الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ذكرى الثورة

ذكرى الثورة

أحمد مصطفى

ما يغيظ حقا هو جيلي والجيل الذي سبقه الذي يتخذ موقفا من ثورة يوليو في الأغلب، ليس لأسباب مبدئية ولا حتى لها مبرر شخصي، إنما في أغلبها ركوبا لموجة، وكي يبدو من ينتقد “متسقا” مع شعارات ليبرالية وديمقراطية وفشكولية بغض النظر عن إيمانه الحقيقي بتلك الشعارات، ولكن كي لا يتهم بأنه مناصر لما يصفه أصحاب تلك الشعارات بأنها “ديكتاتورية يوليو”.

من الصعب أن تصبح الثورة، أي ثورة، ذكرى فهي إما “مستمرة” أو “تطور أهدافها” ما لم يحدث بالطبع “انقلاب” على الثورة أو “ثورة مضادة” أو ما شابه لكن أكبر وأهم ثورة في منطقتنا لم يبق منها سوى “الذكرى” التي تضاف إلى ذكريات كثيرة يعيشها جيلي والجيل الذي سبقه. فمن ذكرى النكبة إلى ذكرى النكسة إلى ذكرى النصر إلى ذكرى .. إلى آخره، يتهم جيلي من الأجيال الجديدة بأنه يعيش “نوستالجيا” (أي حنين إلى الماضي) تعوضه عن الحاضر. بل يذهب البعض أن يعيب علينا أننا “نتغنى” بالذكرى التي لم تفرض نفسها تطورا في شكل دولة أو مؤسسات عصرية تعد علامة حية على استمرار “الثورة” أو تطورها. كل هذا وأكثر منه بكثير يثار كل عام تقريبا في الأسبوع الأخير من شهر يوليو، حيث تحل ذكرى ثورة 23 يوليو في مصر التي أطاحت بطبقة الإقطاع السياسي والاقتصادي الفاسدة والحكم الملكي والاحتلال البريطاني وكانت درة تاج حركات التحرر من ربقة الاستعمار في العالم الثالث.
لا لوم على الأجيال الجديدة، لأنها ولدت وتفتح وعيها في ظل حملات متعددة على ثورة يوليو وعلى جمال عبدالناصر لم تقتصر على مناوئي الثورة من الإخوان وفلول النظام الذي انقلب عليه الضباط الأحرار، ولكنها جاءت أيضا من رموز الثورة الذين ادعوا أنهم استكمال لها ولمسيرتها، حتى القيادات من السادات إلى مبارك. إنما ما يغيظ حقا هو جيلي والجيل الذي سبقه الذي يتخذ موقفا من ثورة يوليو في الأغلب، ليس لأسباب مبدئية ولا حتى لها مبرر شخصي، إنما في أغلبها ركوبا لموجة، وكي يبدو من ينتقد “متسقا” مع شعارات ليبرالية وديمقراطية وفشكولية بغض النظر عن إيمانه الحقيقي بتلك الشعارات، ولكن كي لا يتهم بأنه مناصر لما يصفه أصحاب تلك الشعارات بأنها “ديكتاتورية يوليو”.
أذكر قبل سنوات طويلة كنت أعمل في مؤسسة عالمية في عاصمة أوروبية، وكان معنا زميل في منصب رفيع يحظى بتقدير واحترام الجميع ليس فقط لمنصبه الرفيع ولكن لأدبه ودماثته أيضا. ذات يوم قصدت مكتب المدير الخواجه، وكان زميلنا ذاك يقف وظهره لباب المكتب المفتوح وهناك زميلان آخران جالسان أمام مكتب المدير. توقفت في الرواق حين سمعت الزميل يخطب في المدير والجالسين بمعلقة انتقاد في الثورة وعبدالناصر حتى تظن أن عبدالناصر عدوه وليس عدو الإنجليز (ومنهم المدير). انتظرت حتى انتهى، وهو لا يراني، وتقدمت واقفا بالباب وقلت له بالإنجليزية التي كان يتحدث بها: “فلان، لا أظن أن عائلتك إقطاعية أو رأسمالية تضررت من قوانين التأميم في عهد عبدالناصر؟ وألا توافق معي أنه باعتبارك من أبناء طبقة مصرية قريبة من طبقتي فلولا عبدالناصر وسياسات الثورة ما كنت أكملت تعليمك وأصبحت قادرا على الخطاب بالإنجليزية التي تتكلمها الآن بطلاقة وأنت في وظيفة مرموقة”؟
ارتبك صاحبنا ولم يستطع الرد إلا بتمتمة وهمهمة، حتى الخواجة الذي أظنه كان يجامله لم يرد عنه أو يدافع عن موقفه. للأمانة، تأسفت لحال زميلنا لكنني تذكرت حقيقة أن أمثاله كثر من بين أبناء جيلي والجيل الذي سبقنا. ومرة أخرى لم يكن أي منهم ليكتب وينشر في الصحف والمجلات أو يخطب عبر الإذاعات والتلفزيونات لو لم يكن حصل على شهادة جامعية، لا شك أن الثورة كانت سببا في حصوله عليها. هناك بعض المغالين في عنجهية النفاق يسوقون حجة أن طه حسين هو من سن مجانية التعليم، وأن ذلك كان قبل ثورة يوليو 1952 فلا فضل إذا لعبدالناصر ورفاقه. وهذا قول حق يراد به باطل، على أقل تقدير، فرغم قانونية مجانية التعليم لم يكن أحد قادرا على تجاوز التعليم الإلزامي لفقر أهله، وعدم قدرتهم على تحمل تكاليف الدراسة في المدارس العليا أو الجامعات أو لأن مراحل التعليم تلك تتطلب أن يكون الطالب فيها “ذا حيثية”. نعم أفلت بعض الفقراء وأبناء الناس العادية فأكملوا تعليمهم، لكن ذلك كان إما بتوصية من الباشا صاحب العزبة التي يعمل فيها أهاليهم أو “مكرمة” من سياسي نافذ. وكانت تلك القلة السند الأساسي للثورة، على عكس من استفادوا منها وأنكروا خيرها.
في ذكرى الثورة، لا أريد تكرار كم كانت مصر عظيمة وأمتها أعظم وكيف كانت الحركة الثقافية والفنية والأدبية (وحتى السياسية، رغم الديكتاتورية). ولا يمكن أن ينسى المرء أيضا مطباتها، من بداية فساد بعض من حملوا أفكارا نبيلة إلى نكسات الهزيمة في الحروب مع العدو. وإن ظلت حقيقة أن العدو كان واضحا: الاحتلال الصهيوني في فلسطين والقوى الاستعمارية الداعمة له. وللأسف في ذكرى الثورة، لم يعد عدونا واضحا (رغم أنه لم يتغير، وإن ازداد شراسة وطغيانا فحسب) وأصبحنا نخطب ود محتلينا السابقين من الأتراك العثمانلية إلى الفرنسيس والإنجليز. ولا أظنه بقي سوى وقت قصير قبل أن نفعل الشيء نفيه مع العدو الرئيسي: الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. ومبرراتنا جاهزة، وترسخت عبر السنين منذ بدأنا نسفه كل ما كان من تاريخنا وليس فقط ثورة يوليو وعبدالناصر.

إلى الأعلى