السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / دارفور .. أسباب المشكلة وأفاق الحل(1-2)
دارفور .. أسباب المشكلة وأفاق الحل(1-2)

دارفور .. أسباب المشكلة وأفاق الحل(1-2)

السيد عبد العليم

يعد عدم الاستقرار السياسي هو السمة الغالبة في السودان، الذي تمزقه الحروب الاهلية منذ استقلاله عام 1956. فعندما بدا ان هناك بوادر على التوصل الى اتفاق بشأن مشكلة جنوب السودان، تفجرت ازمة دارفور غرب السودان في 2003، وحصدت ارواح الالاف وشردت اكثر من مليون آخرين. وتقدر الامم المتحدة ضحايا النزاع في دارفور بـ300 الف قتيل بينما تقول الحكومة السودانية انهم عشرة الاف قتيل. فضلا عن تشريد اكثر من مليوني شخص. وتتداعى ازمة دارفور على الرغم من محاولات الوساطة وايجاد حلول لها لكنها تبقي مستعصية على الحل حتى الآن بسبب عدم جدية اطراف النزاع في الوصول الى حال من جانب وبسبب ضعف عمليات الوساطة لحل النزاع من جانب اخر.
واعلنت البعثة المشتركة لحفظ السلام في اقليم دارفور ـ لا ترغب حكومة السودان في وجودها واستمرارها في الاقليم ـ في اكتوبر الماضي ان هجوما سبق واستهدف قواتها تم باسلحة متطورة لم تستخدم من قبل وربما هدف لمنع القوات من الوصول لمنطقة الهشابة للتحقيق في اعمال العنف فيها. وكان هذا هو الهجوم الثاني الذي تتعرض له اليوناميد خلال ذلك الشهر. وكانت قوة تابعة للبعثة تعرضت لكمين في الثاني من اكتوبر الماضي قرب الجنينة عاصمة غرب دارفور قتل من جرائه اربعة جنود نيجريين. ووقع الهجوم الاخير قرب الهشابة عندما كان وفد من سفراء الاتحاد الاوروبي في زيارة لدارفور. وقد عبر السفراء خلال الزيارة لمسؤولين محليين عن قلقهم من ازدياد معدلات العنف في بعض اجزاء الاقليم الشاسع. ودان الامين العام للامم المتحدة بان كي مون الهجوم، داعيا الحكومة السودانية الى فتح تحقيق في الحادث واحالة المسؤولين عنه الى القضاء. كما دان مجلس الامن الدولي الهجوم وطالب بـ”فتح تحقيق سريع، ودعا “جميع الاطراف المتواجدة في دارفور الى التعاون” مع البعثة المشتركة للامم المتحدة والاتحاد الافريقي في دارفور.
وفي منطقة مليط بشمال دارفور وقعت اضطرابات اسفرت عن مقتل عدد من الاشخاص في نزاع وصفته اجهزة الاعلام الحكومية بانها “صراع قبلي”.
وخلال الاجتماع مع وفد السفراء الاوروبيين قال نائب والي شمال دارفور”لا نستطيع القول ان ازمة دارفور انتهت لان حركة العدل والمساواة و(حركتي) تحرير السودان(جناح مني) مناوي و(جناح) عبد الواحد نور ما زالوا خارج اتفاقية الدوحة”. وكانت الحكومة السودانية بوساطة من الامم المتحدة والاتحاد الافريقي ودولة قطر قد وقعت وثيقة سلام مع حركة التحرير والعدالة في يوليو 2011 في العاصمة القطرية. لكن هذه الوثيقة قوبلت برفض حركة تحرير السودان بزعامة عبد الواحد نور وحركة العدل والمساواة اكثر الحركات تسلحا في دارفور، اضافة الى حركة تحرير السودان جناح مني مناوي التي وقعت مع الحكومة السودانية اتفاق ابوجا للسلام في مايو 2006 قبل ان تعاود اعلان تمردها على هذه الحكومة.
كما هاجم متمردون منطقة ابودليق في شمال دارفور. واعلنت الجبهة الثورية السودانية وهي تحالف لمتمردي دارفور وولايتين حدوديتين إنها هاجمت قافلة حكومية في ابودليق قرب الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور. وتابعت في بيان إن القوات الحكومية منيت بخسائر فادحة مضيفة أن المتمردين سيطروا على خمس مركبات عسكرية وأسلحة ثقيلة وذخيرة. ويسعى تحالف المتمردين الذين يضم أيضا الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال الذي يقاتل في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق الحدوديتين للاطاحة بالرئيس السوداني عمر حسن البشير.
معلومات اولية عن اقليم دارفور
يرجع سبب تسمية دارفور بهذا الاسم نسبة إلى قبيلة الفور ودارفور تعني موطن الفور وهي إحدى أكبر قبائل الإقليم. ويقع اقليم دارفور غربي السودان وتقدر مساحته بخمس مساحة السودان وتبلغ 510 الف كيلومتر، وتحد الإقليم ثلاث دول: من الشمال الغربي ليبيا ومن الغرب تشاد ومن الجنوب الغربي أفريقيا الوسطى، فضلا عن متاخمته لبعض الولايات السودانية مثل بحر الغزال وكردفان والولاية الشمالية.
يمتد الإقليم من الصحراء الكبري في شماله الي السافنا الفقيرة في وسطه الي السافنا الغنية في جنوبه. به بعض المرتفعات الجبلية وأهمها جبل مرة الذي يبلغ ارتفاعه3088م حيث توجد أكثر الأراضي الدارفورية خصوبة. كما ينقسم الإقليم إداريا إلى خمس ولايات: شمال دارفور وعاصمتها مدينة الفاشر، وجنوب دارفور وعاصمتها مدينة نيالا، وغرب دارفور وعاصمتها مدينة الجنينة وشرق دارفور وعاصمتها مدينة الضعين ووسط دارفور وعاصمتها مدينة زالنجي.
السكان
وفقا لاحصاء جرى عام 1993، يبلغ عدد سكان اقليم دارفور سبعة ملايين نسمة جميعهم مسلمين. وكان اقليم دارفور يتألف من ثلاث ولايات حتى عام 1994 اضيفت اليها ولاياتان في عام 2012 وجرى الاستفتاء في ابريل الماضي على بقاء عدد الولايات خمس ولايات وتم الموافقة على ذلك. وخلافا للميزان الديمغرافي في السودان، تبلغ نسبة الافارقة بين سكان دارفور 60% تعتاش من الزراعة، فيما تبلغ نسبة العرب 40% تعتمد على الرعي. ويستخدم اهالي دارفور لغات محلية إلي جانب اللغة العربية. ويسكن دارفور عدد كبير من القبائل التي تنقسم إلى مجموعتين “مجموعات القبائل المستقرة” في المناطق الريفية مثل: الفور والمساليت والزغاوة والداجو والتنجر والتامة، إضافة إلى مجموعات القبائل الرحل التي تتنقل من مكان لآخر مثل: الأبالة والمحاميد ومهريه وبني حسين والرزيقات والمعالية والسلامات والبني هلبة والحيمات والترجم والقمر والميدوب. وغالبية القبائل المستقرة من الأفارقة، ويتكلمون لغات محلية بالإضافة للعربية، وبعضهم من العرب، أما غالبية قبائل الرحل فهم عرب ويتحدثون اللغة العربية، ومنهم أيضا أفارقة.
الاقتصاد
يكثر في دارفور غابات الهشاب الذي يثمر الصمغ العربي فضلا عن حقول القطن والتبغ في الجنوب الغربي من الإقليم. كما تنمو اشجار الفاكهة المختلفة وتزرع الخضر في جبل مرة الذي يتميز بمناخ البحر المتوسط. وتتم في بعض مناطق دارفور زراعة القمح والذرة والدخن وغيرها. ويمتاز دارفور بثروة حيوانية كبيرة قوامها الإبل والغنم والبقر. وقد تضررت هذه الثروة عندما ضرب الجفاف الإقليم في بداية السبعينات. وفضلا عن الحيوان والزراعة فإن بالإقليم معادن ونفط.
نبذة تاريخة
كانت دارفور مملكة إسلامية مستقلة حكمها عدد من السلاطين كان آخرهم وأشهرهم علي دينار. كان الإقليم يحكم في ظل حكومة فدرالية يحكم فيها زعماء القبائل مناطقهم حتى سقوط هذا النظام خلال الحكم العثماني. وقد قاوم أهل درافور الحكم التركي الذي دام 10 سنوات، وقامت خلال هذه الفترة عدة ثورات من أشهرها ثورة هارون التي قضى عليها غردون باشا عام 1877م، وعند قيام الثورة المهدية سارع الأمراء لمبايعة المهدي ومناصرته حتى نالت دارفور استقلالها بعد نجاح الثورة المهدية. ولم يدم استقلال الإقليم طويلا حيث سقط مجدداً تحت حكم المهدية عام 1884م الذي وجد مقاومة عنيفة حتى سقطت المهدية عام 1898م، فعاد السلطان علي دينار ليحكم دارفور. وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى أيد سلطان دارفور الدولة العثمانية التي كانت تمثل مركز الخلافة الإسلامية؛ الأمر الذي أغضب حاكم عام السودان، وأشعل العداء بين السلطنة والسلطة المركزية، والذي كانت نتيجته الإطاحة بسلطنة دارفور وضمها للسودان عام 1917م.
أزمة دارفور
كثيرا ما عرف إقليم دارفور صراعات بين الرعاة والمزارعين تغذيها الانتماءات القبلية لكل طرف، فالتركيبة القبلية والنزاع على الموارد الطبيعية الشحيحة كانت وراء أغلب النزاعات، وغالبا ما يتم احتواؤها وتسويتها من خلال النظم والأعراف القبلية السائدة. وتُجمع كثير من التحليلات الخاصة بمشكلة دارفور أن أصل النزاع هو شح الموارد الطبيعية والصراع عليها، وأنه ليس صراعا عرقيا، وإن اكتسب فيما بعد بعض الملامح العرقية بفعل أزمة الهوية، حيث عانت أقاليم الأطراف تهميشا واضحا من قبل الحكومات المركزية في الخرطوم على مدار تاريخ السودان المستقل.. قضية دارفور قضية خلاف تقليدي على الموارد الطبيعية يقع دائما في مناطق التخوم بين القبائل العربية، وهم رعاة رحّل، وبين القبائل الإفريقية المستقرة، وهم مزارعون يستوطنون القرى، لكن هذا الخلاف الذي كان يجد سلفا حلوله بشكل سِلمي في أعراف وتقاليد قَبَليِّة تنظم حقوق الطرفين، وتعاقب الطرف المتجاوز، وذلك عن طريق ما كان يعرف بالإدارة المحلية في الإقليم، والمتمثلة في الناظر والعمدة والشيخ، وكانت هذه الإدارة تمتلك سلطات قانونية خولتها لها الدولة بجانب رمزيتها الاجتماعية بين القبائل، إلا أن الرئيس النميري ألغى هذه الإدارة واستبدلها بلجان الاتحاد الاشتراكي التي لم تتناسب مع التعددية الاجتماعية التي اتسم بها الإقليم، وهنا نشير إلى حقيقة أن الحكومات السودانية المتعاقبة تتحمل جزءًا من المسئولية عن هذه المشكلة لعدم تفهمها طبيعة هذه المناطق والآليات المناسبة للتعامل مع الخلافات والصراعات التي تنشأ فيها، كما تتحمل الحكومات السودانية المتعاقبة جزءًا من المسئولية عن مشكلة دارفور لعدم اهتمامها بتنمية أطراف الدولة السودانية التي عانت من التهميش على المستويات كافة، وافتقارها للبنية التحتية والمشروعات الاستثمارية الكبيرة.
لقد تكاملت العوامل الثلاثة: المحلية والإقليمية والدولية لتصعد بالأزمة إلى واجهة الأحداث وتشكل مسارها على الأرض ولتدفع بالنظام السوداني في مسار الاستسلام أو الانهيار، أو ابتكار حلول لمعالجة الأزمة تجنبه المقصلة.
وبسبب الحدود المفتوحة لاقليم دارفور ومساحته الشاسعة ووجود قبائل عديدة لها امتدادات داخل دول أفريقية أخرى، فانه يمثل منطقة صراع مستمر. وقد تأثرت المنطقة بالصراع التشادي-التشادي والصراع التشادي-الليبي حول شريط أوزو الحدودي، وبالصراعات الداخلية لأفريقيا الوسطى فراجت في إقليم دارفور تجارة السلاح، كما تفاعلت قبائل الإقليم مع تلك الأزمات. ويعتبر دارفور قاعدة تشاد الخلفية فجميع الانقلابات التي حدثت في هذا البلد الأفريقي تم تدبيرها من دارفور، ما عدا أول انقلاب أطاح بفرانسوا تمبلباي الذي كان أول رئيس لتشاد بعد استقلالها عن فرنسا. فالإطاحة بالرئيس فيليكس مالوم أو جوكوني عويدي ونزاع حسن حبرى مع الرئيس الحالي إدريس ديبي ارتبط بإقليم دارفور الذي كان القاعدة الخلفية للصراعات التشادية الداخلية. ويشكل الإقليم نقطة تماس مع ما يعرف بالحزام الفرانكفوني (تشاد، النيجر، أفريقيا الوسطى، الكاميرون) وهي الدول التي كانت تحكمها فرنسا أثناء عهد الاستعمار، لذلك يسهل -حسب المراقبين- فهم الاهتمام الفرنسي بما يجري في الإقليم في الوقت الراهن.
وكما سلف الذكر يوجد في دارفور قبائل غير مستقرة وهي القبائل العربية التي تحترف الرعي ولهذه القبائل وغيرها تاريخ طويل من الصراع حول المراعي ومصادر المياه ولكن هذا الصراع لم يظهر بصورة واضحة إلا في فترة السبعينات، ونظراً لمساحة الاقليم الكبيرة وانتشار الاسلحة إزدادت حدة النزاعات القبلية. في عام 2000 نزح الرعاة نحو الجنوب وبدأت النزاعات حول منطقة خصبة فتجددت الإشتباكات التي نتج عنها أعمال عنف أدت إلى مقتل اكثر من ثلاثة الآف ونزوح مليون شخص وإحراق الآف القرى خلال سنتين.
ونظراً لبطء تدخل الحكومة السودانية بسبب إنشغالها في مشكلة الجنوب وايضاً لعدم تفهم أبعاد التمرد الحقيقة في دارفور ثم تشكيل مجموعات قبلية(مليشيات) لصد هجمات القبائل الاخرى وأصبح الأقليم في حالة من الفوضى. وتتهم حركات التمرد مليشيا ما يسمى بالجنجاويد(القبائل العربية) بالهجوم على القرى وقتل الاهالي وطردهم من اراضيهم بمعاونة الحكومة السودانية بغرض طرد السود من دارفور والحكومة السودانية تقول بانه لا علاقة لها بالجنجاويد وبانهم يهاجمون قواتها ايضاً، وبالرغم من ان الميليشيات كان الغرض منها صد هجمات (الجنجاويد) إلا ان التصريحات والعمليات وجهت رسائل مختلفة منها الدعوة لطرد القبائل العربية من الاقليم ومحاسبة الحكومة على ضعف التنمية وعودة سلطنة دارفور وإعادة تعيين منصب رئاسة الجمهورية وتكوين السودان الجديد.
أهم الحركات السياسية في دارفور
1- حركة جيش تحرير السودان : ورئيسها عبدالواحد نورالذي يعيش في اوروبا وكان قد رفض كل الوساطات الافريقية والدولية لتوقيع اتفاق سلام مع الحكومة والذي أنشقت عنه فيما بعد عدة فصائل تعرف الان بحركة تحرير السودان جناح مناوي وحركة تحرير السودان جناح السلام وحركة تحرير السودان الإرادة الحرة وحركة تحرير السودان الإتحاد منهم من وقع اتفاقية سلام مع الحكومة ومنهم من مازال يرفض.
2 – حركة العدل والمساواة : ورئيسها خليل ابراهيم هو أيضاً يعيش في اوروبا وهو الذي قاد الهجوم الأخير على الخرطوم ومازال يرفض توقيع اتفاقية السلام حتى الآن ، وفي عام 2003 دخل الصراع منعطفاً خطيراً عندما قام متمردون من الحركتين بمهاجمة أهداف حكومية في دارفور منها مطار الفاشر وتدمير طائرات على المدرج واحتلال الفاشر لساعات ومن ثم الانسحاب إلى مواقعهم متهمين الحكومة بالتحيز لصالح العرب ضد السود وتهميش الإقليم الذي يفتقد للتنمية مما ادى الى تدخل الحكومة عسكرياً لمنع هجمات المتمردين، ولا شك ان مطالب هذه الحركات ستكبر وقد لا تنتهي عندما تتدخل جهات خارجية في هذا الصراع خصوصاً وان حركات الصراع في دارفور من السهل توجيهها بما يؤثر على مستقبل السودان والمنطقة، وهذا ماتفعله الحركات المتمردة التي تحاول تحقيق اهدافها عن طريق تدويل النزاع الداخلي والاستقواء بدول غربية للضغط على الحكومة السودانية وهذا يؤكد أن نجاح التمرد يعني تقسيم السودان لكن لماذا السودان ؟ لان قرى دارفور هي عبارة عن مدارس كبيرة لتحفيظ القرآن الكريم ولكبر مساحة السودان وخصوبة الارض ولإكتشاف كميات هائلة من النفط في الاقليم ولانه العمق الاستراتيجي لشمال افريقيا ولانه سلة غذاء العالم العربي ولانه يملك ثروة حيوانية تفوق الاستهلاك المحلي ولهذه الاسباب التي نعرفها وأخرى استهدف السودان واصبح لابد من وضع سيناريو لتنفيذ المؤامرة، فقد كشف الصادق هارون أحد القياديين المنشقين عن حركة تحرير مسئولين صهاينة بتنسيق من اريتريا في مقر سفارة الكيان الصهيوني بدولة غرب افريقية لغرض تمويل المتمردين، وهذا لم يعد الآن سراً او خبراً مشكوكاً فيه بعد ان اعلن عبد الواحد نور افتتاح مكتب للحركة في اسرائيل ومحاولات التسلل اليومي للسودانيين الى اسرائيل عبر الحدود المصرية والعثور على أسلحة صهيونية كان يستخدمها المتمردون في معاركهم مع الحكومة، كما أن توتر العلاقات التشادية السودانية سببه التدخل الأجنبي والمتمردين، ويبدو أن السيناريو وصل للمراحل الأخيرة بقرار محكمة الجنايات الدولية توقيف الرئيس السوداني، هذا القرار ذو الأبعاد السياسية كان غير قانونيا فقد تعاون السودان مع الإتحاد الأفريقي والأمم المتحدة ولم يكن الجيش السوداني مسئولاً عن ارتكاب المجازر في الأقليم بل المناطق التي تقع تحت سيطرة الحكومة يعيش فيها الناس بسلام وأمن ولم يسجل أي حادث اعتداء متعمد على القوات الافريقية أو المنظمات الإنسانية من قبل الجيش السوداني كما حدث من قبل أفراد من حركات التمرد في المناطق التي تسيطر عليها. تدخل الاتحاد الافريقي كوسيط بين اطراف النزاع واستطاع عقد مؤتمرات مصالحة وتوقيع اتفاقيات سلام حتى تم الاتفاق على نشر مراقبين عسكريين وشرطة مدنية وقوات حماية بالاقليم بالعمل مع ممثلين من الامم المتحدة والاتحاد الاوربي والولايات المتحدة وكندا، ولكن قلة الامكانيات المادية واللوجستية وقفا عائقاً امام نجاح اتمام مهمة الاتحاد الافريقي فاصدر مجلس الأمن قرارا ًباسناد المهمة لقوات مشتركة من الامم المتحدة والاتحاد الافريقي بدأت العمل بداية عام 2008 ولم تكمل انتشارها التام حتى الآن….
وفي 2006 تم التوقيع في ابوجا بنيجيريا على اتفاقية سلام دارفور بين طرفي النزاع الرئيسييين وهما الحكومة السودانية وحركة تحرير السودان/ جناح مناوي(اكبر حركة تمرد في الاقليم) والوسطاء( الإتحاد الأفريقي والممثلين) وحددت الاتفاقية 4 محاور للوصول للسلام في الاقليم هي:ـ
- تقاسم السلطة .. بعد توقيع الاتفاقية تم تعيين قائد الحركة( مني اركو مناوي) كبير مساعدي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الإنتقالية بدارفور.
- اعادة اعمار دارفور: تشكيل لجان لإعمار دارفور.
- امن دارفور: نزع السلاح واستيعاب المتمردين في الجيش والشرطة.
- حوار اهل دارفور: جلوس قبائل دارفور للحوار. وحددت الاتفاقية دور الاتحاد الافريقي فيما يلي:
1- توفير الامن للمدنيين والعمل على عودة النازحين ومراقبة حقوق الانسان.
2- مراقبة مدى التزام اطراف النزاع بتطبيق بنود اتفاقية السلام.
3- المساعدة في بناء الثقة.
وبعد استبدال المهمة الافريقية لمهمة مشتركة مع الامم المتحدة زادت الاشتباكات بين أطراف النزاع والهجمات على القوات الأممية في الأقليم، ويستطيع أي شخص يعمل في دارفور التكهن بالمعركة القادمة وربما مكانها وزمانها ويستطيع ان يحصي القتلى والجرحى والدمار، يستطيع ان يرى ويسمع ويعرف ولكن لا أحد يستطيع التكهن بنهاية هذه الأزمة، ومهما أختلف أطراف النزاع والمحللين السياسيين حول أسباب النزاع إلا أنه لا يختلف اثنان على أن النزاع قبلي تحول إلى أهداف سياسية بدعم خارجي.
تبادل الاتهامات بين الحكومة السودانية والمتمردين
المسؤولون الحكوميون في دارفور يتهمون القبائل الافريقية في الاقليم بالتمرد على السلطة. وبالمقابل تتهم “حركة تحرير السودان” حكومة الخرطوم بدعم وتشجيع قبائل عربية في دارفور، لاجراء تطهير عرقي بحق جنوبيين افارقة لجئوا من الجنوب للاقليم. بعض هؤلاء لجؤوا من الجنوب بسبب الحرب الاهلية التي ادت للمجاعة. بعضهم الآخر ترك الجنوب بسبب الجفاف الذي ضرب السودان منتصف الثمانينات، وادى لنزوح القبائل التي تعتمد على الرعي، الى مناطق القبائل التي تعتمد في معيشتها على الزراعة. وقد رافق هذا التنقل احتكاكات بين القبائل نجمت عن التزاحم على مصادر الرزق.
شعارات المتمردين الذين يسمون انفسهم حركة تحرير السودان، تطالب ببناء سودان جديد على اسس اكثر عدلا ولصالح ازالة الغبن عن المناطق المهمشة واحداث تغيير جذري في كامل البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وهناك من يتهم الحكومة السودانية بانها استغلت الفقر لتطبق سياسة فرّق تسد، فضربت القبائل العربية بالافريقية، وسلحت الميليشيات القبلية ضد الجيش الشعبي الذي تمرد في الجنوب. وبالاضافة الى هذا انشأت بنوكا اسلامية لتمويل القبائل التي تعارض المتمردين من الجنوب. ولقمع التمرد في دارفور انشأت ميليشيا الجنجويد المطالبة اليوم بتفكيك سلاحها، والتي تتحمل مسؤولية القتل والحرق والتطهير العرقي.
وكتب الكاتب السوداني ابو بكر القاضي في صحيفة “سودانايل” (27/9): “الحكومات المتعاقبة استغلت الخلافات العرقية كل مرة لتضرب جهة بالاخرى. فعندما انتفض الجنوب عام 83 استغل المركز في الشمال اهل دارفور في محاربة الجنوب نيابة عن المركز. وعندما توصل الطرفان الى عدم جدوى محاربة الطرفين لبعضهما البعض قرر اهل دارفور التمرد هو الآخر ضد المركز، الا ان هذه الفكرة أُجهضت”.
التطور المهم جاء في اعلان “جبهة تحرير دارفور” و”جيش تحرير دارفور” في بيان لهما في 14/3/2003 عن تغيير اسميهما لـ”حركة تحرير السودان” و”جيش تحرير السودان”. في البيان اوضحت الحركتان ان هدفهما العمل مع التنظيمات الاخرى على بناء سودان ديمقراطي موحد على قواعد من العدالة واعادة توزيع الثروة، الحرية الثقافية والسياسية والرخاء المادي والمعنوي لكل السودانيين. وكتب د. الشفيع الاخضر: “ان الصراعات القبلية في السودان تعدت طابعها التقليدي، وتحولت من مجرد تنازع على الموارد الطبيعية المتدهورة، الى تطلع مشروع نحو المشاركة الحقيقية في السلطة وفي صنع القرار السياسي والاداري ونحو اقتسام عادل”.
ردود على هذه المزاعم
إذا كان اغلب المحللين يعتبرون أن سبب النزاع في دارفور هو التهميش والفقر وعدم استفادة المنطقة من موارد الدولة بقدر مساهمته في الدخل القومي السوداني، إلا انه لا يمكن الجزم بأن هذا هو السبب الرئيس للنزاع لان اغلب مناطق السودان تعاني من نفس التهميش بنسب متفاوتة، كما أن النزاعات القبلية بدورها ليست بالأمر الجديد ويتم في الغالب احتواؤها.
ان المسلحين في دارفور يدعون أنهم يعملون داخل منطقتهم “المهمشة” لكن هذه الادعاءات لا تساندها حقائق فقبل أن يستولى النظام الحالي على مقاليد الحكم في البلاد عام 1989- كانت هناك في دارفور 16 مدرسة عليا. حالياً هناك نحو 250 مدرسة عليا في عام 1989 درس 27 ألف طالب في مدارس الحكومة – أما اليوم فإن ما يزيد عن 440 ألف تلميذ يرتادون مدارس دارفور. ولم تكن هناك أية جامعة في الاقليم قبل 15 عاماً. أما اليوم تسضيف ولايات دارفور ثلاث جامعات. قبل 1989 لم يكن هناك أي مطار في الولايات الثلاث – والآن هناك ثلاثة مطارات.. عدد الطرق ارتفع بما يعادل ثلاث مرات منذ 1989 وسياسياً فان ولايات دارفور ممثلة في كل مستويات المجتمع السوداني ابتداء من الحكومة المركزية. كما ان إدعاءات المتمردين أن الجيش الشعبي يمثل كل دارفور وأنه يفعل ما يفعل بسبب التهميش الذي يرى المتمردون أنه طال كل أنحاء دارفور – كل تلك الادعاءات تنهار أمام حقيقة أن الجيش الشعبي يعتمد أساساً على قاعدة قبيلة واحدة – وهي الزغاوة.
وما ظهر جلياً حتى الآن – ومهما يكن من أمر تلك المطالب المبنية على القلق على تلك المنطقة المهمشة – فان ذات المطالب تم خطفها على أيدي قوى إنتهازية مختلفة لخدمة أهداف مختلفة فأريتريا تساعد مسلحي دارفور عسكريا ولوجستيا وسياسياً لأن أسمرا تسعى لاثارة القلاقل في السودان.. وتقدمت حكومة الخرطوم بشكاوي رسمية إلى الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي، وأشارت الحكومة أيضاً إلى الاتفاقية التي وقعت في أسمرا بين مسلحي دارفور وعناصر تابعة لمؤتمر البجا – وهو تنظيم آخر مناويء للخرطوم ومقره في العاصمة الإريترية. وعلى أية حال من الواضح أن المسلحين الذين اثاروا الفوضى في دارفور يتلقون مساعدة خارجية كبيرة. فقد نشرت وكالة الانباء الفرنسية تقريراً في 2011 أوضح” أن الجيش الشعبي يملك أسلحة وعربات ووسائل إتصال فضائي” ولاحظت مصادر اعلام الامم المتحدة ادعاءات زعماء القبائل ان المتمردين” يمتلكون أسلحة أفضل من تلك المستخدمة في الجيش السوداني” كما يتلقى المتمردون أيضاً إمدادات عسكرية عن طريق الجو. وفي تكرار مزعج للمسلحين الذين يسيطرون على أجزاء من الصومال مستخدمين في ذلك “تقنيات” ذات الدفع الرباعي – فان مسلحي دارفور هم أيضاً يعملون في جماعات يصل عدد الواحدة منها نحو 1.000 مسلح ينشطون على متن عربات ذات الدفع الرباعي ..

إلى الأعلى