الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تَأمُّلَاتٌ وَقِرَاءَاتٌ فِي دَلَالَاتِ الْحَجِّ (1)

تَأمُّلَاتٌ وَقِرَاءَاتٌ فِي دَلَالَاتِ الْحَجِّ (1)

الحج في الإسلام هو الركنٌ الأعظم من أركان الإسلام، ويكون في العمر من حيث الفرض، وعند اكتمال الشروط، مرة واحدة حيث ورد في الحديث الشريف الذي يُروَى عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهما ـ قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان) ـ رواه البخاري ومسلم.
ففيه:(حِجُّ الْبَيْتِ)، وفي رواية:(وحج البيت لمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) ـ رواه البخاري ومسلم أيضاً، ويكون فرضًا لازمَ الأداء على كل مسلم تحققت فيه شروطه التي اشترطها الإسلام، واستنَّها رسوله (صلى الله عليه وسلم)، حيث يقول الله تعالى:(ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) (آل عمران ـ 97)، فهو فرض لله على الناس، و(أل) هنا إما أن تكون عهدية، أي لله على الناس كل الناس لأنهم يلزمهم المسير والمصير إلى طاعة الله، وإما أن تكون عهدية، أي الناس المعهود إليهم فِعْلُ ذلك، وهم المؤمنون بالله ورسوله ، الملتزمون بأركان الإسلام الخمسة، وهم المسلمون، وهذه الشرعة الجليلة قد فرضها الله تعالى تزكية للنفوس، وتربية لها على معاني العبودية والطاعة، فضلاً على أنها فرصة عظيمة لتكفير الذنوب، وستر العيوب، ومحو الذنوب، فقد جاء في الحديث الشريف:(من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه) ـ رواه البخاري ومسلم.
والمتأمل لشرعة الحج ومراحله وفلسفته ومقاصده وأهدافه ومراميه وأغراضه، ودلالاته ليتعجب أشد العجب، ويدير رأسه يمينًا ويسارًا ضاربًا كفاً على أختها، حامداً ربَّ العزة ـ جل في علاه ـ على جليل نِعَمه، وجميل آلائه، وكريم فضله، وعظيم عطائه، وكثير مَنِّهِ، ونأخذ هنا من شعيرة الحج بعضًا من هاتيك الدلالات السامية والمعاني العالية والقيم النبيلة والأخلاقيات الجليلة والآداب الرفيعة.
وأولها أن الحج عبادة، والأصل في العبادات الاتِّباع والاقتداء والاستنان، فلا يحق لأحد أن يُعْمِل عقله، ويُجيل فكره، فيرفض تلك التعليمات السماوية أو النبوية لمجرد عدم فهمه لمقاصد الشرع الحنيف، فيتوقف معترضاً في شيء قاله الله سبحانه، أو في سنةٍ جاءتْنا صحيحة متواترة عن رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم)، أقول ذلك لأني قرأت لإحدى الكاتبات المشهورات التي تقوم دائما بنقد كل شيء في دين الله، وزيَّن لها الشيطان عملها، فصدها عن السبيل، فهي لا تهتدي، ولا ترعوي، بل تُعالِنُ ببغضها لكلِّ تشريع، سواء تعلق بالحجاب أو الصلاة أو الصوم أو الحج, فهي تقول ـ فيما يخص شعيرة الحج:(إن الحج عودة إلي عبادة الأصنام التي جاء الإسلام لينهانا عنها), وراحت تبث شرها، وتنفث سُمَّها قائلة:(إن الطواف حول الكعبة هو في النهاية طواف حول حجر أشبه بطواف المشركين حول الأصنام؟! وأليس السعي بين الصفا والمروة هو سعي بين حجرين كبيرين؟!، وأليس الوقوف بعرفة وقوف علي حجر؟!ّ، وأليس رمي الجمار استعمال للحجر في ضرب حجر؟!، وأليس الشاخص الذي نضربه هو حجر؟!، وأليس تقبيل الحجر الأسود أو الأسعد هو تقبيل وتقديس لحجر؟!، وأليس الوقوف بمزدلفة هو وقوف أو بِيَاتٌ على أحجار ؟!, ثم تعود فتكرر: إن شريعة الحج تعيدنا ـ في رأيها ـ إلى ما كانت عليه قريش من عبادة الأصنام ، ففيم الجديد الذي أتي به الإسلام؟!.
وردًّا على هذا الهُراء الذي لا يستحق أن يُسمع له، أو يُستمَع إليه أو أن يقرأ أو ينشغل به المسلم نقل: أن العبادات فى الإسلام أمر مرتبط بالتسليم والقبول، وإن لم يعرف المسلم الغايه منه ،أو المراد من اشتراعه، أو لم يقف على شيء من مقاصده, قال تعالى:(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا)، ولو كان الأمر منوطًا بالعقل فقط ، دون احترام للنقل لكان مسح باطن القدمين أولى من ظاهرهما ، في قضية المسح على الخفين , كما أنه لو كان الأمر مبناه على العقل، دون الاتِّباع لكان الأوْلَى ترك التيمم بالصعيد لأنه في النهاية تراب واتِّساخ وتعفير للوجه واليدين، ولكنَّ الإسلام الذي فرض الوضوء بالماء ، والتطهر به والاغتسال، هو نفسه الذي قال في مكان آخر:(ضع التراب بضربة عليه على وجهك، وساعديك، وكفيك)، فالأمر ليس أمر نظافة بقدر ما هو أمر اتباع واقتداء, فالذي قال:(اضرب هذا الشاخص بالحجر), هو نفسه الذي قال هنا: قبل هذا الحجر, والذي طلب إلينا البقاءَ في عرفة وجوبا حتى مغرب الشمس ، هو الذي أمرنا بتجاوز وادي عُرَنَةَ، وعدم المكث فيه مطلقا في أثناء أداء مناسك الحج، والذي أمرنا بالانصراف من عرفة بعد غروب الشمس، هو الذي أمرنا بالبقاء في المشعر الحرام ليلة عرفة، ثم الانصراف إلى مشعر منى أيام التشريق الثلاثة، إلا لمن تعجل في يومين.
فالأمر في الإسلام مبناه على الاتِّباع ، فجمالُ الدين الاتباعُ، وجمالُ الدنيا الابتداعُ ، ولكن الناس ابتدعوا في أمور الدين ، ولم يتبعوا ، في الوقت الذي اتَّبعوا غيرَهم في أمور الدنيا، ولم يبتدعوا فيها؛ فخابوا، وخسروا، وقد ردَّ سيدنا عمر – منذ مئات السنين – على مثل تلك الهرطقات، والخزعبلات، والتُّرَّهات، فقال عندما جاء ليقبِّل الحجر الأسود أو الأسعد:(والله، إني أعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقبِّلك ما قبَّلتك)، فأعلمنا ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ أن قضية التدين هي مَحْضُ التزام، وأن الله له حقُّ التشريع وحده، ولرسوله حق سَنِّ ما يشاء لأنه مؤيد من ربه، ولا ينطق عن الهوى، إنْ هو إلا وحى يُوحَى، وأن القاعدة العامة في الدين أنه:(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)، وأن كل مسلم يَعِي تماما جلال، وكمال، وجمال، ووضوح قوله تعالى:(لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)، فاللهم بصِّرْنا بكمال الفهم عنك، ونوِّرنا بتمام العلم بدينك، وفقِّهْنا في كتابك وسنة رسولك واجعلنا لك ولرسولك من المحبين، وللدفاع عن سنته من المخلصين والحمد لله رب العالمين.

د. جمال عبد العزيز أحمد
كلية دار العلوم – جامعة القاهرة
جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى