الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / عندما ابتلع التلفاز أعز صديقة لدي ! لليندا ايليربري

عندما ابتلع التلفاز أعز صديقة لدي ! لليندا ايليربري

كنت في الثامنة من العمر عندما فقدت صديقتي الأولى والقريبة الى قلبي.لقد كانت فاطمة نادرا ما تتأفف أو تشتكي حتى عندما كنا نلعب في أحد الأيام في أرجاء قريتنا وتلقت ضربة قوية بالكرة من أحد فتيان حينا المشاكسين وانزاحت على إثرها قدمها الى الخلف لم تذرف فاطمة أي دمعة.فلقد كانت مثالا يحتذى به في الصبر والقوة.
لقد كنا نقضي معظم وقتنا في الباحة الخلفية لمنزلنا نلعب بالأرجوحة.ولكن منذ وقت بعيد وفي شهر يونيو بالتحديد حدث وأن كسرت ذراعي.فقد قررت ذات يوم التمرجح إلى أقصى ارتفاع ممكن.وبالفعل ذهبت و تمرجحت و لكنني وصلت الى ارتفاع لم يعد بإمكاني السيطرة على حركتي.فقفزت من ذلك الإرتفاع و بدأ جسمي يندفع للأعلى شيئا فشيئا وارتدت بعد ذلك الأرجوحة للخلف مرة أخرى.ثم لم يعد بإمكاني التحكم بأي شيء آخر فسقطت باتجاه الأرض ولم أشعر بشيء سوى صوت فاطمة وهي تقول:لقد اكتشفت أمرا ما،لقد اكتشفت أمرا ما!
ولكني نظرت الى ذراعي فلم أكتشف سوى أن ذراعي اليسرى قد كسرت.ولكن كانت نبرة صوتها توحي باكتشاف أهم من ذراعي المكسوره.فأخذت تسترسل في الحديث بأنني كنت على وشك الطيران والذهاب مع الريح لولا أنني ارتكبت خطأ أدى الى سقوطي.
ومرت الأيام وظل موضوع الطيران يراودنا في كل حين.وبحكم حالتي الصحية كان لدينا وقت كافي لإعادة شريط ما حدث لي والتفكير فيه من ناحية علمية.وانتهى بنا المطاف إلى استنتاج نظرية تنص على أننا إذا تمرجحنا بارتفاع معين وبشكل مستقيم وقفزنا من المرجوحة في موقع محدد وفي اللحظة المناسبة فإننا سنتمكن من الطيران.
كنت بانتظار تحسن حالتي الصحية طيلة شهر تموز وعندما أقبل ذلك اليوم الذي استعدت فيه عافيتي قصدنا أنا وفاطمة المرجوحة وتفحصنا المقعد وشددنا سلاسلها واختبرنا قدرة تحملها وقوتها للتأكد من عدم وجود أي خلل قد يفسد لحظة الطيرا. ومع اشراق نهار اليوم التالي انطلقنا الى المرجوحة وأخذنا نمرجح بعضنا البعض و في كل مرة أعلى فأعلى إلى أن توارت شمس ذلك اليوم الجميل خلف الأفق البعيد وبعدما عكر صفو لعبنا صوت نداء والدتها تخبرها بأن هنالك مفاجأة بانتظارها فالمنزل ، ولكننا لم نتفق على العودة للمنزل إلا حينما يخيم الظلام البهيم المكان ومن جهة أخرى لم يكن والد فاطمة كذلك النوع من الاباء الذين لابد لهم من شراء لعبة لأبناءهم اذا ما مرو من جانب متجر بيع الالعاب ولهذا تجاهلت فاطمة نداء والدتها التي لم تنكف عن النداء فقررت فاطمة الإصغاء ، فرفعت رأسها واثبة ببصرها هنا وهناك متظاهرة بعدم معرفة مصدر الصوت فتوقفت أنا الآخر عن اللعب وقررت ملازمتها المنزل وعندما وصلنا الى الباحة الأمامية لمنزلهم ،اتكئت فاطمة على الزاوية اليمنى للباب الامامي وابتسمت لي ابتسامة ذات مغزى وأشارت بيدها أن كل شيء سيسير حسبما خططنا له وسدت الباب خلفها.لقد أثقل نفسي بعض الشي عودتنا للمنزل قبل إتمام حلمنا وخوض لحظة الطيران ولكنني طمأنت نفسي وقلت لقد انتظرت طيلة شهر يونيو أو ليس بإمكاني الانتظار ليوم واحد فقط.
ومنذ ذلك المساء لم أستمع سوى صوت إغلاق ذلك الباب.
فقد كان ذلك اليوم هو اليوم الأخير الذي أرى فيه فاطمة. فقد ترددت على منزلهم مرارا وتكرارا ولكن كانت والدتها دائما ما تجيب بأن فاطمة مشغولة جدا . فحاولت الاتصال بها ولكنني دائما ما أتلقى الجواب نفسه “فاطمة مشغولة جدا ،ولاتستطيع محادثتي”.أيعقل أنها مشغولة لهذا الحد.وماذا عن حلم الطيران.لقد رميت كل تلك المبررات عرض الحائط .فهي ليست الا أكاذيب تجتن أمرا غير محمودا !لابد انها ماتت.نعم ماتت. يا لفضاعة الموت.فكيف له أن يفرق روحين رسما بألوان براءتهما الحلم نفسه وتعاهدا على الإخلاص والثبات في تحقيقه.في تلك الأثناء استعدت تلك اللحظة التي أشارت إلي بيدها باعثة أملنا في الطيران في اليوم الذي يليه فتغلغلت هذه الذكرى في أعماق وجداني واجتاحتني حرقة لاذعة فبكيت بحزن ولوعة.
ربما لم أكن لأعرف الحقيقة لولا أنني استمعت ذات يوم لأمي تقترح لأبي شراء تلفاز كالذي تمتلكه عائلة فاطمة ليخفف من معاناتي وينسيني فاطمة وبدون أدنى شك كان مصطلح “تلفاز” جديدا بالنسبة إلي, ولكني بطريقة أو بأخرى توصلت إلى أن والد فاطمة اشترى لها في ذلك اليوم المشئوم تلفازا,وأخذت أفكر مليا وأتخيل مشاهد مروعة كلحظة ابتلاع التلفاز لفاطمة.ولكن مايجب علي القيام به الآن هو منع هذا التلفاز من الدخول الى منزلنا وابتلاعنا جميعا,فصارحت والداي بذلك ولكنهما أخذا يلونان لي صورة فاطمة و مدى سعادتها بمشاهدة ما يعرض على قنوات التلفاز.
لقد كانت تستحوذ تلك الأشكال البيضاء والسوداء المتحركة جل تفكيرها .فبعد عودتها من المدرسة تهب الى غرفة الجلوس، وتتصلب أمام شاشة التلفاز، وحتى في عطلة نهاية الأسبوع كانت تقضي معظم وقتها تتنقل بين قنوات التلفاز.
ولى فصل الصيف و تبعثرت معه أوراق حلم الطيران , ولاتزال فاطمة عالقة في الذاكرة ولا أنكر أن غيابها كان قد أفسد كل جمال ديسمبر.
وأقبل ذلك اليوم الذي أحضر فيه التلفاز إلى منزلنا بعد محاولاتي العقيمة في إقناع والداي بخطورته.وربما كانوا محقين في ذلك ولكنني على يقين بأنه غير أشياء جميلة اعتدنا على القيام بها فيما مضى.فأين تلك الطاولة التي كنا نجتمع حولها لتناول وجبة العشاء.لقد تبددت تلك اللحظات بعدما وجدت أمي طاولة أخرى لها أمام شاشة التلفاز.وأصبحت برامج التلفاز هي ما يحكم أوقاتنا.فضمحلت أحاديثنا شيئا فشيئا. فإذا ما رغبت فالإفصاح عن أمر يجول في خاطري فإنه لابد لي من الإنتظار لحين موعد الإعلان التجاري الذي علمني بدوره القدرة على الحديث في غضون ثلاثين ثانية فقط.
و أذكر أني كنت أستمع إلى أحاديث تدور بين والدي لم أكن أفهمها ولكنها أحرى بأن تلمني الى حضنهما وتشعرني بوجودهما بالقرب مني. كانت أصوات تسبيحات أمي في جوف الليل بمثابة تعويذة إلاهية تجلب الدفئ والحنان إلى روحي قبل جسدي فتغفيني في صدرها بعد يوم مرهق مجهد.ولكن اختفى صدى تلك الأصوات فوالدي ينام فور انتهاء نشرة الأحوال الجوية و والدتي تبقى مستيقظة بانتظار برنامج الطبخ ،فأغلق عيني مستعيدا أحاديث المساء التي حنت لها أرجاء غرفتي فور وصول التلفاز.
وتاقت رفوف المكتبة للمسات أصابع والدي تتنقل بين صفحات كتبها.فقد تلاشى شغف أبي بالقراءة والإطلاع بعدما وجد طريقة تغنيه عن تكبد عناء الذهاب إلى المكتبة أو تقليب صفحات الكتب.فما عليه الآن سوى الإسترخاء على أريكة ومشاهدة محتوى الكتب معروضا على التلفاز.ولكن كيف لكل هذا أن يحدث وقد كان أبي هو من غرس في أبناءه جمال قراءة كتاب نحبه.
وكما لم يعد والداي يترددا على دور السينما مادامت الأفلام ستعرض عاجلا أم آجلا على شاشة التلفاز.

وبعد أن كنا شغوفين بكرة القدم تركنا أنا و والدي الذهاب الى النادي الرياضي ولكننا شاهدنا بدلا من ذلك مباريات أكثر من أي وقت مضى.وهو ما جعل والدي ينام خلال الدقائق الأولى من شوط المباراة الأول.فما إن تبدأ اللحظات الأولى من المباراة إلا و ران الكرى في مقلتيه ولكنه يتراءى لنا ذلك فقط لأننا سرعان ما إن نربت على كتفيه إلا و رمق ببصره وشرح لنا ما حدث خلال شوط المباراة ومن تقدم على الآخر.
ولكن لمذا أسر التلفاز قلوب الجميع و لم يأسرني.فلم اكن أرى فيه أي متنفس, لقد كان سجنا موحشا و مظلما بالنسبة لي.فلما أطوق أحلامي بأغلال بينما خلق الله لها أجنحة لترفرف في مكنونات هذا الكون؟فكنت أرى في تسلق الأشجار متعة جمى وقضاء وقتي في ركوب الدراجة الهوائية سعادة لا تضاهيها سعادة.ولقد كان لحلم الطيران مذاقا خاصا.نعم لقد كان له طعما خاصا, ولا أزال أحلم به.فلربما تذكرت فاطمة ذات يوم أننا تشاركنا حلما يدعى الطيران وأننا أسسنا نظرية في ذلك أيضا.ولربما كانوا على صواب في أن التلفاز لم يبتلعها ولكن هنالك أمر لابد منه وهو أنه عندما أدير رأسها تجاه تلك الشاشة الصغيرة تشللت قواها فلم تعد قادرة على لحظ بصرها للحياة مرة أخرى.
فأي اهتمامات ستنصب في جل عينها ما دام التلفاز يلوح لها منتظرا بعد كل يوم دراسي.ربما كانت أفلام الكرتون بمثابة اقتناء دمية من متجر الألعاب بالنسبة لها.فلو أتاح لها والديها عالما واقعيا لتلعب فيه لما تجمدت أمام التلفاز وقنعت بشاشة إفتراضية صغيرة.
فمنذ ذلك الحين لم أجد صديقة كفاطمة ولم أحلق عاليا و الأكثر من ذلك كله هو أنني كنت على حق في أن التلفاز يبتلع الأشخاص.

ترجمة بتصرف: ثرياء عبدالله علي الحراصية
thuriya102384@gmail.com

إلى الأعلى