الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الثعالب اللبنانية!

الثعالب اللبنانية!

عادل سعد

لقد فقدت السياسة اللبنانية الخارجية الكثير من بريقها الإقليمي والدولي بهذا النأي، تلبية لأجندة إقليمية ودولية مغرضة، وإذا كان اللبنانيون الآن يدفعون الكثير من فواتير الخوف والتوجس والتموضع الطائفي، والقلق الاقتصادي المضني، فإنهم سيدفعون فواتير أخطر على هذا الطريق مع استمرار هذا النأي..

أسعفني جبران خليل جبران بقوله (ويل لأمة سائسها ثعلب وفيلسوفها مشعوذ) في أن تتصدر مقالتي هذه للحديث عن الأزمة السياسية التي تعصف بلبنان ضمن عمق زمني ليس بالقليل، وامتداد مفتوح على المجهول إلى أمد بلا حدود عندما تظل الآراء تراوح في هذا التماهي المحزن بعيدًا عن المقاربات الوطنية.
لقد كنت أقف قبل أيام عند مدخل المتحف آثار جبران الذي يقع على مقربة من بيته في مدينة بشري الجبلية، والحال وجدت في هذه العبارة فضحًا معقولًا للفراغ السياسي الذي يسود هذا البلد العربي، وعلى قمة هذا الفراغ الشغور الرئاسي، وبالمقابل فإن من الظلم، بل والإجحاف شمول كل السياسيين اللبنانيين بهذا الاتهام، مع أن هناك لبنانيين يرددون بدون وجل ويلًا للسياسيين الذين وجدوا لبنان غاليًا فباعوه، وعلى أي حال ليس مستغربًا أن تجد هناك من يقول إن لبنان بلد (الحكي) على إيقاع المثل القائل (في شي غير الحكي).
إن هناك في لبنان من يتغاضى عن حقيقة أن البلاد بحاجة ماسة إلى وقفة مسؤولة تضع بالاعتبار بأن المراهنة على متغيرات إقليمية ودولية لا يمكن لها أن تجلب رئيسًا قويًّا للبلاد، كما أن من المفروض أيضًا أن يتخلص السياسيون اللبنانيون من مأزق انتظار التوافق الإقليمي، خاصة بعد النسخة الجديدة التي فرضتها أحداث تركيا منتصف الشهر الجاري، حيث عصفت بالكثير من القناعات واستبدلت تحولات بتحولات، ولذلك أن من يظل نائمًا على وسادة الانتظار في هذا الشأن إما أن يكون غبيًّا، أو لا يعرف كيف يمكن قراءة ما يجري، أو بكلا الحالين، أو أنه وضع في حسابه التحصن بهذا الموقف عمدًا، ولي أن أضيف هنا: إن سياسة النأي اللبنانية عن الأزمة السورية إنما وضعت لبنان على حافة بحر من الأزمات بالرغم من الحاجة الملحة فعلًا وعلى مدار الأيام للتنسيق مع دمشق، على الأقل في الجوانب الاستخبارية وفي المراقبة المشتركة للحدود، وأوضاع النازحين السوريين الذين وصل عددهم إلى أكثر من مليون لاجئ صنعوا زحامًا سكانيًّا، أو على وفق التوصيف اللبناني الشعبي (عجقة) تضاهي العجقة المرورية اليومية على ضواحي العاصمة ومداخلها بالاتجاهات الأربعة، وزحمة الأزمة الاقتصادية تحت وطأة دين عام تجاوز(81 مليار دولار) أغلبها استحق التسديد منذ فترة طويلة وترتبت على ذلك جدولتها والفوائد إضافية للعجز الذي أصاب المداخيل المالية اللبنانية.
لقد فقدت السياسة اللبنانية الخارجية الكثير من بريقها الإقليمي والدولي بهذا النأي، تلبية لأجندة إقليمية ودولية مغرضة، وإذا كان اللبنانيون الآن يدفعون الكثير من فواتير الخوف والتوجس والتموضع الطائفي، والقلق الاقتصادي المضني، فإنهم سيدفعون فواتير أخطر على هذا الطريق مع استمرار هذا النأي، وعليهم أن يأخذوا الدرس من السياسة التركية التي ارتصفت مع فخ الأجندة الإقليمية والدولية المرسومة لسوريا، وها هي أنقرة الآن تدير ظهرها لهذا الارتصاف بالانكفاء إلى أزمتها الداخلية، ثم كيف يجيز الوضع لسياسيين لبنانيين المساومة على متغيرات لصالح أعداء دمشق مع أن بوادر حسم معركة حلب لصالح القوات السورية أخذت تتبلور الآن رغم الشد الإعلامي المناقض لذلك؟
إن ما أشرنا إليه من تشخيصات واستحقاقات لا يمثل كل حقيقة الوضع اللبناني، بل إن هناك استحقاقات أخرى ما زالت غير منظورة على السطح بشكل واضح، لكنها تمثل أرقًا للكثير من اللبنانيين، وتتعلق بالتأخير والمساومة على الحقوق الإقليمية للبلاد في المجال النفطي، وإمكانية أن تتحول البلاد إلى بلد مصدر له.

إلى الأعلى