السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (116)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله، وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فإن الإنسان إذا تفـكـر في الحـياة الـدنيا الفانـية، أيـقـن أنها لـيست دار مقـر وإنما هـي دار مـمـر، دار ابـتلاء واخـتبار، دار تعـب وجـد وعـمـل وتـزود، فـمـن لـم يـتـزود منها رحـل منها بغـير زاد، لأنها دار جـهـاد واجـتهاد.
نستخـلـص مما اسـتعـرضـناه مـن الآيات البينات والأحـاديث الـنـبـوية، وأقـوال العـلـماء، أن العـالـم إذا لـم يعـمـل بعـلـمه، ويظهـر عـلـمه في سـلـوكـيـاته وأخـلاقـه ، فهـو ومـن ذكـرهـم الله سبحانه وتعـالى في قـوله:(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الجمعة ـ 5) فهم سـواء.
* العـلم والأدب:
قال الله تعـالى:(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ) (الـزمـر ـ 9)، ويـقـول الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم):(لا يـزال الـرجـل عـالـما ما طـلـب العــلم، فإذا ظـن أنه قـد عـلم فـقـد جـهـل) وقال:(إن الملائكة لتضـع اجنحـتها لـطالب العـلم رضا بما يطـلـب، ولـمـداد جـرت به أقـلام العـلـماء خـير مـن دماء الشهـداء في سـبيـل الله).
قـيل للـمهـلب بن أبي صـفـرة: بـم أدركـت ما أدركـت؟ قال: بالعـلم، قـيـل لـه فإن غـيرك قـد عـلـم أكـثر مما عـلـمـت ولـم يـدرك ما أدركـت قال: ذلك عــلـم حـمـل وهـذا عـلـم اسـتعـمـل.
وقال بعـض الحـكـمـاء: لسـت أطـلـب العـلـم طـمعا في غـايته، والـوقـوف عـلى نهايته، لأن ذلك مستحـيـل إدراكـه، ولـكـن التماس ما لا يسع جهـله، ولا يعـلـم كـنه العـبادة إلا به.
وقـيـل: مـن أراد الـدنيا فعـلـيه بالعـلـم، ومـن أراد الآخـرة فـعـليه بالعـلـم، ومـن أرادهـما معـا فـعـليه بالعـلـم، وقال عـروة بن الـزبـير ـ رضي الله عنه ـ لبنيه : يا بني اطـلبـوا العـلـم فإن تكـونـوا صـغـار قـوم لا تحـتاجـون لغـيركـم، فعـسى أن تكـونـوا كـبار قـوم لا يسـتغـنى عـنـكـم.
قـال الشـاعـــر:
تعـلم فـليس المـرء يـولـد عـالمـاً
وليس أخـو عـلم كـمـن هـو جـاهـل
وإن كـبير القـوم لا عـلــم عـنـده
صـغـير إذا الـتفـت عـليه الـمحافـل

وقال آخــر:
العـلـم يحـي قــلــوب المـيتـين كمــــا
تحـيا البـلاد إذا ما مســــــها المطــر
والعـلـم يجـلو العـمى عن قـلب صاحبه
كـما يجـلــي ســواد اللـيـل الــقـمـر

وقـيـل للخـليـل بن أحـمد الفـراهـيـدي العـماني، صاحـب العـروض وكتاب العـين أول معـجـم في اللغـة العـربية، قـيـل له: أيهـما أفـضـل العـلـم أو الـمال؟ فـقال: العـلـم قـيـل له: فـما بال العـلـماء يــزدحـمـون عـلى أبـواب الـملـوك، والـملـوك لا يـزدحـمـون عـلى أبـواب العـلـماء؟ قال: ذلك لـمعـرفـة العـلـماء بحـق الـمـلـوك وجـهـل الـمـلـوك بحـق العـلـماء.
وقال النبي (صلى الله عـليه وسـلم):(يحـمـل هـذا العـلـم مـن كل خـلف عـدو له، ينـفـون عـنه تحـريف القـائـلين؟ وانتحـال المبطـلـين، وتأويـل الجاهـلـين).
وقـيـل للحسن البصـري: لـم صارت الحـرفة مقـرنة مـع العـلـم، والـثـروة مقـرونة مـع الجهـل؟، فـقال: ليـس كـما قـلـتـم ، ولـكـن طـلبتـم قـلـيـلا في قـلـيـل فأعـجـزكـم، طـلبـتـم الـمال وهـو قـلـيـل في الناس مـن أهـل العـلـم وهـم قـلـيـل في الناس، ولـو نظـرتـم إلى مـن احـترف مـن أهـل الجـهـل لـوجـدتـمـوهـم أكــثر.
وقال سبحانه وتعـالى:(..إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (فاطـر ـ 28)، وقال:(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العـنـكبوت ـ 43)، وقـيـل لا تمـنعـوا العـلـم أهـله فـتـظـلـمـوهـم، ولا تـعـطـوه غـير أهـله فـتـظـلـمـوه.
قال الشـاعـر:
مـن منع الحـكـمة عـن أربـابها
أصبح في الحـكـم لهـم ظـالـمـا
وواضـع الحـكـمة في غـيرهـــم
يـكـون في الحكـم لها غـاشـما
سـمعـت يـوماً مـثـلاً ســائــراً
وكـنـت في الشـعـر لها ناظـمـا
لا خـير في الـمـريء إذا ما غـدا
لا طـالـبـاً عـلـماً ولا عــالمــــا

وقال آخـر:
العـلـم زين وتشريف لصاحـبه
والجهـل والحـمـق مقـرونان في قـرن

وقال الأصمعـي: أول العـلـم الصمت، والثاني الاستـماع، والثالث الحـفـظ، والـرابع العـمـل، والخامس نشـره عـلى أهـله.
وقال مـعـاذ بن جـبـل ـ رضي الله عـنه: تعـلـمـوا العـلـم فإن تعـلـمه حـسـنة، وطـلبه عـبادة، وبـذله لأهـله قـربة، والعـلـم مـدار سـبيـل أهـل الجـنة، والأنيـس في الـوحـشة، والصاحـب في الغـربة، والـمحـدث في الخـلـوة، والـدلـيـل عـلى الســراء والضـراء، والـزين عـنـد الأخـلاء، والسلاح عـلى الأعـداء، يـرفـع الله به أقـواما فـيجـعـلهـم قـادة أئمة ، تـقـتـفى آثارهـم ويـقـتـدى بـفـعـالهـم.
والعـلـم حـيـاة الـقـلـوب مـن الجهـل، ومصباح الأبصار مـن الظـلـمة، وقـوة الأبـدان مـن الضـعـف، يبلـغ العـبـد بـفـضـل العـلـم مـنازل الأحـرار، فـيـصـير مـن الأخـيـار، وينال الـدرجـات العـلى في الـدنـيـا والآخـرة، الـتـفـكـر فـيه يعـدل الصيام، ومـذاكـرته تعـدل الـقـيام، وبه تـوصـل الأرحـام ، ويعـرف به الحـلال والحـرام.

وقال الشـاعـر:
يـلـوم عـلى أن رحـت في العـلـم طالبا
أجـمع مـن عـنـد الـرجـال فـنـونــه
فـأمـلك ابـكـار الـكـــــلام وعــونـه
وأحـفـظ مما أسـتـفـيـد عـيــونـــــه
ويــزعـم أن العـلـم لا يجـلب الغـنى
ويحسن بالجهـل الــذميـم ظـنـونــه
فـيا لائمي دعـني أغـالي بقـيـمـــتي
فـقـيمة كل الناس ما يحـسنــونـــه

وقال عـبـد الله بن العـباس ـ رضي الله عـنهـما: كـفاك مـن عـلـم الـدين أن تعـرف ما لا يسـع جهـله ، وكـفـاك مـن عـلـم الأدب أن تـروي الشاهـد والـمثـل.

قال الشـاعــر:
وما من كـاتـب إلا ســتـبقـى
كـتابـته وإن فـنيــت يــــداه
فـلا تكـتب بكـفـك غـير شيء
يسرك في القـيامة أن تراه

وقال أحـد مـلـوك الهـنـد يـوصي أولاده: يا بني أكـثروا مـن النظـر في الكـتب وازدادوا في كل يـوم حـرفـا ، فـإن ثـلاثة لا يستـوحـشـون في غـربة، الـفـقـيه العـالـم، والبـطـل الشجـاع، والحـلـو اللـسان الكـثير الـمـخـارج صاحـب الـرأي.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى