الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ظُلِمَت الجامعة وظَلَمَت الجامعة موريتانيا!

ظُلِمَت الجامعة وظَلَمَت الجامعة موريتانيا!

عبداللطيف مهنا

من ظلمها هو كل من استهول مفارقات المشهد واستهجن بؤس المنتج، فبالغ في هجائها، وكأنما كان يتوقع من هذه الجامعة أن تكون غير مرآة عاكسة للراهن العربي الرسمي والتعبير الأمين عنه لا أكثر ولا أقل. لذا، ما الغرابة في أن بيانها الختامي قد نشرته بعض الصحف قبل صدوره، وانتهت القمة قبل أن يفرغ قراؤها من قراءته، إذ لم يستغرق انعقادها أكثر من سبع ساعات، ولم يحضرها سوى سبعة من أولياء أمور قطرياتها…

ظُلمت جامعة الدول العربية، وظلمت الجامعة موريتانيا. ذلكم عندما حمَّل البعض قمتها السابعة والعشرين، الأقل من عادية في مرحلة ليس فيها ما يمكن وصفه بالعادي، ما لا تحتمل، أو توقَّع منها ما ليس بالمنطقي توقُّعه. وظلَمت الجامعة موريتانيا عندما تحمَّلت موريتانيا راضيةً مرضية وزر استضافتها، بعد أن اعتذر المغرب عن حمله، ثم رئاسة دورتها لحين تسليم الراية التي أُحيلت لليمن، ولا يُعرف أفي عاصمته المؤقتة أم الأصل سوف تخفق، هذا إن قُدر لها انعقادًا بعد.
عندما نقول البعض، نعني بأن هذا الظلم للجامعة وقمتها لم يكُ قد أتاها من قبل سواد الأمة في مشارقها ومغاربها، لأن من سمع من بسطائها، ولا نقول نخبها، بالحدث لم يزد الأمر على أن ذكَّره بوجود هذه الجامعة، إذ بالنسبة لهذا السواد قد ذهبت إلى غير رجعة تلكم الأيام التي قد يلوح فيها لواهم منه سراب في بيداء انعقاد قممها يحسبه الظمآن ماءً، لا سيما وقد استقر في الوجدان الجمعي في مثل هذه المرحلة العربية المنحدرة أنه لا من دور لهذه الجامعة في راهنها يتعدى ما يكشف عن فداحة المستوى المريع لهزالة الواقع الرسمي العربي، خصوصًا وأن متوالية بيانات انعقادات قممها الختامية المعهودة والمكررة قد حصَّنته من خطيئة توقُّع ما هو أكثر من كون آخرها نسخةً أردأ من سالفه.
من ظلمها هو كل من استهول مفارقات المشهد واستهجن بؤس المنتج، فبالغ في هجائها، وكأنما كان يتوقع من هذه الجامعة أن تكون غير مرآة عاكسة للراهن العربي الرسمي والتعبير الأمين عنه لا أكثر ولا أقل. لذا، ما الغرابة في أن بيانها الختامي قد نشرته بعض الصحف قبل صدوره، وانتهت القمة قبل أن يفرغ قراؤها من قراءته، إذ لم يستغرق انعقادها أكثر من سبع ساعات، ولم يحضرها سوى سبعة من أولياء أمور قطرياتها وما خلاهم كان من أنابه المتغيبون عنهم… حتى رئيس سلطة أوسلو الفلسطينية تحت الاحتلال لم يحضرها، رغم أن فلسطين عادة تعلق لافتةً لانعقادات كافة القمم. أناب عنه وزير خارجيته وهذا لم يجد ما يطالب الأشقاء به أكثر من عدم التطبيع مع عدوهم.
…ولكن، أما وقد عزَّ قديمها، وهو التوافق على اللاتوافق، فقد احتسب لها البعض تجنب مؤتمريها في هذه المرة ما لا يتفقون عليه، واتفاقهم على ما لا يختلفون عليه وهو محاربة الإرهاب، رغم أن لكل من المتوافقين مفهومه له، أو إرهابه الذي يحاربه أو يدعمه، وحتى هناك من احتسب لها أنها لم تصنِّف حزب الله إرهابيًّا، وأكَّدت على وحدة سوريا، أو ما يعني أنه كان يستكثره عليها ولم يكُ يتوقعه منها… ونزيد من عندنا، وكفَّت عن بعض مزمن خداعها للأمة فلم تتحدث عن التكامل الاقتصادي وضرورة إصلاح الجامعة!
سبعون عامًا، أو ما يقارب عمر النكبة الفلسطينية، هو عمر قمم الجامعة. أولاها كانت في أنشاص عام 1946، وما خلا الحقبة الناصرية، كانت الجامعة خير ما يعبَّر عن حالة العجز الرسمي العربي ويفضح فشل القطرية العربية، وزاد الطين بلة أننا الآن في مرحلة لم يعد فيها العدو عدوًّا، وسادت فيها الانهزامية وفلسفة التعايش مع الانحدار والتحايل لإدارة الانحطاط، مثلًا: أما ولم تطرح على العرب في العقود الأخيرة مبادرةً لتصفية قضيتهم المركزية في فلسطين إلا وقبلوها ورفضها الصهاينة، ها هي قمة نواكشوط تحيل الأمر إلى المبادرة الفرنسية المرفوضة وتعيد علينا ذات اللازمة: المطالبة بحل “شامل وعادل ودائم يستند إلى مبادرة السلام العربية ومبادئ مدريد وقواعد القانون الدولي والقرارات الأممية ذات الصلة”… حل كامل الأوصاف، شامل وعادل ودائم، ولصراع وجود لا حدود، يستند إلى مبادرة تنازلت عن %78 من فلسطين، وحق العودة، وفوقهما التطبيع بكافة وجوهه مع عدو الأمة. ومبادئ مدريد التي أنجبت وادي عربة ومهَّدت لكارثة أوسلو. وقواعد القانون الدولي والقرارات الأممية، والتي عمرها من عمر النكبة والجامعة وقممها، وكلها، باستثناء شرعنتها لقيام الكيان الاستعماري الغاصب، قد وضعها الصهاينة في سلة المهملات!!!
ربما نحن في حاجة لمن يذكِّرنا في هذه المرحلة الظلامية والمظلمة والظالمة بعروبتنا، حتى ولو كان اسمًا بات على غير مسمى كالجامعة، لكنما لا بد من القول أيضًا، إنه لا من جامعة ولا من يجمعون ولا قمة، بل ولا عرب، بدون مشروع عربي وحدوي مواجه لجبهة أعداء الأمة داخلًا وخارجًا. ومنذ مؤتمر مدريد التصفوي، وقبله أم الكوارث كامب ديفيد، وحتى قمة نواكشوط، يزداد الواقع العربي ترديًا وتشوهًا، ولا من سبيل لوقف شائن هذا الانهيار المهين والمذل إلا باثنتين:
تحديد جبهة الأعداء، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، صاحبة المشروع الغربي، أو متعهِّدته راهنًا، في بلادنا، وامتداد هذا المشروع صهيونيًّا. بمعنى آخر، إعادة الصراع، كما قلنا في مقال سابق، إلى مربعه الأول، ذلكم لاعتباره صراع وجود لا حدود وتناحريا لا يحسم دونما انتفاء أحد طرفيه، وهذا قد يبدو راهنًا وبحق مجرًّد أضغاث أحلام بدون عودة قاهرة المعز لدورها، والذي لن يكون بدون خلاصها من كامب ديفيدها، وخلاص عاصمتي الأمويين والعباسيين من محنتيهما…بدون هاته الثلاثة لا من عروبة، وبلا العروبة ليس سوى فداحة الراهن ومن بعده الصهينة..
…في تقييمه للقمة قال أمين عام الجامعة الجديد: “إنها ناجحة بكل المقاييس”… وهل ننتظر من أبي الغيط تقييمًا بخلاف ذلك؟!

إلى الأعلى