الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / حليب التفاح – سرد قصصي بأسلوب سينمائي

حليب التفاح – سرد قصصي بأسلوب سينمائي

استطاع الكاتب يحيى سلام المنذري بأسلوب متميز أن يسرد في مجموعته الجديدة “حليب التفاح” قصصاً بأسلوب أشبه ما يكون بالسينمائي الذي قلما نجده في مجموعاته السابقة، إلى جانب استعمال الخيال الذي ليس له مجالاً في هذه الأسطر القليلة. فقد أبدع الكاتب في التنقل بين أحداث وشخوص مجموعته بسلاسة محكمة فنجد لقطات جانبية في النص الأصلي للقصة التي هي أيضاً لا تخلو من أن تكون ضمن أساسياته. فهو ينتقي السيناريوهات بدقة متناهية من واسع خياله ليضعها في قالبها المناسب. أسلوب رائع، أشبه ما يكون كالنحلة التي ترتشف رحيقها من مختلف أزهار البستان ثم تلفضها في خلية واحدة لتصنع شهداً حلو المذاق. وقد دأب الكاتب منذ بداية صفحات المجموعة على إيجاد هذا الأسلوب ففي (الإهداء) ـ الذي زاد عدد صفحاته على الأربع ـ بدى متميزاً جداً فقد كان وحده قصة تحتوي على جملة من الأحداث الرئيسية التي تدور حول اختيار عنوان المجموعة مع جملة من اللقطات الجانبية التي كانت تقفز بين الفينة والأخرى ضمن ثنايا الأحداث. بعد أن “شرب ما تبقى من القهوة … وكتب الإهدء… أضاف …” ثم في لقطة جانبية “حدّث نفسه …” ثم, “تذكر أن عليه حفظ نسخة من الملف …” وكانت التفاحة حينها “… تتحول تدريجياً إلى صفراء…” ثم؛ “فتح الملف من جديد …” وهكذا بدأ الكاتب مجموعته. في القصة الأولى للمجموعة (لماذا لا تقرأ القصة من نهايتها؟) انتقل الكاتب بأسلوبه وأخذ في ترقيم لقطات قصته الست. ولكن الترقيم لا يعني الترتيب الزماني للأحداث. فقد تم سرد الأحداث الأكثر إيقاعاً تحت التسلسل الأول وهو أن “أخترقت سيارة مجنونة أحد مطاعم مسقط وهشمت جداره…” بينما السرد القصصي التالي ينمّ عن أحداث كانت قبل هذا، فقد كان الصديقان يجلسان في المطعم ويناقشان الاستفهام الذي صار هو العنوان الأساسي للقصة. بعدها رجع الكاتب إلى اللقطة الأولى التي بدأ بها قصته وفي أول جملة “هكذا، انفجرت السيارة فجأة، وتهشمت البناية …” وبعد جملة من المشاهد عاد إلى نقاش الصديقين، وبعدها رجع ثانيةً إلى حادث السيارة وأخيراً “ساد الصمت بين الصديقين”. كذلك في القصة التي بعدها وهي تحت عنوان استفهامي أيضاً (ما هي الحكاية الأخيرة لشهرزاد؟) وكان الحدث المهم في هذه القصة هو موت أم حمدان ولكن في لقطات جانبية كانت جمانة التي “تتحول إلى شهرزاد” أمام زوجها راشد الذي “لم يتقمص يوماً شخصيّة شهريار” كان حديثهما حول قصة موت جارتهم. وهكذا تتوالى الأحداث بين الزوجين في سرد جانبي وخيال قصصي له وقعه في مخيلة القارئ.
في قصة أخرى بعنوان (الأسئلة أغلى سعراً من النفط) استهل الكاتب قصته بوصف المحاضر الذي أتى ليلقي محاضرة في المركز الثقافي وفي لقطة جانبية ظهر الكاتب في تذكّر “…المرة الأخيرة التي استمع فيها إلى المحاضر نفسه… قبل خمس عشر سنة…” وسرح بخياله إلى عدة أمور وأخذ يبحر بتفكيره وذاكرته بين أحداث المحاضرة وحديثها إلى وصل “وعندما استيقظت, رأيت الجمهور يخرج من القاعة, والمنصة خالية.” وفي (حزن الفتيات) بعد أن تاه سالم في ألوان ملابس زكي”تذوق طعم البرتقال والمانجو وبعدها غاص بقدميه في رمال الربع الخالي…”، لم يتوقف الكاتب عند هذه المشاهد في هذه القصة التي قسّمها على أربعة عناوين فرعية. فبعد أول لقاء بين سالم وزكي كانت اللقطات الجانبية والأحداث تتنقل بين أطراف القصص بتسلسل متقن وسلاسة محكمة.
وفي جانب آخر تأتي اللقطات الجانبية باختيار أشخاص القصة كما في (الحسناء والقناع) ولكي يتجاهل ما دار حوله قال “أخذت أعبث بأفكاري …” ومثله في (ما الذي فعلته النقطة السوداء؟) لكن هنا الاختيار كان في قطع اللقطة وليس في استجلابها وهو عندما “دخل ناصر مقرر الاجتماع وقطع خيال مسعود” الذي ذكره الكاتب بأن الخيال تمركز في أوصاف البلاد التي يتمناها مسعود للدراسة.
ونجد تحت عنوان (سم الكاميرا) الكثير من اللقطات التي تدور حول النص الأصلي للقصة واللقطات الجانبية الأخرى، فبدأ التخيّل بمجرد أن سمع الفنّان رنين جرس الباب و “ردد في نفسه قائلاً: يد ناعمة تقرع جرس الباب” وبعد أن فتح الباب ودار بينهما الحديث وسمح لها بالدخول أخذت اللقطات الجانبية تتوالى إلى أن “انتبه فجأة إلى صوتها تناديه: لو سمحت، أنا تأخرت على أولادي”
في (نافذة قديمة) وهو عنوان جانبي لـ (حليب التفاح) يُظهر الكاتب بوضوحٍ طريقة التنقل بين الأحداث وكيفية رسمها في ثنايا السرد القصصي حيث يقول “وبعد هذا المشهد تذكر سخونة الجبل في جوف الصيف … ثم ظهر مشهد خلال نافذة بعيدة …” وربما يكون هذا آخر ما يمكن أن يشد القارئ لهذه المجموعة التي برمجت الخيال الواسع لدى الكاتب. وما تم إيراده ليس سوى مقتطفات يسيرة ظهرت واضحة للانتباه.

محمد الراشدي

إلى الأعلى