السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة :(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

قراءة في ندوة :(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

العدالة في المقاصد والممارسة .. مسألة الخير العام من منظور متجدد (2 ـ 7)
للشريعة الإسلامية مجموعة كبيرة من الأهداف الاجتماعية لابد أن تتحقق في كل مجتمع
المصالح اعتبرها الإسلام غاية من غايات الاجتماع الكبرى ولا تتحقق إلا إذا كان لها حامٍ من القانون الرادع
قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(العدالة في المقاصد والممارسة .. مسألة الخير العام من منظور متجدد) للأستاذ الدكتور/ فايز محمد حسين محمد ـ أستاذ ورئيس قسم فلسفة القانون بكلية الحقوق من جامعة الإسكندرية بمصر.
وحول المطلب الثاني:(مقصد الخير العام) يقول الباحث: ان مقاصد الشريعة الإسلامية هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد. وهذا يعني أن الشريعة أصولاً وفروعاً جاءت لتحقيق المقاصد. ومن جهة ثانية، مقاصد الشريعة تلخص وتجمع في جلب المصالح الحقيقية لا الوهمية، وذلك حتى لا تحكم الأهواء والأوهام في الشرع بدعوى رعاية المقاصد، ومن جهة ثالثة المقاصد العامة للشريعة الإسلامية ليست قاصرة على الكليات الخمس المعروفة الدين والنفس والنسل والعقل والمال، بل تشمل إلى جانب هذه الخمس مقاصد أخرى مثل: التيسير والحرية والمساواة والعدالة وكذلك تحقيق الخير العام في المجتمع.
وقال الباحث عن الأهداف الاجتماعية للشريعة وتحقيق الخير العام: إنه من المسلّم به أن للشريعة الإسلامية مجموعة كبيرة من الأهداف الاجتماعية، لابد أن تتحقق في كل مجتمع، ولو بين الآحاد بعضهم مع بعض إذا جمعتهم بيئة واحدة، ولو كان جواراً في سفر أو لقاء عابراً لاستقرار فيه. كما تتحقق هذه الأهداف في المجتمعات المستقرة كالأسرة، والمجتمع الصغير والمجتمع الكبير في الأمة الكبيرة، أو في الأسرة الإنسانية كلها، حيث إن الشريعة الإسلامية، تتجه في كل أحكامها إلى تحقيق هذه الأهداف الاجتماعية، وهي المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، فقد جاءت لتكوين مجتمع فاضل يضم الأسرة الإنسانية أكملها، قاصيها ودانيها، وابتدأت فاتجهت إلى تربية المسلم ليكون عضوا في مجتمع، والعبادات الإسلامية والفضائل التي دعا إليها الإسلام تتجه نحو تحقيق هذه الأهداف، وتوجيهه إليها، وإن المجتمع الذي ينظمه الإسلام يحكم بقواعد عامة، وهذه القواعد تتجلى في الأسرة وفي الجماعات في الدولة، وفي العلاقات الإنسانية بين الناس مهما تختلف ألوانهم وأجناسهم وأديانهم، وهذه القواعد تتلخص في المحافظة على الكرامة الإنسانية، والعدالة بكل صورها، والتعاون العام والمودة والرحمة بالإنسانية، والمصلحة ودفع الفساد في الأرض.
موضحاً بقوله: ومن المسلّم به أن كل اجتماع نتيجة نحو غاية رابطة، وتتضافر الجهود كلها للوصول إلى هذه الغاية. والغاية الإنسانية العالية هي فعل الخير وتجنب الشر، ومن جماعة فاضلة إلا جعلت الخير أساس اجتماعها، والابتعاد عن الشر عنصر اتحادها، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو الخير وما هو الشر، وما هو الميزان الذي به يتميز الخبيث من الطيب، وإن الاستقراء أثبت أن الأسس الاجتماعية في الأحكام القرآنية تقوم على المصلحة لأكبر عدد ممن يظلهم المجتمع بأكبر مقدار من السعادة الحسية والروحية، ودفع بوائق الشر، وقد استطاع فقهاء الإسلام أن يردوا أصول المصالح الاجتماعية إلى خمسة أمور تجب المحافظة عليها، حتى تقوم العلاقات الاجتماعية على أكمل وجه، وحتى يتجه المجتمع بكل قواه إلى اسلم غاية، وتلك الأمور الخمسة هي: حفظ النفس، حفظ النسل، حفظ الدين، حفظ المال، وإن انحصار المصالح في هذه الأمور الخمسة لأن الدنيا بنيت عليها، ولأن كل مجتمع فاضل يجب أن يجعل غايته العليا المحافظة عليها، وإن قوى المجتمع تتجه إلى المحافظة عليها وتحقيقها، ودفع الآفات الاجتماعية التي تفرض مصلحة من هذه المصالح للضرر، ولذلك حرص الشرع الإسلامي على أمرين، جلب المنفعة لأكبر عدد ممكن في المجتمع، دفع الضرر.
منوهاً في هذا الجانب بأن المصالح اعتبرها الإسلام غاية من غايات الاجتماع الكبرى، وهي لا تتحقق، إلا إذا كان لها حام من القانون الرادع، والأحكام الزاجرة، لذلك كان لابد للمجتمع في الإسلام من عقوبات صارمة رادعة، وقد بنيت العقوبات في الإسلام على أساس دفع الفساد، كما بني التحليل والتحريم في الإسلام على أساس مصلحة الجماعة الفاضلة، وإنه من المقررات الثابتة أن الله عز وجل لم يخلق شيئاً ضاراً ضرراً محضاً، ولا شيئاً نافعاً نفعاً محضاً، وإنما العبرة بالغالب، فما غلبت المصلحة الاجتماعية فيه طالب الشارع به، وما غلب الضرر الاجتماعي فيه منفعة الشارع.
وحول مفهوم المصلحة وتقسيمات المصالح قال: أفاض الفقهاء في تحديد مفهوم المصلحة في الفقه الإسلامي، حتى أصبحت من العموميات والبديهيات الثابتة، فالمصلحة هي:(كل ما فيه صلاح ونفع للخلق في دنياهم أو في دينهم) فالمصلحة يقصد بها دفع ضرر أو جلب نفع يقصده الشارع، لا مطلق النفع والضرر والمعنى السابق هو ما يميز جوهر المصلحة في الفقه الإسلامي عن جوهرها في الفكر القانوني الوضعي؛ حيث إنه في الفكر الوضعي المصلحة تنصب على تحقيق مصالح ومقصود الناس، ولذا هنا المصلحة مناطها فكرة الصالح بالمعنى الاجتماعي الفردي الوضعي، حيث تكون المصلحة مصلحة مغلفة بالمادية والنفعية البحتة.
مؤكداً بأن المصالح في الفكر الإسلامي تنقسم إلى ثلاثة أنواع، الاول: مصلحة ملغاة ومصالح معتبرة ومصالح مرسلة: فالمصلحة المعتبرة هي المصالح التي اعتبرها الشارع، بمعنى انه عز وجل شرع لها الأحكام الموصلة لها. وتعتبر المصالح المعتبرة جميع المصالح التي جاءت الأحكام المشروعة لتحقيقها. فالمصالح المعتبرة هي المصالح التي قام الدليل الشرعي على اعتبارها ووضع من الأحكام ما يوصل إليها، والمصالح المعتبرة هي:(حفظ الدين النفس والعقل والعرض والمال)، وقد شرع الله عز وجل ما يحقق هذه المصالح، حيث شرع الجهاد لحفظ الدين، وشرع القصاص لحفظ النفس وحد الشرب لحفظ العقل وحد الزنا ووحد القذف لحماية العرض وحد السرقة لحفظ المال، والنوع الثاني: المصالح الملغاة: وهى مصالح أهدمها الشرع وألغاها ولم يعتبرها، وهى لا تعتبر مصالح بالمعنى الدقيق، بل يمكن القول أنها مفاسد ولكن البشر، قد يتوهم أنها مصالح ، ومن أمثلة المصالح الملغاة، التي لا يعتد بها، مثل المصلحة المتوهمة فيما يتعلق بالتسوية بين الرجل والمرأة في الميراث؛ مصلحة المرابي في حصوله على الربا لزيادة رأسماله.
والنوع الثالث هو: ما يطلق عليه بالمصالح المرسلة وهى: المصلحة المطلقة عن تعيين دليل الاعتبار والإلغاء لكنها ترجع لأصل شرعي عام يعلم بالكتاب والسنة. فهي مصلحة تدخل في مقاصد الشارع ولكن لا يقوم دليل خاص على إلغائها أو إبقائها، فالمصلحة المرسلة فهي مصالح لأنها تجلب نفعا وتدفع ضرراً وهى تعتبر مرسلة لأنها مطلقة عن اعتبار الشارع أو إلغائه، فالمصلحة المرسلة غير مقيدة، لأنه لم يدل دليل خاص من نصوص الشارع على اعتبارها ولا على إلغائها فهي مطلقة من الاعتبار والإلغاء.
وقال الباحث: ان التقسيم السابق للمصالح مرجعه هو انه قد يحدث من الوقائع كثيرا ما يشتمل على أمور تصلح أن تكون مناطا لحكم شرعي يحكم به بناء على تلك الأمور، وهذه الأمور هي ما تعرف عند العلماء بالمعاني المناسبة للحكم، وهذه المعاني المناسبة تتنوع بالنظر إلى شهادة الشارع. فقد تكون ملغاة (مصالح ملغاة) وقد تكون معتبرة (مصالح معتبرة) وقد تكون مرسلة (مصالح لم يشهد الشرع باعتبارها أو بإلغائها)، الأمر الثابت هو أن مقاصد الشريعة هي تحقيق مصالح العباد ودفع المضار عنهم، حيث إن مقاصد في الشريعة الإسلامية هي “الأهداف التي شرعت الأحكام لتحقيقها وهى المصالح التي تعود على العباد في دنياهم وأخراهم سواء أكان تحصيلها عن طريق جلب المنافع أم عن طريق دفع المضار، المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها.
وثالثاً ـ دور المصلحة: القاعدة المتفق عليها إن الأحكام الشرعية كلها تهدف إلى تحقيق مصالح الناس. اتفق الشراح على: “أنه ما من حكم كلى أو جزئي إلا ويقصد به المحافظة على مصلحة خاصة، وأن المصالح ترجع في النهاية إلى المحافظة على أحد الأمور الخمسة (النفس والعقل والعرض والمال والدين)، وبناء على ما سبق، فالأحكام جد مرتبطة بالمصلحة، ولكن يجب أن نعرف أن إدراك هذه المصالح وكيفية المحافظة عليها، يجب أن يتم في الإطار العام للقواعد الشرعية. وهنا تقع المسئولية على الدولة في التحقق من مراعاة ذلك الضابط، حتى لا يكون تحقيق المصالح، تحت دعوى أن الشريعة تهدف إلى تحقيق المصالح طريقا خلفيا لمخالفة القواعد والأصول الشرعية. ومن ناحية ثانية، فيلاحظ أن المقصود بتحقيق المصالح هنا ليس تحقيق مصالح المسلمين فقط، بل المسلمين وغير المسلمين. وبوجه عام تحقيق مصالح المحكومين آيا كانت انتماءاتهم، ولذا فالمصلحة تشير إلى الخير العام في المجتمع، ويؤكد ما ثانية، وصية مفهوم تحقيق الصالح العام في الدولة الإسلامية حيث إن الصالح العام في الدولة الإسلامية يقوم على أن تحقيق مصالح الناس يؤدى إلى إقامة الدين هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية، أن مصالح الناس في الدولة الإسلامية لا تتحدد في ضوء محض رغبة بعض القوى السياسية في الدولة وليس تبعا لأهواء الجماهير. وإنما هي سابقة على وجود الجماعة أو الدولة الإسلامية ذاتها ولازمة لها، بحيث تفقد هذه الدولة مبرر وجدودها إذا تخلت عن غايتها أو تنكرت لها.
وقال: ولقد اشترط الفقهاء عدة شروط للعمل بالمصلحة، وهذه الشروط هي: أن تكون المصلحة معقولة في ذاتها، بحيث تتقبلها العقول. الملائمة بين المصلحة التي تعتبر أصلا قائما بذاته وبتحصيلها.الشارع الإسلامي، بمعنى عدم منافاة المصلحة لأصل من الأصول، ولا تتعارض مع دليل من أدلته الشرعية. بمعنى أن تكون متفقة مع المصالح التي يقصد الشارع إلى تحصيلها. وأن يحقق العمل بالمصلحة دفع حرج عن الناس، وأن تكون المصلحة كلية وقطعية وضرورية وأن تكون المصلحة عامة: بمعنى انه لا تكون مصلحة خاصة بفرد معين. وتكون المصلحة عامة، إذا كان بناء الحكم عليها يحقق منفعة لأكبر عدد من الناس فضلاً عن أن يشترط ألا تكون المصلحة من المصالح التي قام الدليل الشرعي على إلغائها (المصلحة المتوهمة في المساواة في الميراث بين البنت والد، والمصلحة في الاستسلام للعدو)، ورابعاً: إطار مفهوم المصلحة العامة: مفهوم المصلحة العامة يتنازعه اليوم أكثر من ميدان من ميادين المعرفة الإسلامية، كعلم أصول الفقه وعلم المقاصد الشرعية وعلم القواعد الفقهية وعلم السياسة الشرعية، حيث ان مفهوم المصلحة هو لب مقاصد الشرعية الإسلامية إذ هناك ما يشبه الاتفاق بين علماء الأصول والمقاصد الشرعية على حصر مفردات أصول المصالح العامة في الكليات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال) ودون شك أن تحقيق المصلحة العامة غاية السياسة، ويتعدد مفهوم المصلحة العامة ويتباين بحسب طبيعة المجتمع؛ وتنبثق المصلحة العامة من المقاصد العامة للشريعة الإسلامية.
وقال: ويرى البعض أن المصالح العامة وعاؤها ما تكلم عنه الفقهاء في حقوق الله وحقوق العباد، وهو وعاء يتسع لغايات حركة النظام السياسي، هذه الحركة تستوعبها الواجبات الكفائية، وهي واجبات فوق الحصر بما يترتب عليها من منافع عامة للأمة، ويؤدى التعاون الإنساني إلى تحقيق المصلحة الإنسانية العليا والتي تتمثل في حدوث العمران البشري، الذي يعد مناط الاستخلاف الإنساني في الأرض. والمصلحة الإنسانية العليا والتي لا تتحقق إلا بالتعاون الإنساني والتواصل الحضاري القائم على العدل، هي مستوى أعلى من مستويات المصلحة العامة الأخرى، إذ أنها لا تتعلق بدولة بعينها أو شعب معين، أو أمة معينة، وإنما هي المصلحة التي يتعلق نفعها بالمجتمع العالمي من غير تخصيص وهذا هو مدخل العلاقات الدولية، وقواعد السياسة الخارجية في الشريعة الإسلامية، فمضمون المصلحة الإنسانية العليا يعني استقامة الحياة الاجتماعية والسياسية واستقرارها، على مستوى العالم، وذلك محصلة للتعاون بين جميع الدول والشعوب على إقامة وحفظ منظومة أصول المصالح وفروعها على المستوى العالمي، على الترتيب الذي تقره الشريعة الإسلامية فيما بينها، وبمراتبها التصاعدية الثلاث الذي ينتهي إلى تحقيق الغاية من استخلاف الإنسان في الأرض، وتسمو المصلحة الإنسانية العليا على الحدود الإقليمية والقبلية والشعوبية، لتتعلق بمطلق عموم الإنسانية من غير تخصص بإقليم معين أو دولة معينة أو أمة معينة، فإن المصلحة العامة على مستوى عموم الأمة يتعلق بمصالح مجموع أفراد الأمة الإسلامية من غير تخصيص بأحد.
.. وللموضوع بقية.

إلى الأعلى