الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الأسواق الأدبية والنوادي والمجالس في الجزيرة العربية .. تعريفها وملامحها العامة(1)

الأسواق الأدبية والنوادي والمجالس في الجزيرة العربية .. تعريفها وملامحها العامة(1)

من خلال ملامح القصيدة العمانية التي استعرضناها في مقالات سابقة خلال العصور الأدبية المختلفة، وما أضافه كل عصر على بنيتي القصيدة الداخلية والخارجية، كان لزاما أن نعرج على أبرز الأسباب التي جعلت الحراكين الثقافي والأدبي مزدهرا في عمان، وخصوصا، فيما يتعلق بوجود الأسواق الأدبية التي عرفت في الجزيرة العربية واحتضنت عمان بعضا منها وشكّلت رافدا مهما للأدب العماني بشكل عام، وللقصيدة بشكل خاص.
كان حظ عمان من أسواق العرب الأدبية وافر القياس مقارنة بغيرها من البلاد الأخرى في الجزيرة العربية، وقد تراوح عدد هذه الأسواق ما بين الثمانية والعشرة، وبعضهم ذكر ما يقارب من (21) سوقا ان لها أثرا كبيرا في توحيد عادات العرب ولغتهم، وفي تطور حياتهم الثقافية والأدبية، ولكن مع تغيّر المجتمع العربي وتبدّل مفاهيم الحياة الاجتماعية والسياسية عند العرب، أخذت هذه الأسواق بالتلاشي والاندثار. وعرف عنها بأنها موسمية تقام في مواضع معينة وأيام معينة من السنة. ومن هذه الأسواق ما كانَ يقتصرُ على ما يجاوِرُها من القُرى ومنها ما كانَ عامّاً يَفِدُ إليه الوافدونَ مِنْ أطرافِ الجزيرةِ كُلها .
وسأستند إلى ما ذكره (العتوبي) في كتابه (الأنساب) من أن أسواق العرب في الجاهلية عشرة؛ أولها (دوسة) ثم (المشقر) بهجر ثم (صحار) ثم (دبا) ثم (الشحر) ثم (عدن) ثم (الرابية) بحضرموت ثم (عكاظ) ثم (الحجاز) ثم (الحضبة). وهي تُقام بهذا الترتيب طوال أيام السنة. وذكر الصحاري لسوقي
( دبا ) و(صحار) ، دلالة على أن عمان قد غدت صاحبة أسواق للأدب حينئذ.
كان شعراء عمان يرتادون سوق (عكاظ) وغيره ويقدمون قصائدهم فيها، وذكر (جرجي زيدان) في كتابه العرب قبل الإسلام أن من أسواق العرب : سوق صحار ، وسوق عمان، حيث كانت الوفود تأتي إلى هذه الأسواق من أماكن مختلفة في الجزيرة العربية وتنشد الأشعار، وتضرب القباب، وتلقي الخطب، وتوثق الأحلاف.
أما صحار فقد اشتهرت منذ القدم وهي منسوبة إلى شاعرها (صحار بن العباس العبدي) وقد افتخر (هلال بن بدر البوسعيدي) بهذه الأمجاد فقال:

ألسنا قراة الضيف في كل موطن
ألسنا أباة الضيم يوم طعــان؟
أليس صحار يوم ذاك خطــــــــيبنا
ومن كصحار والزعيم اب صوحان؟

إضافة إلى هذه الأسواق، فقد ظهرت المنتديات والمجالس الأدبية في عمان. وسأذكر ملامح عامة لهذه النوادي والمجالس قبل الدخول في تفصيلها في المجتمع العماني. لقد جاء في مختار الصحاح للشيخ محمد بن أبي بكر الرازي رحمه الله قوله عن تعريف المنتدى لغة: ندا – بمعدودة – الندا – بكسر النون هو الصوت – وقد يضم. وناداه أيضا جالسه في النادي، وتنادوا أيضا تجالسوا في النادي. والندى على فعيل: هو مجلس القوم ومتحدثهم، وكذا الندوة، والنادي والمنتدى، وقوله تعالى في محكم كتابه (فليدع ناديه): أي عشيرته، وندا بالآلف الممدودة – أيضا من الجود، يقال أسن للناس (الندى فندوا)، وفلان ندي الكف أي سخي. ويقال: فلان أندى صوتا من فلان، إذا كان بعيد الصوت.
أما اصطلاحا فإن النادي يُعرف في النصوص الجاهلية بأنه المكان الذي يجتمع فيه شيوخ القبيلة لتدبير شؤونها الاجتماعية والسياسية والثقافية، وتأكيدا لذلك فقد جاء في الأغاني الجزء الخامس عشر أن مالك بن نويرة حين حضر ليخلص أخاه من الأسر (أقبل على راحته إلى القوم وهم جلوس في ناديهم فسلم عليهم، وحادثهم، وضاحكهم، وأنشدهم).
وفي (البيان والتبيين) للجاحظ أن رجلا من ولد عامر بن الظرب سأل عمر بن الخطاب عن حاله في الجاهلية، فكان مما أجابه: (ولا أرى إلا في ناد). ويعلق الأستاذ علي محمد هاشم في كتابه (الأندية الأدبية في العصر العباسي) على هذه العبارة بقوله: مما يدل على أن دخول النادي والمنتدى كان شرفا كبيرا لا يتأتى لأي كان. وقد أخذت المساجد في العصر الإسلامي تؤدي الدور نفسه الذي تؤديه الأندية. وفي العصر الأموي أصبحت تعكس لنا مظهرا من مظاهر الترف المنتشرة في ذلك العصر. أما في العصر العباسي فقد فرق بين لفظتي “ناد” و”مجلس” بالرغم من التقارب اللفظي، والمعنى المعجمي بين هذين اللفظين.
فالنادي في العصر العباسي استطاع أن يستكمل شخصيته الثقافية شكلا ومعنا، مقتصرا بذلك على رجال الأدب والشعر والفلسفة وسائر العلوم، فيما اقتصرت لفظة “مجلس” على حلقات التدريس، وبذلك سميت مجالس العلماء والمدرسين .

وفاء الشامسية

إلى الأعلى