الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / فوبيا التجسس الإلكتروني

فوبيا التجسس الإلكتروني

يتناقل المتحدثون من خلال برامج المحادثة وشبكات التواصل الاجتماعية على اختلاف أنواعها مقالات ووجهات نظر في الكثير من التطبيقات التي يتم استخدامها على هواتفهم الذكية، وخصوصاً الناجحة منها والتي تحقق نسبة عالية من الاستخدام، وهذا بالطبع شيء صحي ويساعد على مراجعة الفائدة المرجوة من التطبيق بالإضافة إلى مشاركة سلبيات الاستخدام إن وجدت .. إلا أن اللافت في الموضوع أن الأغلبية يستخدمون ويطلقون مصطلح «تجسس» على طبيعة عمل بعض التطبيقات، كما حدث قبل فترة بسيطة من الزمن مع تطبيق «الواتس آب» عندما رفعت الشركة مستوى حماية المحادثة بتقنية «end to end «، وكما يحدث حالياً مع تطبيق لعبة البوكيمون والتي حقق النقاش حولها بالنسبة لي شخصياً لغاية كتابتي لهذه السطور على الانستجرام نسبة عالية من المشاهدة والتعقيب تعدت 7900 خلال 3 أيام وهو الأعلى بين كل المواضيع المطروحة لدي إلى الآن، وقد كان معظم المتابعين يرددون أن هذه اللعبة الهدف منها «التجسس» ويتناقلون مقالات مكتوبة ووسائط مرئية من قبل البعض تفيد بذلك دونما الرجوع إلى المنطق العام لعمل التطبيقات الذكية الحقيقي والذي يعتمد في طبيعة عمله (وذكائه ان صح التعبير) على استخدام بيانات المستخدم واستيرادها بين الحين والآخر وطلب تحديثها بشكل مستديم لكي يصل إلى أقصى درجات الخدمة التفاعلية التلقائية، ولذلك وددت من خلال هذه المساحة أن أقوم بتوضيح منطق طبيعة عمل التطبيقات الذكية، وأن هناك فرقاً كبيراً بين كلمة تجسس ومشاركة البيانات عند التعامل من التطبيقات.
فكما أسلفت سابقاً إننا عندما نصف التطبيق بكلمة «ذكي» فالقصد هو أن التطبيق أو الجهاز يستطيع قراءة احتياجات المستخدم ويقوم بتلبيتها بشكل تلقائي، وعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما نستخدم تطبيق مخصص لحساب الخطوات وحرق السعرات الحرارية أثناء رياضة المشي، فان التطبيق يقوم بتفعيل نظام تحديد المواقع الجغرافية « GPS» ويقوم بتتبع مسار حركة المشي وبالتالي قياس المسافة وسرعة الشخص ومن ثم ووفق معادلة حسابية يقوم التطبيق بتوفر تقرير عن كم المسافة المقطوعة وعدد السعرات الحرارية التي تم حرقها، بعد ذلك يتم الاحتفاظ بالبيانات على خوادم الشركة ليتم مقارنة مستوى التطور في كم المسافة المقطوعة والسرعة ونسبة حرق السعرات الحرارية، والآن ما هي البيانات التي قد تمتلكها الشركة المعنية بتطبيق رياضة المشي عن المستخدم؟ سوف نجدها وببساطة شديدة انها لديها معلومات تم أخذها في بداية عملية استخدام وتفعيل التطبيق، كنوع الجنس والعمر والبريد الإلكتروني وبعد تفعيل استخدام التطبيق يتم التعرف على مكان السكن وأماكن ووقت ممارسة رياضة المشي والحالة الصحية والبدنية للمستخدم، وإذا قام الشخص بإضافة شبكة التواصل الاجتماعي التي يستخدمها فان الشركة تقوم بالتعرف على متابعي المستخدم وتوفير فرصة مشاركة البيانات مع الأصدقاء الذين يستخدمون نفس التطبيق، كل هذه البيانات أصبحت لدى الشركة وفي المقابل حصل المستخدم على معلومات عن نفسه بالإضافة الى متابعة إلكترونية خاصة لنشاطه البدني يستطيع من خلالها تحسين حالته الصحية، فهل يعتبرهذا تجسساً؟ وبالطبع ينطبق هذا المثال على معظم التطبيقات الذكية الأخرى كتطبيق لوحة المفاتيح الذكية التي تتنبأ بالكلمات والجمل الأكثر كتابتا وتقترحها على المستخدم مما يساعد في سهولة وسرعة الكتابة، وللعلم فان الشركة الموجودة خلف هذا التطبيق لديها الصلاحية الكاملة لتسجيل كل ما يقوم المستخدم بكتابته لهدف ان تتكون لدى التطبيق قاعدة بيانات خاصة بأكثر الكلمات كتابتا وبالتالي الرجوع إليها في أي وقت يحتاج فيها المستخدم لها وبالتالي تحقيق النتيجة المرجوة، فهل يعتبرهذا أيضاً تجسس على كتابات الاشخاص؟.
فالمستخدم هنا مخير في عملية استخدام التطبيق وليس مسيراً أو مجبراً عليه، لذلك تنتفي صفة التجسس إذا كان المستخدم هو من قام بتحميل التطبيق ووافق على الشروط وإعطاء الصلاحيات له، كما ان عمليات التجسس غالباً ما تكون غير مشروعة، وما فائدة التجسس على تحركات شخص عادي؟ كل هذه الأسئلة يجب أن تدور في ذهن الشخص لكي تتكون لديه الثقافة اللازمة للتعامل مع تطبيقات العالم الافتراضي المبني على الشفافية، فنحن نعيش حالياً عصر التقنية وعصر تبادل البيانات التي لو استخدمت بالشكل الصحيح لبنيت المشاريع وتوفرت الخدمات بناء على الاحتياجات الأساسية لطبيعة معيشة الأشخاص وعاداتهم، فالمطلوب الآن هو فهمنا الحقيقي لمعني البيانات التي تعتمد عليها التطبيقات لتوفير الخدمات الذكية، فلا يمكن عمل سيارة ذكية أو منزل ذكي أو مدينة ذكية دون مشاركة البيانات بين الأفراد والمؤسسات والشركات، لذلك يجب علينا فهم منطق عمل التطبيقات والبرمجيات الذكية المبني على قواعد بيانات تراكمية في روتين حياتنا اليومية .. فهل لديك فوبيا التجسس الإلكتروني؟. ■

عبدالله بن ناصر البحراني*
عضو هيئة التدريس بجامعة السلطان قابوسعبدالله البحراني
www.abdullah-albahrani.com

إلى الأعلى