الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / المنجز الفني وثنائية نحت الكيان والبحث عن المطلق

المنجز الفني وثنائية نحت الكيان والبحث عن المطلق

إن الإنسان ومغامرته في الوجود هي روح التشكيل هي رسالته الحقيقية، فالتشكيل إبداع يرسم عالم الإنسان بكل مفرقاته وتناقضاته ويجسد حكايا الفرد هو الوجه الأخر للإنسان، فهو ملامسة للكائن الإنساني والتوغل في مساراته على كل وجوهها إحساسا وفكرا وحلما وماضيا وراهنا وقادما.
حيث يلتزم الفنان بجملة من الرؤى والمواقف تمثل قناعات فكرية وثوابت نظرية تمثل جماع فلسفته التي التزم بها، وحاول تأصيلها واتخاذها موضوعا فنيّا ذهنيّا، فحياة الإنسان(الفنان) مغامرة وجودية تقتضيه أن يخوضها واعيا فاعلا لا تائها في دروبها متوفرا على وعي وجودي بالكيان والأخر والموجود.
فالفنان كائن تناقضات بإمتياز يحيا صراعات لا حصر لها، صراعا داخل كيانه بين الرغبة الجامحة من جهة وبين الإحساس بعجزه المستكين في أعماقه، وصراعا بينه وبين الوجود المحيط به بما فيه من قوّة المطلق وسيطرة المجهول، وكأن الإنسان لوحة فسيفسائية متداخلة المعاني. فالإنسان لا ينحت كيانه ولا يحقق صرح وجوده إلا عبر الفعل (المنجز الفني)، فالماهية الإنسانية مكتسبة بالإرادة والخلق أي حينما ينطلق الإنسان من قيود الزيف وأصفاد الوهم وعلى هذا يكون بناء الكيان مسؤولية الفرد في الوجود.
وبما أن الإنسان(الفنان) كائن لامتناه في الإرادة تأخذه إرادة الخلق فينطلق هازئا بالحدود والعراقيل، يروم فتح الأبواب المطلقة متمردا على ضيق عالمه الإنساني طامحا إلى فساحة السماء ولا محدوديتها، لكنه يظلّ متأرجحا بين الهنا والهناك، واقعا في مأزق وجودي محيّر. ذات مملوءة بالانطلاقة وبلوغ الأقاصي وعالم محكوم بقوانين الالوهية فينشأ بذلك ثنائيات لا تتعارض السماء والأرض والإرادة البشرية والقدرة الإلهية، فمحدودية الذات البشرية لا تنفي أبدا إرادتها الخلاقة ورحيلها المتواصل نحو اللامتناهي وانكسار يدفع إلى انتصارات وصراعات متعاودة لا تنتهي أبدا.
بما أن المنجز الفني هو أسئلة حارقة وحيرة مؤرقة فهو يخرجك من طمأنينتك وسكينتك ويفتح عليك جهنم من الأسئلة، متوخيا الرمز والتلميح سبلا ليثير فيك التفكير ويحرك سواكن النفس، ولا يحدث هذا إلا عندما يكون الأثر الفني أصيلا متواصلا مع جذوره دون الانفصال عن الراهن، بمثابة لحظة تقاطع تندثر فيها الفروقات وتتماهى وتتزاوج داخلها صور بعيدة وأخرى ماثلة أمامنا نعيشها، ففي القديم جدة وطرافة لا يتمتع بفضائلها إلا من إكتسب بمرور الوقت خبرة التواصل مع الماضي لصالح الراهن والمستقبل.
رحلة الفنان في دروب الوجود وشعابه وهو يؤرقه سؤال الكينونة والذات رحلة بحث دائمة، فللكيان أفانين نحت، والذات الإنسانية مفتونة بالرحيل سعيا إلى الكمال والمطلق لذلك انطلق الفنان مرتحلا علّه يبغ أقصى الوجود ومنتهى الكيان.
الفنان لا يجب أن يكون كائنا يعيش الغفلة والغيبوبة ولا يجب أن يكون معدوم الوعي بالذات والوجود، كما لا يجب أن يكون مقيدا بالثوابت والقيم والعادة وعالم الناس ذلك الوجود الزائف. ليكون المنجز الفني بمثابة لحظة طقوسية تثبت أن للكون مسار أخر وأن للذات أسبابا مغرية لتنطلق نحو أفاق الوجود لتأسيس الكيان الحق، فيهدم من خلاله ما يصله بعالمه القديم ويخلصه من الروابط الزائفة التي تشده إلى المتداول بمثابة البعث بمعناه الوجودي الخلاق.
المنجز الفني هو انطلاقة متطرفة لإقامة صرح الكينونة وبلوغ الانتشاء المطلق، لتمتلئ الذات الامتلاء الأقصى، بمثابة جهاد مستميت لإرغام الكيان على السموّ والخلق وتذوق فنون الوجود. فحياة الإنسان عامة والفنان خاصة نحت كيان معاناة ورحيل دائم لا سكون واستقرر ولا ديمومة ولا ثبات، لأن الكيان الإنساني لا يدرك من جانب واحد فالإنسان كائن متعدد الوجوه من الفردانية إلى الجمع ومن الحسية إلى الروحية، رحلته مراوحة بين المطلق والمحدود وتأرجح بين الموجود والمنشود.
الأثر الفني القيمة هو ما يرتفع عن الملموس المادي وينأى بنفسه عن محاكاة الواقع المادي ويتخذ من الرمز والفكرة سبيلا وذهن المتقبل هدفا له، وتكوّن بذلك رؤاه أفكار وأطروحات ومواقف أسس العناصر الفنية ومضامينها. والتي يجب أن تنوع من مرجعياتها، يجب على المنجز الفني أن يكون متحررا من الانتماءات الثقافية الضيقة فهو بمثابة رجع صدى لكائن يتحرك داخل مطلق الكون. يأبى الانتساب إلى منابع فكرية أو حضارية منغلقة على نفسها، لأن قوة الأثر تنبع من هويته المنفتحة التي تكسر عنق الزمان والمكان وتنمحي فيه الفواصل والحواجز لصالح الأخذ والعطاء والتعدد والاختلاف وقبول الأخر، وعدم الإيغال في الفردانية وتقديس الذات.
لأن الفنان مطالب من خلال مكتسباته وإنفتاحه على الراهن بولادة نفسه من جديد، ولادة متمردة فكرا وفعلا، منطلقة متحررة ومسئولة وملتزمة في أن واحد. وتحمّل أعباء هذه المعادلة الصعبة هو ما يفرّق بين تجربة وأخرى. ولعلّ طرافة الاثر الفني وفتنة حضوره تعود إلى ذلك المزيج الثقافي والحضاري الذي يخلق فيه الفنان حوارا متفاعلا ونقل المختلف الفكري إلى مؤتلف عجيب وجميل.
ولأن الفنان لا يعيش في إطار السكينة والهدوء بل متقلب الأطوار يحيا حيرة تقضّ حياته وتدفعه إلى البحث عن شواطئ اليقين، لأنه إذا اإتفى عنه القلق سكنت إرادته وانقلب وجوده عاطلا باطلا، ومن هذا المنطلق لا بد من ازدياد إيقاع القلق وكلما ازداد ارتفع منسوب القيمة في المنجز الفني.
هذا الأخير الذي يجب أن يكون زئبقيا متمردا على حدود التصنيف رافضا الانصياع إلى منطق التشكيل الصارم الذي اتبع لوقت طويل وأعلن إفلاسه، ففيه تتداخل تعابير ثقافية وألوان وخطوط وتداعيات رمزية تجعله وكأنه احتفالية متحررة بالإبداع بكل وجوهه. فيحضر الأثر كما لو انه قطعة موسيقية أو فرجة مسرحيّة وبعض من قصيّدة شعريّة أو نص صوفي أو هو رقصة أبدية… هو كثيف الحضور ومتنوع الدلالات فيعتمد على الصريح المعلن تارة والخفي المستتر طورا، ليتمتع المتلقي بفضائل التيه بين هذا وذاك.
يفتح الفنان الأثر الفني من هذا المنطلق على الزمن المفقود ويسترجع الماضي ويعيد صياغته بما يتلاءم مع رهانات الحاضر وتنبؤات المستقبل صياغة رمزية بالأساس، وإستثماره لأداء اللحظة الراهنة والمرتقبة.
يقيم إذا الأثر الفني علاقة حوارية استبطانية بين الماضي والحاضر والمستقبل، وبين أجناس متعددة من الفنون وأشكال التعبير تجعله مغامرة لإبداع أثر خارج التنميط الذي نشهده اليوم على الساحة الفنية، متحرر من قيود المتداول والمألوف وكأنه مغامرة مطلقة.
مغامرة تبحث في ماهية الإنسان والفن وجوهر كينونتهما، بحيث لا ينحصر في تعريف ووجود معين وإنما يرتقي إلى مرتبة المعنى المطلق، وهو إقرار بشمولية الكيان الإنساني وتلوّن وجوه تحصيله من خلال المنجز الفني كأحد هذه الوجوه الكثيرة. هذه الوجوه التي لا تتحقق ملامحها في الواقع بل تتطلب رحلات بحث لامتناهية عبر التخلّص من المادي نحو إطلاق العنان للروح لتملأ الكيان من ناحية، ولكن الروح لا تحقق بمفردها المنشود وإنما أيضا لابد من التأمل العقلي الذي يساهم في كشف الوجود والأشياء والذات بحقائقها وسبر أغوارها، فبالروح والتأمل العقلي هذه الثنائية المتناقضة والمتناسقة يصل الفنان إلى لحظة المكاشفة الحقيقية الذي يتحقق من خلالها الكثير من اليقين والمتعة.
إذا الأثر الفني مغامرة وترحال في آفاق الوجود المتشعبة، ومحاولة بحث للوصول برد اليقين فيما يخص الماهية الإنسانية التي لا تدرك من زاوية واحدة، بماهي صيرورة متواصلة واستحالة مستمرة وهذا ما يؤجج نار التساؤل الذي يتحول بمقتضاه الأثر الفني إلى تتابع لا ينتهي ويتجاوز أن يكون لحظة ثابتة مستقرة، بل هو عملية هدم وإعادة بناء، ومن هذا المنطلق يصبح المنجز الفني سؤالا لا يموت كما لا يحتمل الإجابة فهو مفتوح أبدا.

بقلم: الباحثة والتشكيلية التونسية دلال صماري

إلى الأعلى