الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / محمد خان..أيقونة التعايش المصري الفريد

محمد خان..أيقونة التعايش المصري الفريد

محمد مصطفي

بوفاة المخرج المصري محمد خان دخلت حقبة «المخرج النجم» مرحلة الأفول، وهي الحقبة التي كان يذهب فيها الجمهور إلى قاعات السينما لمجرد وجود اسم خان على «أفيش» الفيلم، كان الأمر كفيلا باجتذاب جمهور خان الخاص جدا، لما في سينما الرجل من لمسة، ميزته هو ورفاقه من أصحاب «الواقعية الجديدة» عن غيره من المخرجين.
يعد محمد خان حالة فريدة ونتاجا بارزا لحالة التنوع الذي شهدته مصر في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، وأثرت على من عاشوها أو من طالهم بعض رذاذها مثلما حدث مع خان، والذي تأثر بالطبع بفترة طفولته المبكرة في القاهرة في الأربعينيات وفترة شبابه الأولى في الخمسينيات، حيث ما تبقى من «كوزموبوليتانية» وتماسك عرقي في القاهرة، والتي كانت مركزا لتلاقي مختلف الأعراق والأديان والجنسيات.
ولد خان في القاهرة في 1942 من أب مهاجر باكستاني وأم مصرية، وكان والده تاجرا في منطقة «وسط البلد» وهي قلب القاهرة، حيث تركزت جالية كبيرة من الهنود، قبل استقلال الباكستان وبنجلاديش، عملوا في تجارة التوابل والحبوب والكتب، لا سيما التراثية منها، في مواقع أخرى من القاهرة عاش يونانيون وأرمن وإيطاليون وسويسريون وأتراك، عاشوا وعملوا في تلك البلاد في وئام وتآلف فريد، ولم يكن خان وحده، كان هناك الآلاف من أبناء هؤلاء المهاجرين، عجنوا بمصر واستوطنتهم، انصهروا فيها، من هنا لم يكن الأمر مدهشا حينما نستعرض أسماء عائلات وأسر مصرية غارقة في مصريتها، ويعلم من ليس عنده علم أن هؤلاء من ذوي أصول إفريقية أو آسيوية أو أوروبية.
غاص خان في أفلامه في أعماق المصريين، تصوراتهم وأحلامهم، انتصاراتهم وانكسارتهم، تجلت أفلامه في لوحات فنية بالغة الجمال، رغم ما فيها من ألم، بسيطة، رغم استغراقها في التفاصيل، من «ضربة شمس» فيلمه الأول وحتى آخر أفلامه «قبل زحمة الصيف»، بينهما صاغ محمد أكثر من عشرين فيلما من أرقى وأجمل ما قدمت السينما المصرية أغلبها يرقى للعالمية، بمفهومها الإنساني لا التجاري.
تميزت أفلام خان بلمسة واقعية غاية في الدقة والتفرد، الكاميرا المتوترة التي تجوب الشوارع، تختلط بالناس، وتركز على الوجوه وتفاصيلها الدقيقة، كانت مما قرب الناس إلى أفلام الرجل، ما كان يطرحه من قضايا جعلت أفلامه محببة إلى قلوب الناس، للرجل لمسات خاصة، بسيطة ومؤثرة في آن، خلفية موسيقية منتقاة، أو أغنية بعينها على مشهد مختار، لقطات طويلة وبلا ترتيب في شوارع القاهرة المزدحمة أو في الريف المصري المفقود، أو حتى في حارة، كل هذا أعطى أفلام خان مذاقا خاصا وبصمة ميزت انتاج الرجل على مدار عقود.
رغم انحيازات خان الواضحة والصارمة في أفلامه لـ”المهمشين” ومن لا حيلة لهم، إلا أنها لم تخلُ من حب الحياة والإقبال عليها، لم تجد التراجيديا في ثقافة خان السينمائية مكانا يذكر، فهو في واقعه شخصية مبهجة ومحبة للحياة وللمرح، يبرزها دائما في نهايات أفلامه الممتلئة أملا، ارتفعت وتيرتها في أفلامه التي أخرجها خلال العشر سنوات الأخيرة، أذكر أنه حينما سُئل عن ذلك قال: لقد قاربت السبعين، وأريد أن أترك انطباعا جيدا لدى المشاهدين، خلوا الناس تعيش!
في سينما خاصة، أظهر الرجل حياة الناس الحقيقية، يقول بملء فيه من خلال تلك الافلام، هناك حيوات أخرى غير التي تحيونها، مهمشة ومهملة، في «الحريف» ويعد أبرز أفلامه، يصرخ خان بأعلى صوته، هناك مواهب وجواهر منسية في الحواري والأزقة، اهتمامات اخرى غير اهتمامات الكبار، لعلها تكون على مرمى حجر من شرفاتكم أو في أزقتكم الخلفية، لم يطالب الرجل بالأخذ بيديها، ولم يسع لاستقطاع نصيب لها من مكاسب الكبار، أبدا، فقط أن ننظر إليها ونمنحها مجرد ابتسامة، سوف تكفي، كلمة تشجيع تكفي، مسحة كف حانية تكفي، هذا ما طلبه «فارس» وهو الحريف، صاحب الكرامة والانحياز الخاص جدا للذات حتى لو كلفه الامر خسارة علاقاته ومحبيه، يصول “فارس” ويجول في ملاعب المهمشين الضيقة، يمتعهم بمهاراته الرفيعة والبسيطة، يُرقص على الثابتة، يمرر ويناور، يلهب حماس الناس، تنسج عنه الأساطير، يوجه الآباء أبناءهم لمشاهدته، يتابعون ويعتبرون، ممن أضاع الحلم، الفرصة والعمر، الشهرة والصيت، صوت أنفاس “فارس” المتلاحقة المتعبة، مازال صداها يتردد في مسامعنا، في مباراته الاخيرة والتي اختارها بكل عناية، ليعلن للناس ومحبيه عن نهاية عهد وبداية آخر، ليس لفارس وحده، إنما حقبة بأكملها انتهت وجيل الى أفول، معها فقد فارس شغفه وروحه “الكرة”، على وقع ضربات الحياة المتلاحقة، وكانت آخر كلمة قالها “فارس” لابنه في الشريط: مضى عهد اللعب يا ولدي !
“الحريف”، وتعني في العامية المصرية “الموهوب” أو صاحب الصنعة، لم يكن فيلما عاديا، كان أبسط ما يقال عليه “حالة انسانية” في منتهى الخصوصية والرقي، وأدى دور “فارس” عادل إمام وكان علامة فارقة في مسيرته، منها اشتق خان أحد أسمائه المحببة والتي كان يناديه بها محبوه «فارس» والذي نافسه اسم شهرة آخر أطلقه خان على نفسه عبر مدونته على الإنترنت في بداية الألفية «كليفتي»، ولمن لا يعلم معناها فهي اسم انتشر في الأربعينيات وكان يطلقه التجار اليونانيون في وسط القاهرة على صغار العمال المنتشرين على هوامش السوق، يتلمسون الرزق بتحميل المنتجات على العربات، أو تخليص معاملة هنا أو هناك، أو حتى يطلقونها على اللصوص الصغار والصعاليك، الذين لا يخلو منهم أي سوق، يضفون عليه أجواء من البهجة والسخونة.
منح خان بأفلامه محبي السينما ومشهد مصر الثقافي لعموم المصريين مساحات لا متناهية من الأمل والابتسامة والجمال وفرصة لالتقاط الأنفاس وحب الناس، وكيف أن تكون أفضل وأجمل وأكثر تفهما للآخرين وتسامحا مع المخالفين.
أحب الرجل مصر وأهلها، كان لديه وعي مجتمعي وسياسي لم يمتلكه إلا القليلون من فناني النصف الثاني من القرن الماضي، كانت انحيازاته واضحة دونما لبس أو غموض، انحاز الرجل لمصر وناسها، المصريين، شوارعهم ونواة مجتمعهم الصلبة «المهمشين» وقضاياهم الشائكة، يضرب في أعمق الأزمات، يشير بأفلامه على مواطن الخلل والخطر، للأمة والدولة، العامة والنخبة.

محمد مصطفى
mmh164@gmail.com

إلى الأعلى