الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (215) : لغة الفنون التشكيلية

نافذة لغوية (215) : لغة الفنون التشكيلية

إذا كانت اللغة ظاهرة اجتماعية أبدعها الإنسان فإن الفن التشكيلي لون ألاّق من ألوان الترف اللغوي….إنه اللغة المضيئة الأسمى . الفن شفافية الخلق والإبداع ، وكما يجد الفنان في لغة الشعر أُخْذَة عذوبة الجرس ، ورعشة الوقع الآسر ، وسلوان الانصات والإنشاد ، كذلك يرى المتأمل الذّواقة ، بالعين وباليد ، مرتسماً في القلب والذاكرة ، لمثل هذه اللغة العليّة ، الخاصة ينطق بها الفن التشكيلي .
اللغة عمليات ذهنية تعتمل في المخ ثم تُؤدَّى عملياً بأجهزة النطق ، أما الفن فقراءة قلبية ، أو إعادة صياغة لمعطيات الحياة ونوازع البشر ، وإذا كانت اللغة وعاء لحضارتهم وسجلاً لتراثهم المديد ، فإن الفن إغناء لتلك الحضارة ، وإضفاء لأحاسيس ومعانٍ جديدة عليها .
الإنسانية تمارس اللغة ، تستعملها أداة عملية للتفاهم ، ووسيلة مادية لمقاصد نبيلة وشريرة ، بينما الإنسانية تحتضن الفن وتستمد من قِيَمِهِ لغة أخرى تسمو بها وتغتسل .
إن اللغة عند بعض علمائنا نظام من الرموز والمدلولات الصوتية ، وهو يرون فيها مجموعة من القواعد والأحكام والمعاني المقيّدة في المعاجم ، والفن رموز لغوية تخاطب بالبصر والبصيرة النفس والحس والوجدان ، ولكنها تتأبّى على التقعيد والتقييد وسُكنى المعاجم .
وإذا كان اللغوي العربي ابن جني قد قال قديماً : إنّ ” حدّ اللغة أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم ” فإن الفن لغة لا حدود لها . لغة تعبّر بها الإنسانية كلها عن أغراضها . إن الفن لغة اسبرانتو أخرى للبشر ـ تلك اللغة العالمية التي اقترحها الطبيب اللغوي البولوني زامنهوف 1859-1917 ـ . وقديماً عندما أرادت الإنسانية أن تصطلح على رموز مرئية تتخذها لغة للتفاهم كان الفن التشكيلي ملاذها المبكّر منذ أبعد حقب التاريخ ، كما تدل شواهد النحت والرسم وبعض الأبجديات .
حين تصارع اللغات الغازية والمغزوّة حتى الغلبة ، طمعاً وجشعاً ، وبحثاً عن مناطق نفوذ ، يتعطّل الفهم، ويعتكر صفاء الصلات بين بني البشر ، أما الفن فيتسابق ويتعاون من أجل الوصول بالإنسان إلى فهم ، بل إلى تطوير وتنوير حضاري لعملية الفهم عند الإنسان .
اللغة الإنسانية اكتسابيّة في خصائصها ، يتلقّاها الطفل من المحيط الذي يعيش فيه ، ويعيها ، وربما ألزم نفسه بمهمة التّصرّف بها ، والتجديد فيها ، أما الفن التشكيلي فهو لغة إبداعية ، وعلى يد الفنان فيها تقع مهمة أخرى ، هي الرّيادة .
اللغة العربية تحفظ تاريخ العرب وتراثهم وتعبّر عن مطامحهم ، أما الفنان العربي ، فيعبّر عن الروح العربية التي تزخرف ببصماتها تاريخ الحضارة الإنسانية وتجد لها مرتسماً في لوحته الكبرى . وإذا كانت اللغة وحدات صوتية تتخاصر على نحو مألوف لتقيم علاقات وأنساقاً من المعاني ، فالفن التشكيلي موسيقى لغوية يعرفها الفنان بالريشة والأزميل ، وشعاعات نيازك تشهق في عتمة ليل الروح ، فتضيء الأبواب ، ومفارق الطرق .

د.أحمد بنَ عبدالرحمن سالم بالخير أستاذ الدراسات اللغوية المشارك مساعد عميد كلية العلوم التطبيقية بصلالة للشؤون الأكاديمية المساندة balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى