الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الاستبداد الذكوري .. وتفوق الأنثى

الاستبداد الذكوري .. وتفوق الأنثى

إن القضية ليست حقوقًا سياسية، بل فكرة اجتماعية سائدة بشكل عام حول تفوق الذكر على الأنثى حتى ولو كان دون الأنثى في العلم والمكانة الوظيفية والفكرية والأخلاقية. تلك الفكرة وتلك النظرة التقليدية أو الدونية لها يرجع إلى الموروث الثقافي والتقاليد الموروثة والسائدة بالمجتمعات الذكورية منذ القدم وحتى هذه المرحلة, التي تعد عصر الاتصال الإلكتروني..

حين كان العالم يحتفل بدخول القرن الحادي والعشرين كانت بعض الأمم ومنها العربية تطلق عيارات رانانة ابتهاجًا بالحدث السعيد، وهذا ينم عن ثقافة وحضارة شعوبنا التي تواكب الجديد العالمي.
وفي وقت نرى الدول المتقدمة تخطو إلى الأمام نجد أنفسنا نتخلف عن ركب الحضارة الواقعية، وكيف لا؟ وأن مجتمعاتنا التي تعتبر أنها حققت معلمًا لها في مجالات عدة ـ للأسف ـ هي نفسها ما زالت تتمسك بالمجتمع الذكوري.
وإزاء ذلك تسود المجتمعات العربية من المحيط إلى الخليج، هذه الثقافة الذكورية من نوع واحد تقريبًا, وإن تباينت في شدتها وعمقها من مجتمع إلى آخر, هي التي تجعل الذكر ينظر إلى المرأة بدونية اعتبارًا منه أنه السيد الأول، وله حق في أي شيء يفعله باستعلاء واستقواء، وبذكورية موروثة من المجتمع.
تلك النظرة الدونية المتخلفة التي تحصر المُهمة الأساسية لها في دور الكومبارس الصامت في حياة الذكر، مرورًا بثلاث نقاط وهي: الزواج ثم الإنجاب والتربية, لتنتهي حياتها قبل أن تبدأ. متجاهلًا أن المرأة في العصر الحالي اختلفت تمامًا عن المرأة قديمًا, وأصبحت الواحدة توازي الرجل في العديد من مهماته الصعبة.
إن القضية ليست حقوقًا سياسية، بل فكرة اجتماعية سائدة بشكل عام حول تفوق الذكر على الأنثى حتى ولو كان دون الأنثى في العلم والمكانة الوظيفية والفكرية والأخلاقية. تلك الفكرة وتلك النظرة التقليدية أو الدونية لها يرجع إلى الموروث الثقافي والتقاليد الموروثة والسائدة بالمجتمعات الذكورية منذ القدم وحتى هذه المرحلة, التي تعد عصر الاتصال الإلكتروني, ويرجع إلى التخلف الاجتماعي والتعصب الديني وعدم الفهم الصحيح للدين والشريعة, وتفسيرها من وجهة نظر ذكورية لتصب في مصلحته, والعمل على ترسيخ هذه التفسيرات في عقول الكثير من الذكور لتصبح أساس حياتهم وتعاملهم مع المرأة في الحياة.
ويرجع هذا المفهوم الضيق أيضًا إلى قلة الثقافة والعلم والوعي بمدى أهمية المرأة ودورها الفعال في تنمية المجتمع, كل هذه الأسباب مجتمعة تؤدي إلى ممارسة الاضطهاد والعنف ضد المرأة، وإلى هيمنة نظرة الاستعلاء والاستقواء لها في المجتمع الذكوري.
فالذكر يبث هذه الثقافة المسمومة في المجتمع منذ مئات السنين، ويرددها بين أولاده باستمرار، ويشجعهم على فهمها وممارستها، ويمارسها الذكور على الإناث، في كل المناسبات، ويتناقلونها عبر الأجيال من جيل إلى آخر، وكأن المرأة لا يحق لها التمتع بما يتمتع به الذكر من حقوق إنسانية.
في خضم مجتمع ذكوري مُهيمن على مفاصل الحياة وإدارتها, وسطوته في التحكم بأمور ذلك المجتمع على حساب المرأة, والذي تكون فيه الأولوية للذكر, ويضع المرأة في المرتبة الثانية من بعده, والذي يرى الذكر هو المتفوق في كل شيء, بسبب تلك النظرة الدونيَّة الضيقة التي ما زال المجتمع العربي يحاور المرأة من هذا المنطلق، ومن تلك الأسس الفجة، على أنها عورة وضعيفة، وغير قادرة على إدارة المجتمع أو مؤسساته.
ولإزالة مفهوم المجتمع الذكوري وتغير تلك النظرة الذكورية, على مجتمعنا تقع مسؤولية تربية جيل، بدءًا من البيت على أساس المحبة والعدالة، والنظر إليها كإنسانة؛ لأن ثمة نساء لديهن قدرات تفوق الكثير من الذكور. وأيضا من خلال المناهج التعليمية, وذكر دورها في المجتمع كمدرّسة أو مسؤولة أو موظفة، ومواقفها الرجولية, وعدم التمييز بينهما بسبب الجنس، وإنما بالمواقف والعطاء.
من الضرورة العمل تعليميًّا وتربويًّا على إزالة مفهوم المجتمع الذكوري من عقلية الطفل، وذلك من خلال ترسيخ مفهوم الإنسان لذاته دون أي معيار جنسي يتصل بالذكورة أو الأنوثة، أي معيار بيولوجي، لتدريب الطفل الذي سيكبر في المجتمع على تقبّل الأنثى كإنسان مثلها مثله, ومن ثم لا يتخذ موقفًا ذكوريًّا من المرأة حين التعامل معها ولا ينظر إليها أو يعاملها نظرة استعلاء أو استقواء. لقد آن الأوان لتغيير العقل والتفكير الذكوري وتغيير نظرته إلى الأنثى. والقضاء على تلك النظرة الذكورية التي تتطلب المساهمة من الجميع في تغييرها وتغيير مفاهيم المجتمع.

سهيلة غلوم حسين
كاتبة كويتية
Suhaila.g.h@hotmail.com انستجرام suhaila.g.h

إلى الأعلى