الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الرياضة / في أولمبياد برشلونة 1992: دورة سامارانش والأمم المتحدة الرياضية
في أولمبياد برشلونة 1992: دورة سامارانش والأمم المتحدة الرياضية

في أولمبياد برشلونة 1992: دورة سامارانش والأمم المتحدة الرياضية

مدريد ـ ا.ف.ب: خيمت عبارة “أولا أولا” الترحيبية طيلة أيام ألعاب دورة برشلونة الأولمبية التي أقيمت من 25 يوليو إلى 9 أغسطس 1992 في برشلونة.
استقطبت ألعاب الأولمبياد الـ25 اهتمام البشرية واعتبرت تحولا بارزا في الحركة الرياضية العالمية، وقبل الدورة الأخيرة في القرن الـ20 التي ستنظم في مدينة اتلانتا الاميركية، وتحتفل خلالها الأسرة الاولمبية العالمية بالعيد الذهبي المئوي لإطلاق الألعاب الأولمبية الحديثة.
التنظيم والاحتفالات والمسابقات تزيح كل مرة سابقاتها، ويدخل التطور والحداثة في إشراك المحترفين والتسويق الإعلاني، وكل ذلك يؤكد ان الدورات الاولمبية أصبحت مسرحا تجاريا مستمرا ومختبرا علميا مفيدا.
شارك في دورة برشلونة 9356 رياضيا بينهم 2704 رياضية من 169 بلدا، تنافسوا في 257 مسابقة ضمن 25 لعبة هي: ألعاب القوى والتجديف والبادمنتون وكرة السلة والبيسبول والملاكمة والكانوي – كاياك والدراجات والفروسية والمبارزة وكرة القدم والسباحة والخماسي الحديث وكرة المضرب وكرة الطاولة والرماية والقوس والسهم والكرة الطائرة واليخوت.
وكانت الحصيلة النهائية تتويج 259 بطلا وبطلة حصدوا 815 ميدالية، وتابع وقائع الألعاب 5ر3 مليارات نسمة وتولى المحافظة على أمنها 45 ألف شرطي، وأوقدت شعلتها بسهم “ناري” أطلقه البطل المقعد انطونيو روبيللو.
“برشلونة 1992″ التي نالت شرف تنظيم الألعاب على حساب أمستردام وبلجراد وبرمنجهام وبريزبين وباريس، شهدت عودة جنوب إفريقيا إلى الدورات الاولمبية بعد غياب 32 عاما، وكوبا بعد غياب 20 عاما، وجاءت ألمانيا موحدة بعد سقوط جدار برلين، وكذلك اليمن، وودعت أسرة الدول المستقلة الألعاب حيث شاركت كمجموعة واحدة للمرة الأخيرة.
وجاءت جمهوريات البلطيق الثلاث استونيا ولاتفيا وليتوانيا التي استقلت بعد زوال الاتحاد السوفيتي في ديسمبر 1991، وبعدما كان زعماؤه في الكرملين يقيسون نجاح ايديولوجيتهم بعدد الميداليات الذهبية لرياضييهم، والتي كانت تفوق ذهبيات عدوهم الرأسمالي اللدود الولايات المتحدة. وستصبح مجموعة الدول المستقلة 13 دولة أي 13 بعثة مختلفة في الأولمبياد المقبل.
وفي حين عادت ألبانيا بعد عزلة في ظل القيادة الستالينية، حضرت جمهوريات الاتحاد اليوغوسلافي كل على حدة بعد تفككه، ووحده وفد صربيا والجبل الأسود سار خلف الراية الاولمبية، فالكيان الجديد لم يكن بلور بعد مدى محيطه وحدود في ظل النزاع الناشب مع البوسنة، والعقوبات الدولية التي تحاصره.
وفي المحصلة النهائية، حصدت “المجموعة المستقلة” 112 ميدالية بينها 45 ذهبية، وتقدمت الولايات المتحدة 108 (37) وألمانيا 82 (33). وبرزت الصين فحلت رابعة بـ 54 ميدالية منها 16 ذهبية، وخلفها كوبا العائدة بـ 31 ميدالية (14)، ثم أسبانيا بـ 22 (13)، وهي التي لم تحصل على أكثر من 26 ميدالية على مدى قرن كامل من الدورات.
وباستثناء الدول العظمى رياضيا، نادرا ماحققت دولة منظمة للألعاب مركزا لافتا في مقدمة لائحة الميداليات. وفي برشلونة 92 اصبحت أسبانيا تتمتع بهذه الميزة النادرة وحصد إبطالها ثمرة الدعم السخي من المؤسسات والشركات منذ عام 1986.
فقد تولى الدعم التلفزيوني الأسباني واللجنة الاولمبية الاسبانية التي ترعى نشاطاتها 22 شركة ومؤسسة كبرى، وهي قدمت نحو 300 مليون دولار ما بين 1988 و 1992، فضلا عن مبلغ مئة مليون دولار من عائدات الإعلانات التلفزيونية، إضافة إلى نحو مليار دولار من القطاع العام.
واستفاد من هذه الموازنة الضخمة نحو 800 مؤهل في المنتخبات الأسبانية كافة، وتمت الاستعانة بخبراء وفنيين من الاتحاد السوفيتي وبلغاريا والمجر ويوغوسلافيا وكوبا وألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا.
وخطط القيمون على الإعداد للأبحاث والمجال الطبي والمعدات وفنون التدريب العلمية وفق برنامج تكنولوجي حضر سلفا، وفاقت النتيجة التوقعات للمرة الأولى، وكانت اللجنة الاولمبية الأسبانية أبرمت عقدا مع شركة تأمين اميركية تمنح بموجبه كل فائز بميدالية ذهبية مبلغ مئة ألف دولار، وقدمت شركة سيات سيارة جديدة لكل بطل.
- سكاح وبولمرقة -أما الميداليات العربية، فتميزت بتتويج خليجي للمرة الأولى من خلال فوز القطري محمد سليمان ببرونزية سباق 1500 م. في المقابل، استمر لقب سباق 10 آلاف م مغربيا، إذ تسلم خالد سكاح الراية من ابراهيم بو الطيب، وتألقت الجزائرية حسيبة بولمرقة في سباق 1500 م محققة إنجازا ذهبيا غير مسبوق لبلادها، وحل المغربي رشيد البصير ثانيا في سباق 1500 م، ومواطنه محمد عشيق ثالثا في الملاكمة لوزن الديك، ونظيره الجزائري حسين سلطاني ثالثا في وزن الريشة.
وتمثلت خيبة الأمل الكبيرة بحلول الجزائري نور الدين مرسلي سابعا بسبب إصابته سابقا في سباق 1500 م.
وحصدت ميداليات برشلونة 64 دولة، بينها 37 حققت ميداليات ذهبية، في حين أحرزت ميداليات سيول 52 دولة، 31 منها فقط حظيت بالذهب.
وإذ توقع المراقبون ان تتمكن روسيا من فرض نفسها أيضا في الدورات المقبلة، باعتبار ان 40 في المئة من ميداليات المنتخب الموحد في برشلونة كانت من نصيب رياضييها، في حين ان ثمرة الوحدة الألمانية لم تغير في النتائج إيجابا. وفي وقت حصدت السباحات الشرقيات عشر ذهبيات مثلا في سيئول، فان محصلة الألمانيات في برشلونة كانت ذهبية واحدة أحرزتها الشرقية داغمار هازه. ذلك ان نظرة الدولة إلى الرياضة وأهدافها منها اختلفت جذريا بين النظام القائم وبين النظام الشيوعي السابق، وبكل ما في الثاني من حوافز وتفرغ وصرامة وطاعة عمياء للمدربين وتجارب علمية، حتى لو اقتضى الأمر اللجوء إلى المنشطات.
ومع ذلك، فان المسؤولين الألمان توقعوا منذ البداية ان تتأخر ثمرة التوحيد رياضيا.
وضمت بعثة مجموعة الدول المستقلة 500 مشارك (بينهم 280 من روسيا، 80 من أوكرانيا، 57 من روسيا البيضاء و43 من الجمهوريات الآسيوية).
ونال كل فائز ثلاثة آلاف دولار فقط وهذا ما دفع نجم الألعاب بطل الجمباز فيتالي شيربو إلى القول: ” نحن في حاجة للمال أكثر من الشهرة والمجد”، وبعد الألعاب تفرق عشاق كثر من نجوم ومدربين وهاجروا إلى بلدان تقدم لهم الجنسية والفرص الذهبية.
على صعيد الأرقام القياسية، سجل في برشلونة 15 رقما عالميا (9 أرقام في السباحة و3 في ألعاب القوى و2 في الدراجات ورقم في رفع الأثقال)، إضافة إلى 32 رقما أولمبيا، في مقابل 27 رقما عالميا في سيئول.
وكان أوفر الرياضيين ألقابا في برشلونة البطل البيلاروسي (روسيا البيضاء) في الجمباز فيتالي شيربو الذي انتزع ست ذهبيات، على غرار ما فعلت السباح الألمانية الشرقية كريستين اوتو 1988، وانتزع كل من الروسي يفغيني سادوفيي والمجرية كريستينا ايجرزيجي ثلاث ذهبيات في سباحة في سباقات 100 و200 م ظهرا و400 م متنوعة ومواطنها تاماش دارنيي ذهبيتي 200 و400 م حرة، كما برز الروسي ألكسندر بوبوف على حساب الاميركي مات بيوندي في 50 و100 م حرة.
وعوض الاميركي الفذ كارل لويس استبعاده في سباقه المفضل 100 م، بفوزه بذهبيتين، الاولى خلال احتفاظه بلقب الوثب الطويل للمرة الثالثة على التوالي، والثانية من خلال مشاركته فريق التتابع 4 مرات 100 م في تحطيمه الرقم القياسي العالمي (40ر37 ث)، رافعا ميداليته الأولمبية الذهبية الى 8 ميداليات.
وقهر البريطاني لينفورد كريستي الاميركيين في سباق 100 م، وهو في الثانية والثلاثين من عمره!.
وسقط الاوكراني سيرجي بوبكا في القفز بالزانة، وفشل الكندي بن جونسون العائد سعيا للتكفير عن ذنوبه، في بلوغ نهائي 100 م.
وتميزت مسابقة الهوكي على العشب بوجود اندرياس كيلر ضمن المنتخب الألماني الذي حصد الميدالية الذهبية، إذ مثل الجيل الثالث من “العائلة الاولمبية”، فجده اوين فاز بالفضية في دورة برلين 1936، ووالده بالذهبية في دورة ميونيخ 1972، وحصد البريطاني ستيف ريدجريف ذهبيته الثالثة في التجذيف بعد عامي 1984 و1988.
- دريم تيم -وعلى صعيد الألعاب الجماعية، كانت مسابقة كرة السلة هذه المرة هي الأبرز، وبفضل فريق الحلم الاميركي “دريم تيم” تحول قصر الرياضة الذي استضاف المباريات إلى قصر الأحلام، إذ ان الحلم أصبح حقيقة، واثبت لاعبو الولايات المتحدة المحترفون ان كرة السلة الحقيقية هي ما وراء الأطلسي، وقد سر المنظمون لقاء نفاد البطاقات، أما الحضور فكان معظمهم يحمل آلات التصوير لترسيخ ذكرى تلك المباريات العالمية.
ومشاركة أقوى فريق عرفه تاريخ كرة السلة، كان معجزة. ومثل هذه المعجزة لم تكن ممكنة قبل إلغاء الحواجز الأولمبية أمام المحترفين. واعتبر كثر ان مشروع جمع كبار لاعبي كرة السلة في الولايات المتحدة في منتخب حقيقي ضرب من الجنون، لان إقناع نجوم هذه اللعبة الذين يتقاضون مبالغ خيالية كل سنة لإطالة موسمهم، في مقابل إنجاز غير مضمون ماديا كان صعبا، مع العلم ان إمكانية تقديم مباريات مجانية كان واردا.
لكن المتحمسين للمشروع راهنوا على الغرور الاميركي الذي سيرضيه ان يتابع ملايين المشاهدين، عبر شاشات التلفزة، إنجازا ومستوى كرة السلة في الولايات المتحدة، ومناسبة للثأر من هزيمة ميونيخ عام 1972 أمام السوفيات الذين انتزعوا الميدالية الذهبية، ومن الإهانة التي لحقت بهم في سيئول، إذ لم يحتل الاميركيون سوى المرتبة الثالثة.
وركز المتحمسون على تنفيذ هذا المشروع على فائدته، إذ يشكل حملة اعلانية ضخمة، وهكذا ولد المنتخب الذي يحلم كل مدرب في العالم بان يتولى مسؤوليته. وبالفعل تبين تأثير هذا المنتخب في المرحلة التحضيرية للدورة في بورتلاند، لان النجاح الذي أثاره كان مذهلا.
أما الخوف من تراخي وتكاسل هذه المجموعة المتفوقة، فقد تبدد بفضل ايقاع المباريات الذي ذكر بالإعصار.
فمنذ مباراة الافتتاح أمام انجولا بدت الهوة سحيقة بين لاعبي الولايات المتحدة الذين بدوا وكأنهم من كوكب آخر، والآخرين، فالفارق الواضح في مصلحة “دريم تيم” كان يزداد كالبرق، وبلغت النتيجة النهائية 116-48.
وفي المباريات التالية، بدا وكأن الخصوم يواجهون جبالا من العضلات والحديد، وهكذا هزم المنتخب الاميركي المنتخبات كلها بأكثر من 100 نقطة، وحتى المنافس العنيد المنتخب الكرواتي لم ينج من هذا الرقم في المباراة النهائية (117-85).
وأحرزت ليتوانيا الميدالية البرونزية بعد فوزها على مجموعة الدول المستقلة (82-72).
وسجل مايكل جوردان 22 نقطة للمنتخب الاميركي في المباراة النهائية، وكل من تشارلز باركلي وباتريك اليوينج 17 نقطة.
وضم المنتخب الحلم ماجيك جونسون المصاب بالإيدز، والذي صفق له المتفرجون بحرارة وهو يلوح بالعلم الاميركي، وقال ان لا شيىء يوازي الميدالية الذهبية.
وخلال الألعاب، احتل أفراد “دريم تيم ” فندق “امباسادور” الذي خصص لهم ولأقاربهم، وكانوا يتسلون بالتنزه في برشلونة وبرياضة الجولف التي تألق فيها جوردان.
- كرة اسبانية – واللعبة الجماعية الثانية التي استقطبت الاهتمام كانت كرة القدم على رغم ضآلة الجمهور، لكن المباراة النهائية بين اسبانيا وبولندا (3-2) كانت استعراضا رائعا جذب وسائل الإعلام بعد تجاهلها لها منذ مستهل الدورة. وبلغ عدد الحضور 95 ألف متفرج، والحماسة لم تبلغ قط الذروة كما حدث في تلك الليلة، والتي لخصها احد الصحفيين المحليين بقوله: “احفظوا هذه الصور في ذاكرتكم، فلن تتكرر”.
يمكن القول ان أسبانيا نجحت في عملية التجميل التي أجرتها لمنتخبها. وكان الأسبان يجدون في الفرق المحلية تجسيدا لآمالهم، لا في المنتخب، لكن ست مباريات أضافة إلى مباراة نهائية رائعة، كانت كافية كي يتربع لاعبو المدرب فيسنتي ميرا على العرش.
دراماتيكيا، كانت العداءة الأميركية غايل ديفرز مرشحة لإحراز المركز الأول في سباق 100 م حواجز وهي انطلقت بقوة وتصدرت في الحاجز الرابع لكنها اصطدمت بالحاجز الأخير وفقدت توازنها حتى خط النهاية، الذي وصلته بسقوطها على الأرض محتلة المركز الخامس.
وأصيب البريطاني ديريك ريدموند أبرز المرشحين للفوز بسباق 400 م، في الدور نصف النهائي وسقط على المضمار، بيد أنه نجح في الوقوف وحاول إكمال السباق مترنحا والدموع في عينيه من شدة الآلام، وتوجه والده جيم صوبه واتكأ عليه حتى الأمتار الأخيرة من السباق فتركه يدخل وحده إلى خط الوصول.
ولعل ابرز الحاضرين للدورة كان رئيس اللجنة الأولمبية الدولية الماركيز خوان انطونيو سامارانش، فهو على رأس الحركة الاولمبية وهرمها منذ العام 1980، ولا بد ان يفتخر باحتضان برشلونة، مسقط رأسه، دورة “الوحدة الاولمبية” التي استطاعت استيعاب التغيرات التي طرأت على الساحة السياسية العالمية، من تفكك دول وانهيار معسكرات والانفراط الدموي للاتحاد اليوغوسلافي… وليس من قبيل المغالاة القول ان اللجنة الأولمبية الدولية استطاعت ان تحقق في “الاولمبياد الخامس والعشرين ” الذي أنهى عهدا من المقاطعات، ما عجزت عنه منظمة الأمم المتحدة.
ودورة سيئول 1988، سميت حينذاك ” دورة السوفيات والمنشطات”. فقد تألق الرياضيون السوفيات فيها، وأيضا تألق الذين دعموا قدراتهم بمواد كيماوية. أما دورة برشلونة فالتألق فيها كان لاثنين: سامارانش وبرشلونة، فهي دورة العاصمة الكاتالونية وابنها البار.
وقد خضع أكثر من ألف لاعب في برشلونة لفحوص مخبرية لكشف المنشطات وعقاقير بناء العضلات، وثبت تناول ثمانية رياضيين لهذه المواد (في مقابل عشرة في سيئول) هم: الرباعان البريطانيان اندرو ديفير واندرو ساكستون ومواطنهما العداء جايسون ليفنجستون، ولاعبة الكرة الطائرة الصينية وو دان، وعداءة الماراثون من أسرة الدول المستقلة مارينا بيكتا غيروفا، ولاعبة الوثب الطويل الليتوانية فيولي ميدفيديجا، ورامي المطرقة الاميركي جاد لوجان ومواطنه رامي الكرة الحديد بوني داس.

إلى الأعلى