوب هذا الإقليم المسكينة على عقباها.
والأدلة على ما نذهب إليه في هذا السياق “تتفجر” من آن لآخر، هنا وهناك على نحو دموي مريع، كما حدث في واحد من أجمل وأغنى أحياء بغداد قبل بضعة أسابيع، “الكرادة الشرقية”، زد عليه ما يحدث مما شاكله من تفجيرات بين عواصم ومدن هذا الإقليم المبتلى بما يعجز المراقب الثاقب الرأي في تفسيره وحل ألغازه بدقة.
ومع هذا الاستعراض المضمخ بدماء الضحايا والمسوّد برماد الحرائق والتفجيرات، لا بد للمرء أن يبقى يحاول إيجاد علل استحالة بقاع عدة من الإقليم إلى “ثقوب جحيم” بالمعنى اللفظي والدقيق للتعبير.
إن أهم أسباب تسابق منتجي وكانزي الأسلحة والأعتدة على أسواق الشرق الأوسط الشرهة لهذه المواد غير الرحيمة نحو من يبتاعها هو انفلات عقد احتكار الدولة المركزية للأسلحة وللمواد المدمرة الخطيرة. وقد أسهم سقوط أنظمة حكومية كانت توصف بأنها “شمولية” أو “دكتاتورية” في إشاعة ونشر التسلح بين “الجميع”، أي على عامة الجمهور، كما حدث ذلك على نحو دقيق ومؤلم لحظة انفراط الدولة العراقية حال دخول الأميركان العراق، غزاة ومحتلين (2003)، إذ استحالت مدن العراق متاجر أو فضاءات لبيع وشراء ومقايضة الأسلحة، على أنواعها أو على درجات فتكها بسبب فتح مشاجب المعسكرات ومخازن التصنيع العسكري والمعسكرات للغوغاء الذي إندفع نحو المشاجب، ليس من أجل القتال أو المقاومة، وإنما من أجل الدبابات والمدافع والعجلات المسرفة والمدولبة وسواها، متوقعًا أيامًا سودًا من الصراع الأهلي مذاك.
ومع انفلات سيطرة الدولة على المشاجب ومخازن الأعتدة جاء ظهور ونمو الميليشيات وعصابات الجريمة التي ركبت موجة إشاعة السلاح ومشاعية العتاد على سبيل التشكل السريع، استجابة لأهداف ونزوات من أسسها من الأفراد الطامعين والجماعات اللامسؤولة ذات الطموحات الاستحواذية والسياسية، درجة عجز أشكال الدولة التي قامت بعد التغيرات الجذرية، كالربيع العربي، من السيطرة عليها وضبط حركتها وسيولة عتادها.
إنه لمن المؤكد أن توافر السلاح في “السوق العامة” يشجع على تشكيل الأذرع المسلحة والعسكرية للأفراد وللجماعات الطامحة للكسب السياسي والمادي، الأمر الذي قاد إلى تفاقم مشكلة انتشار التسلح على نحو عام، درجة تغييب الدولة المركزية والجيوش الوطنية، كما حدث على نحو واضح في ثقوب الجحيم عبر الشرق الأوسط، في سوريا وليبيا، من بين سواها من البقاع النافثة للهب عبر الشرق الأوسط.

إلى الأعلى