الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (33)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (33)

مسألة: هل يشترط المسجد؟
قال في عون المعبود: وذهب البعض إلى اشتراط المسجد، قال: لأنها لم تُقم إلا فيه، وقال أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء إنه غير شرط، وهو قوي إن صحت صلاته )صلى الله عليه وآله وسلم( في بطن الوادي، وقد روى صلاته )صلى الله عليه وآله وسلم( في بطن الوادي ابن سعد وأهل السير، ولو سُلم عدم صحة ذلك لم يدل فعلها في المسجد على اشتراطه.
قال النووي: لا تصح الجمعة عندنا إلا في أبنية يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة ولا تصح في الصحراء، وبه قال مالك وآخرون، وقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز إقامتها لأهل المصر في الصحراء كالعيد، واحتج أصحابنا بما احتج به المصنف أن النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه لم يفعلوها في الصحراء مع تطاول الأزمان وتكرر فعلها بخلاف العيد، وقد قال (صلى الله عليه وسلم):(صلوا كما رأيتموني أصلي).
وقال ابن قدامة: ولا يشترط لصحة الجمعة إقامتها في البنيان، ويجوز إقامتها فيما قاربه من الصحراء، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لا تجوز في غير البنيان، لأنه بوضع يجوز لأهل المِصْر قصر الصلاة فيه، فأشبه البعيد.
ولنا أن مصعب بن عمير جمَّع بالأنصار في هَزْم النَّبيت في نقيع الخضمات، والنقيع بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مُدَّة، فإذا نضب الماء نبت الكلأ، ولأنه موضع لصلاة العيد فجازت فيه الجمعة، كالجامع، ولأن الجمعة صلاة عيد، فجازت في المصلى كصلاة الأضحى، ولأن الأصل عدم اشتراط ذلك، ولا نصَّ في اشتراطه، ولا معنى نصًّ فلا يشترط .
وقال النووي: ولا يشترط إقامتها في مسجد، ولكن تجوز في ساحة مكشوفة بشرط أن تكون داخلة في القرية أو البلدة معدودة من خطتها، فلو صلوا خارج البلد لم تصح بلا خلاف، سواء كان بقرب البلدة أو بعيداً منه، وسواء صلوها في ركن أم ساحة، ودليله أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(صلوا كما رأيتموني أصلي) ولم يُصلِ هكذا.
7-هل يشترط إذن الحاكم؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين :
الأول: أنه لا يشترط، وهو قول جمهور العلماء، وبه قال مالك والشافعي ورواية عن أحمد وأبو ثور.
الثاني: إنه شرط، رُوي ذلك عن الحسن والأوزاعي، وحبيب بن ثابت وأبي حنيفة .قال ابن قدامة: والصحيح أنه ليس بشرط .
واحتج الموجوبون أنه لا يقيمها إلا الأئمة في كل عصر، فصار ذلك إجماعاً.
قال ابن قدامة:(ولنا أن علياً صلى الجمعة بالناس وعثمان محصور، فلم ينكره أحد ، وصوَّب ذلك عثمان، وأمر بالصلاة معهم .. قال أحمد: وقعت الفتنة بالشام تسع سنين، فكانوا يُجمَّعون .. ولأنها من فرائض الأعيان، فلم يُشترط لها إذن الإمام كالظهر، ولأنها صلاة أشبهت سائر الصلوات. وما ذكروه إجماعاً لا يصح، فإن الناس يقيمون الجمعات في القرى من غير استئذان أحد، ثم لو صحَّ أنه لم يقع إلا ذلك لكان إجماعاً على جواز ما وقع، لا على تحريم غيره، كالحج يتولاه الأئمة وليس بشرط فيه ..).
وعلى القول باشتراط إذن الإمام فإن تعذر لفتنة ونحوها فقال القاضي: ظاهر كلامه صحتها بغير إذن، على كلتا الروايتين، فعلى هذا يكون الإذن معتبراً مع إمكانه ويسقط اعتباره بتعذره.
وقال الإمام نور الدين السالمي والعلامة الخليلي: إن من شروط الجمعة إذن السلطان .. (قاله الخليلي في الفتاوى. ص ـ 125).
وقال النووي: قال الشافعي: يستحب ألا تقام الجمعة إلا بإذن السلطان أو نائبه، فإن أقيمت بغير إذنه ولا حضوره جاز وصحت، وهكذا جزم به المصنف والأصحاب، ولا نعلم فيه خلافاً عندنا إلا ما ذكره صاحب البيان، فإنه حكى قولاً قديماً أنها لا تصح إلا خلف الإمام أو من أذن له الإمام ، وهذا شاذ ضعيف.
8 ـ هل يشترط سماع النداء لوجوب الجمعة؟
قال أحمد: أما أهل المصر فلابد لهم من شهود الجمعة، سمعوا النداء أو لم يسمعوا، وذلك لأن البلد الواحد بُني للجمعة، فلا فرق بين القريب والبعيد .. وهذا قول أصحاب الرأي ونحوه قول الشافعي.
وقيل إذا كان البلد واحداً فإنه يلزمه، ولو كان بينه وبين المسجد فراسخ، وبه قال الخليلي ومن قبلهما السالمي ـ رحمه الله.
قال النووي: قال الشافعي: إذا كان في البلد أربعون فصاعداً من أهل الكمال وجبت الجمعة على كل من فيه، وإن اتسعت خطة البلد فراسخ، وسواء سمع النداء أم لا وهذا مجمع عليه، وأما غير أهل المصر فاختلف العلماء في وجوبها عليهم، والقائلون بالوجوب اختلفوا في ضابطه أهو المسافة أم سماع النداء أم غير ذلك.
فقال أصحاب الرأي: لا جُمعة على من كان خارج المصر، لأن عثمان ـ رضى الله عنه ـ صلى العيد في يوم الجمعة، ثم قال لأهل العوالي: من أراد منكم أن ينصرف فلينصرف، ومن أراد أن يقيم حتى يُصلي الجمعة فليقم، ولأنهم خارج المصر فأشبه أهل الحلل.
وقال الجمهور: عليه الجمعة، ثم اختلفوا في ضابط ذلك: فذهب الشافعية إلى وجوبها على من بلغه النداء دون غيره وهو رواية عن أحمد، لحديث:(لا جمعة إلا على من سمع النداء) وبه قال عبدالله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وأحمد وإسحاق.
وذهب الأوزاعي وأبو ثور إلي وجوبها علي من يمكنه إذا فعلها أن يرجع إلى أهله فيبيت فيهم، لحديث:(الجمعة على من آواه الليل إلى أهله)، وبه قال عبدالله بن عمر بن الخطاب وأنس وأبو هريرة ومعاوية والحسن ونافع مولى ابن عمر وعكرمة وعطاء، وقال الزهري: يجب علي من بينه و بين البلد ستة أميال، وقال مالك والليث: يجب علي من بينه وبين البلد ثلاثة أميال، وهو مذهب أحمد، واختاره ابن قدامة، قال الحزمي: وتجب الجمعة علي من بينه وبين الجمعة فرسخ، وإنما اعتبروا المسافة دون السماع، لأن سماع النداء غير ممكن دائماً فاعتبر بمظنته، وأما الفرسخ، فلأنه الموضع الذي يسمع فيه غالباً، قالوا: ولأن المصر لا يكاد يكون أكثر من فرسخ، فهو في مظنة القرب.
قال ابن قدامة: وأما اعتبار حقيقة النداء، فلا يمكن، لأنه قد يكون من الناس الأصم وثقيل السمع، وقد يكون النداء بين يدي المنبر، فلا يسمعه إلا من في الجامع، وقد يكون المؤذن خفيَّ الصوت، أو في يوم ذي ريح، ويكون المستمع نائماً أو مشغولاً بما يمنع السماع ، فلا يسمع، و يسمع من هو أبعد منه، فيفضي إلى وجوبها على البعيد دون القريب، وما هذا سبيله ينبغي أن يُقدَّر بمقدار لا يختلف، والموضع الذي يسمع منه النداء في الغالب ـ إذا كان المنادي حيتّيتا في موضع عال والريح ساكنة والأصوات هادئة، والمستمع سميع ـ غير ساهٍ ولا لاهٍ ـ فرسخ أو قاربه فحدَّ به .. والله أعلم.
وقال محمد بن المنذر وربيعة وهي رواية عن الزهري: أربعة أميال، وقال ابن حزم: ويلزم المجيء إلى الجمعة من كان منها بحيث إذا زالت الشمس وقد توضأ قبل ذلك دخل الطريق إثر أول الزوال ومشى مترسلاً ويدرك منها ولو السلام، سواء سمع النداء، أو لم يسمع، فمن كان بحيث إن فعل ما ذكرنا لم يدرك منها ولا السلام لم يلزمه المجيء إليها، سمع النداء أو لم يسمع، وهو قول ربيعة.
واحتج بقوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله وذروا البيع) (الجمعة ـ 9)، قال : فافترض الله تعالى السعي إليها إذا نودي لها، لا قبل ذلك، ولم يشترط تعالى من سمع النداء ممن لم يسمعه، والنداء لها إنما هو إذا زالت الشمس، فمن أمر بالرواح قبل ذلك فرضاً، فقد افترض ما لم يفترض الله تعالى في الآية، ولا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فصح يقيناً أنه تعالى أمر بالرواح إليها إثر زوال الشمس لا قبل ذلك، فصح أنه قبل ذلك فضيلة لا فريضة كمن قرب بدنة.
والأولى تعليق الحكم بما علق الله به، وهو النداء إلى الجمعة، وهذا الذي علق عليه الرسول (صلى الله عليه وسلم) الحكم عندما سأل ابن أم مكتوم:(أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: أجب)، وهذا الضابط في حق من كان خارج المصر، أما من كان داخل المصر فقد حكى النووي الإجماع على وجوب الجمعة عليه سمع النداء أم لم يسمع، وأما ما ذهب إليه ابن حزم من عدم التفريق بين من كان داخل المصر وخارجه، وبين من يسمع النداء ومن لا يسمع ففضلاً عن كونه مخالف للإجماع، فإن القاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يلزم منها أن من كان بالمصر يسمع النداء ولا يدرك الصلاة إذا خرج لها عند سماعه أنه يلزمه الخروج قبله، وأما من كان خارج المصر ويسمع النداء ولكن لا يدرك الصلاة إذا خرج عند سماعه، فقد يتوجه القول بما ذهب إليه لولا عموم الآية .. والله أعلم.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى