الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / عين في السماء .. حينما يعبث الكبار بمصير البشر
عين في السماء .. حينما يعبث الكبار بمصير البشر

عين في السماء .. حينما يعبث الكبار بمصير البشر

عند الحديث عن الحروب وما يصاحبها من ممارسات ونظريات، يتبادر إلى أذهاننا استفسار حول علاقة الحرب بالأخلاق، تلك المعضلة الأخلاقية تتمثل في قرارات الموت والحياة، بمعنى من يُقتل ومن يعيش؟
من يقرأ تاريخ الحروب جيدا، سيدرك تماما انعدام الصلة بين الحرب والاخلاق، حيث أن كل دولة تلهث وراء مصالحها الاستراتيجية وتركز على اكتناز الثروات والأموال فقط ، دون أن تعير اهتماما نحو الصعيد البشري والأخلاقي. ولعل الحربين العالميتين، خير شاهد على تلك المجازر التي ارتكبت بحق البشرية.
وهو ما يؤكده ديفيد فيشر في كتابه “الأخلاقيات والحرب، هل يمكن أن تكون الحرب عادلة في القرن الحادي والعشرين”؟، الذي قام بترجمته الى العربية د عماد عواد. وحاز على جائزة دراسات الحروب في العام 2013.
ومع دخول تكنولوجيا الإلكترونيات واستخدامها في الأغراض العسكرية بشكل كبير، باتت تلك القضية، أكثر الحاحا في ظل تصاعد موجات الارهاب حول العالم.
“الدرونز” او الطائرة بدون طيار، واحدة من تلك القطع التكنولوجية التي أسهمت في مكافحة الارهاب وأثبتت فعالياتها في ميادين القتال، حيث عكفت العديد من مراكز البحث الاميركية وغيرها، الى تبنى تطويرها، كما اتجهت العديد من الجيوش كروسيا وإيران والصين إلى امتلاك هذه التكنولوجيا بعدما ظل الجيش الاميركي والبريطاني والاسرائيلي محتكرا لها لعدة سنوات،
وبرغم ذلك، الا أن تبعات استخدام الدرونز في ما عرف بـ “الحرب على الارهاب”، لايزال محورا للجدل، وماتسببه ضرباتها من أضرار جانبية وخسائر بشرية. في الثاني من يوليو الجاري، أعلن البيت الأبيض في تقرير رسمي نشر بوكالات الانباء ” إن عدد الضحايا المدنيين، الذين قتلوا في غارات بطائرات بدون طيار، وغارات أخرى نفذها الجيش الأميركي يصل إلى 116 قتيلا من المدنيين في باكستان واليمن والصومال، وذلك منذ 2009″.
المعضلات الاخلاقية والجدل القائم حول استخدام الدرونز في الصراعات، محور فيلم اليوم الذي يعد أحد أهم نتاجات صيف هذا العام، والمندرج تحت خانة افلام السياسة والحروب.
عين في السماء(Eye in the Sky): هو فيلم أكشن واثارة بريطاني، كتب قصته جاي هيبرت، بينما قام بإخراجه الجنوب افريقي جافين هوود، الذي عمل كثيرا على قصة الشريط ، لكي تخرج لنا بتلك الصورة المحكمة، المبهرة المليئة بعنصري التشويق والتوتر التي نجح هوود في ابقائهما مستمران حتى اخر مشهد بالشريط ، لذا من الصعب أن تمحى من الذاكرة بسهولة.
اعتمد هوود على مبدأ الصدق، فهو يعتبر أن “القضايا المعقدة بحاجة إلى حوار صادق”. وينصح في حديثه عقب صدور فيلمه السابع من “التعمق في القضايا التي على المحك وعدم الاكتفاء بالأفكار السطحية المتحيزة لموقف ما”.
أبطال الفيلم كثيرون، ويتقدمهم وجه جديد في عالم السينما، وهو الجاسوس الآلي صاحب الجسم المعدني. وبرغم ظهوره البسيط الا انه يمثل عنصر مهم بالفيلم.
البطولة الحقيقية لنخبة عالية المستوى من نجوم هوليوود، تقودهم المخضرمة الانجليزية، هيلين ميرين التي خلعت رداء الملكة ، وارتدت لباس الجيش، حيث تقوم بدور الكولونيل العسكري “كاثرين بول” في اداء مخيف وقوي.
يشاركها البطولة الممثل آلان ريكمان في دور الجنرال “فرانك بينسون”، آرون بول الذي تابعناه في المسلسل الشيق ” breaking bad”، ويجسد دور مُشغِّل الطائرة بدون طيار الرائد ” ستيف واتس” ، وأخير وليس أخرا، الممثل الصومالي الواعد برخد عبدي، الذي اشتهر في دور القرصان مختطف توم هانكس في ” captain Phillips “، حيث يجسد دور العميل المخابراتي الكيني “جامع فرح”.
أداءات قوية ومؤثرة، تمكنت من شحن النفوس وتوتيرها، خاصة مع كل قرار يتم دراسته داخل غرف الاجتماعات، المليئة بحوارات صاخبة وأجواء متوترة، وأصابع متشابكة وقلوب راجفة. والتبعات الاخلاقية المترتبة على اتخاذ هذا القرار.

……………………………..

أحداث

تبدأ القصة، حين يصل للكولونيل في في قيادة العمليات الخاصة البريطانية، كاثرين باول، نبأ مقتل أحد عملائها في كينيا، على يد عناصر حركة “الشباب” الارهابية التي تنشط في الصومال والدول المجاورة، وتسعى لنشر افكارها التطرفية في القرن الافريقي، وتجنيد أكبر قدر من الافراد للقيام بالعمليات الانتحارية.
باول تقود مهمة سرية اسمها الكودي “ايجريت”، تستهدف القبض على مجموعة ارهابيين بينهم قادة من عناصر مهمة من الحركة، يتحصنون داخل مخبأ باحدى ضواحي نيروبي في كينيا، وتستعين لإتمامها بسلاح الجو الاميركي لتوفير مراقبة جوية بواسطة “بدون طيار” أو “الدرونز”، التي تصفها الكولونيل بعينهم في السماء، حيث انها توجه القوات المسلحة والمخابرات الكينية التي ستقتحم المكان.
تعزو الكولونيل باول أهمية اتمام العملية بنجاح “اعتقال وليس قتل”، لعدة أسباب على رأسها، أنه سيتضمن الاجتماع المرتقب، وجود عبد الله الهادي وزوجته عائشة البريطانية الاصل، والتي توفر للحركة الارهابية الدعم المادي والعتادي. وهما يعتبران الرقمين 4 و5 على لائحة أكثر المطلوبين في أفريقيا. وظلت تراقبهما باول لمدة 6 أعوام. شخصية عائشة الهادي، تبدو لنا محاكاة لـ”سامانثا لوثوايت” أخطر امرأة بالعالم والمعروفة بالأرملة البيضاء والتي ربط اسمها بالعديد من الحوادث الارهابية في افريقيا، وهي مطلوبة من السلطات في لندن.
على الجانب الأخر، نتابع عدد من القادة البريطانيين يتابعون سير المهمة عبر الاقمار الصناعية وكاميرات التجسس الحديثة.
المجموعة تضم، الجنرال فرانك بينسون قائد العملية الاعلى الذي يوجه باول، وزير الدفاع، والمدعي العام الذي يشرف على قانونية العملية، ومستشارة في البرلمان.

……………………………..

تأزم المهمة

تتأزم المهمة حين تكشف كاميرا تجسس العميل الصومالي جامع فرح، الذي يتنكر كبائع دلاء، لكي تمكن من الاقتراب الي المنزل التي تحرسه ميليشيا الشباب، تكشف أن الخلية الارهابية تخطط لتنفيذ عملية انتحارية مزدوجة، وهنا تتغير المهمة الى القتل بدلا من الاعتقال، وتتطلب باول من طياريها الاميركيين ستيف واتس وكاري جيرشون، بقاعدتهما الجوية في نيفادا، تجهيز الدرونز والاستعداد للتصفية الارهابيين بقصف مخبأهم. كما أنها ترفع الامر الى قائدها ليتم إقرار المهمة الجديدة.
الجدل يحتدم على طاولة البريطانيين، ولابد من اتخاذ قرار لأن الوقت يمر، والانتحاريان على وشك تنفيذ مهمتهما.
وبعد اعطاء الضوء الاخضر من قبل سكرتير الامم المتحدة، كون العملية ستشمل استهداف مواطن اميركي “أحد الانتحاريين”، كما انها تتم على أرض دولة صديقة، فجأة، شئ ما يظهر على الشاشات يعرقل المهمة ويدفعها نحو التعقيد.
لاحظ أنه مع كل مرة تشارف فيها الاحداث على الانتهاء وتنفيذ المهمة، يستجد متغير ويؤثر بدوره على اتجاه الفيلم، مما يضيف تعقيدا وتصاعدا في حدة التوتر القائم. ويجعلنا متفاعلين مع الاحداث بصورة أكبر ويضفي اليها مزيدا من المصداقية.

……………………………..

القرار الصعب

فتاة كينية صغيرة تدعى علية تدخل منطقة الاشتباك، وتستعد لبيع الخبز الذي اعدته امها، على طاولة تبعد خطوات قليلة من مخبأ الارهابيين. في تلك اللحظة بالتحديد، تأخذ الحبكة محنى أخر، حيث تتحول من الاجواء المخابراتية والتقنيات، الى أجواء انسانية ولحظات صعبة، وهو مايضيف تنوع بالحبكة ويثريها بالمضامين الشيقة.
ومايزيد الطينة بله، حين يرفض الرائد واتس إطلاق الصاروخ في حال بقاء علية بالقرب من الهدف، ويطلب من باول إجراء تقدير الاضرار مجددا.
وبالفعل تأمر باول، الضابط المختص بتقييم الاضرار، وتوعزه باختيار نقطة تصويب الاقل ضررا على المدنيين بما فيهم بائعة الخبز. الا أن التقديرات تأتي بين 45 و65 %، وهو ما لاتشتهيه الكولونيل، المتمسكة بتنفيذ المهمة مهما كلف الأمر، فتطلب من الظابط تسجيل النسبة الأقل في التقرير النهائي لسير المهمة.
وهنا تقول بطلة الفيلم في تعليقها على دورها كعقيد في الجيش وذلك في لقائها بوسائل الاعلام: ” أعتقد أن في الجيش يجب أن تضع على عينيك غمامة لأنك إذا اهتممت كثيرا بعواقب ما تفعل والآثار الجانبية لما تفعل سيحدث ذلك حالة من القلق والاضطراب”.
على الجانب الأخر، نتابع القادة العسكريين والسياسيين، وقد مزقتهم الحيرة، كل يرمي الكرة في ملعب الأخر، إكمال المهمة والتضحية بالفتاة، أم إنقاذها والتضحية بعشرات الارواح التي ستزهق فيما بعد بعملية انتحارية مجهولة الزمان والمكان.
وهنا، تبرز المعضلة الأخلاقية التي تحدثت عنها سالفا. هناك من حسم قراره بالفعل لتقديره عامل الوقت، كالعسكريين من باول، والجنرال بينسون، الا أن السياسين لهم رأي أخر، فهم لهم حساباتهم الاخرى كالموقف أمام الاعلام وغيره. دعنا نسمي كل ذلك بـ” العبث بمصير البشر” فمصيرهم مرتهن بقرارات بشر مثلهم يجلسون على مكاتبهم، يشربون الشاي ويأكلون البسكويت.
في النهاية يتم الأمر، ويدك واتس الموقع بضربتين جويتين، عقب نجاة الارهابية عائشة، من الضربة الاولى. ويسقط ضحايا مدنيين من بينهم الطفلة المسكينة بائعة الخبز. بالتأكيد تلك قصة من عشرات القصص المأساوية التي تحدث يوميا، نحن نتابع مئات الغارات التي تقتل الاف المدنيين في سوريا والعراق وأفغانستان وليبيا تحت مسمى “محاربة الإرهابيين”.

عين في السماء.. فيلم سياسي وإنساني رفيع، دراما واقعية حرفية ذات مصداقية وشفافية عالية، يناقش قضية مهمة تتكرر بشكل شبه يومي، وهي استخدام “الدرونز” في مكافحة الارهاب، وتأثيرها على حياة المدنيين الأبرياء. وتلك القرارات المصيرية التي يتخذها الكبار، كل ذلك عبر صناعة سينمائية متقنة، ثرية بالحوارات والمضامين العميقة.

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى