الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / نحو توطين الابتكار بالمؤسسات

نحو توطين الابتكار بالمؤسسات

يأتي تناولنا لموضوع الابتكار بالمؤسسات، باعتباره المدخل لتعزيز الكفاءة الإنتاجية القائمة على تعميق التكامل في العمل المؤسسي وتجسير الفجوة بين السياسات والممارسات، والبحث عن البدائل النوعية المتوازنة القادرة على التعاطي مع المنجز المؤسسي في ارتباطه باحتياجات المستهدفين والتزامه منحى الثقة معهم، بالاستفادة من مؤشرات العرض والطلب، وفرص التنوع الحاصل في عمليات التشخيص والرصد والمتابعة والتحليل والمقارنات، وتعظيم القيمة المضافة للفكر الخلاق والخبرات والتجارب الاستراتيجية بالمؤسسة، وأفضل الممارسات الرائدة الناتجة المعبرة عن تفاعل الخبرات والتجارب والتوجهات والنماذج العملية والقيمية التي تثريذاكرة لمؤسسة، وتشكّل رصيدها الفكري، والتي يمكن خلالها تحويل الممارسة والأدوات والآليات، إلى استراتيجيات تظهر في قوة المنافسة والكفاءة الأدائية بين العاملين على مختلف مستوياتهم الوظيفية وفق أنظمة تقييم ورصد مقننة.
إن بناء أرضيات الابتكار وترسيخ ثقافته، وتوفير بيئات عمل قادرة على تعميق البعد الحيوي فيه، يرتبط بمستوى الاستثمار فيإدارة الموارد البشرية والمالية ومنهجيات تقديم الدعم اللوجستي وبرامج التدريب والتثقيف والرسالة الإعلامية والتوعوية والتسويقية التي تتميز بها، وشبكات الاتصال والتواصل، وتعزيز الشراكات المؤسسية مع بيوت الخبرة ومراكز البحث، وهي تشكل بدورها رصيدا مؤسسيا وخبرات تراكمية منتجة، في سبيل بناء اتجاهات إيجابية لدى الموظفين ترقى بأنماط العمل، وتسهم في تعزيز الكفاءة في المهام الإدارية والفنية، وتفعيل إدارة نظم المعلومات عبر تحليل نتائج الإحصاءات والبيانات وتيسيرها، وتعظيم القيمة الاستثمارية لها في المؤسسة، بالشكل الذي يجعل من مؤسسات الجهاز الإداري للدولة قادرة على تحليل واقعها وبناء سياسات تطويرية تنال على ثقة المواطن واعترافه به وشعوره بالحاجة إليها في التعامل مع حاجاته المتغيرة بأسرع وقت وبجودة عالية، في ظل طموح الحكومة نحو تعزيز المؤسسات لقدراتها في الإدارة الذكية للخبرات والموارد والكفاءات، والابتكار في الخدمات التي تقدمها بما يضمن فاعلية الأداء وجدية العمل.
على أن تعزيز حضور الابتكار فيمؤسسات الجهاز الإداري للدولة، يرتبط بمسألة المرونة في التشريعات والقوانين التي جاءت التوجيهات السامية لجلالة السلطان المعظم بأهمية الإسراع فيها بالشكل الذي يتيح للابتكار فرص التحرك والنمو، وسرعة الاستجابة للتحولات وفق معايير القياس والرصد التي تضعها بناء على خطة عمل مستدامة، وليس كردّات فعل وقتية لما يمكن أن يعززه في المستهدفين من مستوى التقدير والثقة والاعتراف بقيمة المنجز المتحقق وارتباطه باحتياج الإنسان، وبالتالي تصبح السياسات الموجهة لصناعة الابتكار مختارة بالشكل الذي يضمن لمنجز المؤسسة فرص الدعم له من قبل العاملين ودفاعهم عنه، لأنه مبني على تخطيط متقن ومؤشرات مدروسة لا مجال فيها للمجازفة أو فجوة التطوير ـ أو كما يقال التطوير يغرد خارج السرب ـ، بل سيعمل على إدارة حركة الحياة بالمؤسسة وتقنينها وضبط مساراتها، عبر تحديد مكامن القوة والضعف، وتوجيه مسار العمل وفق طبيعة المرحلة ونوعية الاحتياج، وتقريب روح التطوير من قناعات العاملين والمستفيدين بما يضمن توافقهم الفكري واندماجهم في خطط التطوير ذاتها.
وبالتالي فإن مسألة توطين الابتكار عبر فاعلية ارتباطه بالسلوك الإداري والتنظيمي بالمؤسسة والحوار في البيت الداخلي والتقسيمات المؤسسية والقرارات والشراكات والاتصال والتواصل، فإنه أيضا يستدعي حضوره في سلوك الموظف وجديته والتزامه ومبادراته وروح التنافس الشريف بين الموظفين، كما هو حضوره، في قيم الموظف وأخلاقياته وإيجابيته وتفاؤله وتفاعله وهويته المؤسسية، فالابتكار بذلك ليس منتج مادي فقط؛ بل استراتيجيات حياة ترتقيفي ظلها طبيعة الممارسة، بشكل يجعلها أكثر ارتباطا بالأهداف والنتائج والجودة والمهنية في قراءة طموح الوطن وبلوغ توقعاته، وتجاوز حالة السلبية البيروقراطية إلى تعميق ثقافة العمل المؤسسي في ظل وضوح المهام وتوصيف الوظائف، وبروز قيم الشفافية والمحاسبية ونظم المساءلة ونفاذيتها وفاعليتها وقابليتها للتحديث وفق المستجدات، واستراتيجيات التمكين وإدارة الصلاحيات ونظم المتابعة والتقييم والتقويم، وتوظيف شبكات التواصل الاجتماعي وتعميق البعد الإنساني والنفسي والاجتماعي والأخلاقي، في ظل تقييم مستوى التفعيل للقرارات والأطر التنظيمية ولجان العمل وتحليل نتائج البيانات الداعمة، وتوفير بدائل المعالجة وفق طبيعة الاحتياج، مما يعني أهمية إيجاد إطار وطني يضمن وضع الابتكار بمؤسسات الدولة المختلفة في موقعه الفاعل في هياكل المؤسسة وتقسيماتها التنظيمية، وقربه من القرار المؤسسي وتكوين قاعدة بيانات بالتجارب والممارسات النوعية والاستثمار فيها والتحليل النوعي لها، بما يقدم للمؤسسة فرصًا أكبر لقراءة التطوير من زوايا مختلفة، وفق اليات تتفاعل مع الواقع وترتبط به وتتماشى مع قواعده، فتقلّل من مسألة الاجتهاد وتباعد الأهداف وتضارب التوجّهات، فإن التحدي المالي الذي تواجهه منظومة العمل الوطني الناتج من انخفاض أسعار النفط يضع الابتكار أمام مرحلة نهوض وحركة دائبة لتوليد البدائل واستثمار الفرص وإيجاد مداخل استثمارية تبدأ من تعميق القيمة المضافة للرأسمال الاجتماعي البشري.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى