الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / طرد بلا وجهة!

طرد بلا وجهة!

كاد الطرد أن يصل لولا العواصف التي اعتادت التلوي على هذه الأرض، ومع ذلك وقفت ذات الخمس سنوات تحدق في وجه السماء تنتظر وصول رد لطردها الذي أرسلته مع شعلتها الأخيرة، لم تنم، تدرك أن تلك النجوم الصامدة وسط تلك الحلكة، ستبقى من أجلها، في انتظار الشمس التي لم تستطع هي الأخرى إطفاء هذه العواصف، كانت تتقد حينا فتحولها إلى مطر يرويها، وتخبو حينا أخرى فتغص كمن لا حول له ولا قوة.

هو الخوف، من شيء لا تعرفه، ذاك الذي تتدثر به في انتظار النهارات المطفأة إلا من وهج الألم، بلعت ريقها الجاف إثر صيام سنين متتابعة، وهي تجمد عينيها في القربة الحمراء المعلقة على سريرها، حاولت التحرك، حدودها فقط بامتداد أنبوب الدم الذي يرويها، اختنقت بضيق الغرفة المطلية بالبيج ، أخذت شهيقا طويلا ثم حاولت منعه من الفرار منها، كانت تحاول الاستفادة من ذلك الهواء الضئيل الذي سمح له بالاقتراب منها، رفعت رأسها لتصل إلى سقف السماء، لم تسعفها رقبتها التي نست أن تكبر معها، أغمضت عينيها لتبحث في بقايا أفلام الكرتون عن سعادة بعيدة، كانت تلثغ بكلمات تحدث روحها التي تتخيلها حرة خارج جسدها الضعيف.

ومع ذلك مازالت تنتظر شيئا لا تعرفه، يغير كل شيء، يحررها فترجع إلى اللعب مع صديقتها، أسدلت جفنيها في انتظار هذا الشيء، فتحتهما، لا شيء، عاودت الأمر مرات عديدة ككل يوم، ربما يصدق حدسها أخيرًا، ولكن لا شيء، إلا أنها ما زالت تنتظر فرحتها بوصول طردها.

استلقت كيما تخفف الغثيان قبل أن تبدأ موجة تقيؤ أخرى، ما عاد في جوفها شيْ لتفرغه، هي التي ما امتلأت يوما، أحدثت العاصفة قرقعة تشبه قرقعة أبيها حين يفتح باب البيت، مدت نظرها للباب الزجاجي على يمينها، لا أحد، كانت تعلم ومع ذلك مازالت تنتظر.

السائل الأحمر مازال يتدفق، باردا كان، كصباح نسيته الشمس، لم يتبق منه سوى القليل، بعدها ستتحرر من السرير، روحها فقط ستفعل، هي تعلم ومع ذلك تنتظر طردها، الوقت يمضي ولا شيء، تنهدت بلا صوت، نسيت صوتها الذي لم تسمعه منذ زمن، التفتت فجأة فعاد الغثيان .

شدت قبضة يدها المشمعة، قررت أن تذهب لطردها بنفسها، تعبت من انتظاره، في داخلها خوف الرحيل الباكر جدا جدا، تعلم بأنها إن رحلت لن تعود، حاولت فتح النافذة، حاولت بما تبقى من أحلامها، لم تكن تنام لتحلم، ذهبت الأحلام دون الحاجة لفتح النافذة، اتكأت على الجدار لتدرك أنفاسها الصغيرة، إنها تتنفس، شعرت بغبطة يسهل الحصول عليها وسط ركام الألم، هي تشعر الآن بالدفء يتدفق من يدها، عطاء السماء أتى سريعًا، أخذت العطاء بكلتي يديها الصغيرتين ونسيت طردها.

زهرة الهاشمية

إلى الأعلى