السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار)

(يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار)

أيها القراء الأعزاء: إن من شيم ديننا الحنيف إفشاء روح المحبة والرحمة وخفض الجناح بين أفراد المجتمع المسلم، قال الله عز وجل في وصف الجيل الأول مبيناً لنا سبب عز وتمكين هؤلاء:(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).
وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، فتأمل هذه الآيات رحمك الله لتعلم كيف وصل هؤلاء إلى ما وصلوا إليه ولتعلم من أين تسرب الوهن والضعف في الأمة في واقعنا هذا.
وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى).
وعَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا ـ وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ـ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيه).
وإليك بعض النصوص التي تحض على التواضع وخفض الجناح، قال تعالى
:(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)، وقال تعالى:(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وعند مسلم من حديث عياض بن حمار قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(وَإِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم)، أَنَّهُ قَالَ:(مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ)، وقال (صلى الله عليه وسلم):(لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَوَجْهُكَ مُنْبَسِطٌ).
وقال تعالى محذراً من الكبر والغرور والترفع على الناس (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ).
وانظر في سير السالفين الذين ضربوا المثل الأعلى في التواضع وخفض الجناح لإخوانهم لذلك أعزهم الله عز وجل وأعلى ذكرهم في الدنيا والآخرة وأنا أضرب لكم مثالا واحدا لتتأسوا به ، فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كَانَ يَقُولُ:(أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا يَعْنِي بِلاَلًا)، وكان ـ رضي الله عنه ـ يقول:(لَأَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَقَدَّمَ قَوْمًا فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ).
فبهذا التواضع وهذا التجرد سادوا وقادوا،وعلى الجانب الآخر لو نظرت لبعض أصحاب المناصب المرموقة الآن وهم من جلدتنا لرأيت العجب العجاب والله ربما تذلل للكافر المشرك وترفع وتكبر على إخوانه المسلمين لأنهم أقل منه منصبا والواقع خير شاهد على ذلك.
فالمقصود ـ إخوتي ـ أن سر قوة هذا المجتمع المسلم في ترابطه وتكاتفه وتكامله وتواضع أفراده بعضهم لبعض،وأن التنافر والتدابر والتباغض خطره عظيم على الأمة بأسرها لذلك كان العنصر الرابع هو: النظر في عاقبة التفرق والتشرذم الوخيمة في الدنيا والآخرة.
لا شك أن الاختلاف والتنازع سبب للفرقة والفشل مما يجعل المختلفين لقمة سائغة لأعدائهم، وواقع الأمة يشهد بذلك فلما كانت الأمة متحدة تحت راية واحدة، ومندرجة تحت قول واحد عمدته الكتاب والسنة، كانت لها السيادة والريادة ثم لما ظهرت الأمراض مثل حب التصدر والانفراد بالرأي وازدراء آراء الآخرين أوهنت الأمة وأضعفت قواها لذلك نهانا الله عز وجل عن التنازع والتخاصم لأن في ذلك ضعف للأمة قال تعالى:(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، وقال تعالى:(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، وقال تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).
لذلك حرم الشرع التخاصم بين أفراد الأمة بغير سبب شرعي فقال (صلى الله عليه وسلم):(وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ).
وعن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا) ، وفي رواية :(اتركوا).
فدعونا – بارك الله فيكم – من الخصام والشقاق وهيا نتجه جميعا للعمل لدين الله عزوجل فأعداؤنا والله لا يضيعون الأوقات في الكيد للإسلام والمسلمين، يمكرون بنا بالليل قبل النهار،المؤامرات تحاك بالأمة من الداخل ومن الخارج وما زلنا نختلف على أمور لا تستحق الخلاف والجدال،ويضلل بعضنا بعضا بدون بينة ولا تروي، فمتى سنصل إلى ما نريد وحالنا هكذا،ومتى سنعيد للأمة كرامتها ونحن على هذا الحال.
فالله الله في التكاتف، والله الله في الاجتماع على كتاب ربنا وسنة نبينا (صلى الله عليه وسلم).

إعداد/علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى