الثلاثاء 27 يونيو 2017 م - ٣ شوال ١٤٣٨ هـ

رحاب

أحمد المعشني

23 يوليو بمنظور خط الزمن
**
ساعدت زميلا لكي يتعرف على خط الزمن الخاص به، فاكتشفت أنه يضع الماضي خلفه من خلال خط زمن أثيري يتخيله يأتي من ورائه ويخترقه من جهة ظهره، مرورا بصدره حيث يرمز للحاضر ثم يمتد أمامه مشيرا إلى المستقبل. طلبت منه أن يتخيل نفسه يرتفع بعقله كما لو صار كائنا أثيريا، ويصعد حتى يعلو الكرة الأرضية بعقله، بحيث يستطيع الآن أن يشاهد الكرة الأرضية من أعلى، ويستطيع أن يرى موقع السلطنة عليها، ثم يشاهد منطقته في خريطة السلطنة وهو الآن خارج مجال الجاذبية، ومتحرر من جميع الاعتبارات والأهواء والنزعات، ينتقل بسهولة دون خوف من السقوط، ويستطيع أن يرحل من (الآن) إلى الماضي، إلى قبل بزوغ فجر شمس النهضة المباركة بسنوات. بدأ يعلو الماضي، يسير للوراء، يرى جميع الأحداث والمواقف والمحطات التي لم تكن في عقله الواعي، لكنها مخزنة في عقله الباطن. ومن ارتفاع معقول وعبر خطوات متئدة إلى الماضي شاهد الزميل الذي لم يكن يعي الماضي جيدا، شاهد نفسه طفلا في قريته الصغيرة في إحدى مناطق جبال ظفار، شاهد نفسه يلعب مع الأطفال، ورأى أحداث النزاع المؤلم بسبب اختلاف وجهات النظر، ثم رأى قريته بعد عام 1970 وهي تتحول إلى مركز إداري، ورأى الأكواخ تتحول إلى بيوت، وشاهد الوديان الوعرة تتحول إلى متنزهات ومزارات سياحية، وشاهد أجساما ناحلة، ثم عاد به خط الزمن إلى لحظات وجوده في بطن أمه، واستعاد خبرات مؤلمة عاشتها أمه وهي تعاني وحم الحمل ثم الجوع وسوء التغذية، وعاش لحظات معاناتها عندما ولدته تحت ظل شجرة، حيث لم تكن هناك مشافٍ أو عيادات، وكان على ارتفاع شاهق، وانجذب إلى الماضي البعيد، ورأى أن يتحدث إلى أشخاص عاشوا قبله بمئات السنين، وصار زميلي في رحلته التي تحرر خلالها من الزمن ينظر من أعلى إلى الأزمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل. شاهد الأحداث، وانتقل من الماضي إلى الحاضر، ورأى إنجازات يحسبها عادية وطبيعية، ولكنه رجع بسرعة عبر الزمن وشاهد من علو شاهق ثم علو هابط ملامح الحياة القاسية التي عاشتها أمه وهي تحمل به، وعاشها أجداده، وعاشها أقرانه، كم كانت الأمور صعبة جدا، من بين الأماكن التي استرجعها صديقي عقبة السان، وكانت كجميع مناطق جبال عمان منطقة بدائية، يعتمد الناس في نزولها إلى عين أرزات على الدواب، فيستقون مياه شربهم من خلال رحلات مضنية وشاقة جدا صعودا وهبوطا، ورأى تلك الأجسام الناحلة تقتتل وتتخاصم طلبا لأسباب البقاء، وشاهد الظروف القاسية التي كان الناس يعيشون تحت وطأتها، رأى بيئة بدائية جدا، ولم يصدق ما رأت عيناه لو لا رحلته إلى الحاضر ثم إلى الماضي، فقد وقف أثناء تجواله عبر الزمن على يوم دخوله المدرسة لأول مرة، كانت مدرسته خيمة مفروشة بالرمل، والأطفال يجلسون على التراب وهم يتلقون القراءة والكتابة، وشاهد زملاءه البنين والبنات، كان ذلك في عام 1975 تحديدا، وعاد إلى الحاضر وطاف بعقله بجميع أقرانه الذين تابعوا تعليمهم بعد ذلك، صار بعضهم معلمين ومعلمات، والآن يشغلون مراكز مرموقة في وزارة التربية والتعليم وبعضهم أصبحوا أطباء مشاهير، وآخرون تخصصوا في مهن مختلفة، أما المدرسة فقد تغيرت إلى مبنى فاخر وبمساحة واسعة جدا، تتضمن ملاعب فسيحة ومختبرات وقاعات نظيفة مزودة بجميع مصادر وتكنولوجيا التعليم، وشاهد البقعة الصغيرة التي كانت فيها خيمة مدرسته.
عاد ذلك الصديق من رحلته الشاقة في الماضي، فطلبت منه أن ينظر إلى الحاضر ويستشعره، لكنه لم يستطع أن يشاهده بسهولة، لأن الحاضر جزء منه، طلبت منه أن ينفصل قليلا عن الحاضر وأن يستقل عنه، وأن يتخيله خطا يمر أمامه بمحاذاة صدره بمسافة قدمين على الأقل، جرب ذلك العزيز أن يفعل، وبالفعل قام بذلك وصار لأول مرة يشاهد الحاضر كمراقب وكملاحظ لكل ما يكتنف حاضره من أحداث ولأول مرة بدأ يشعر بالنعمة التي يعيشها، طلبت منه أن يرتبط بالحاضر، أن يلتحم به، أن يستشعر جميع الأشياء الجميلة التي يعيشها في وطنه. هز رأسه أنه بالفعل أصبح يشعر بشعور مختلف، وهنا قلت له يمكنك أن تنطلق في رحلة عبر خط زمنك إلى المستقبل، كيف تريد أن تراه؟ ماذا تريد أن تحقق؟ ما هو الدور الذي تستطيع أن تقوم به من أجل وطنك وأهلك؟ تركت جميع هذه الأسئلة في عقله وأعطيته المجال أن يرحل باتجاه المستقبل وله الحرية أن يشاهد فيه ما يطمح إليه وما يرجوه لبلده ووطنه وقيادته من خير.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى