الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رج الخيلاء الأميركي

رج الخيلاء الأميركي

أ.د. محمد الدعمي

لا يحتاج المرء إلى الكثير كي يستشعر الخيلاء الإداري الأميركي الذي، كما يبدو، ما زال يحيا عصره الذهبي منذ أكثر من عشرين عامًا، حتى “رجة الوعي” التي قدمها له الكرملين بضمه شبه جزيرة القرم قبل أسابيع على حين غرة. ربما كانت خطوة الكرملين هذه تمثل النهاية العملية لشهر العسل الأميركي ـ الروسي وللعالم الوحيد القطبية، إذ تقسم روسيا بالطلاق ثلاثًا، وكأنها لم تعد تطيق تنظيم القطب الواحد الذي عبث بهذه الزيجة القصيرة الأمد.
بل إن ما تخشاه الأجيال التي جايلت الحرب الباردة هو عودة تلك الحرب بقوة تذكرنا بسباق التسلح المرعب الذي أنتج، من بين معطياته الأخرى، تقنيات حرب النجوم وتسليح الدول المتحالفة مع الجانبين حد اندلاع حرب عالمية حقيقية، ولكن بواسطة الوكلاء كما حدث في الحروب التي حمى وطيسها في إفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية عبر سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الزائل.
لا يبدو العقل الإداري الأميركي مستعدًّا لمثل هذا السباق الآن، فقد أخذه الكرملين على حين غرة بضم القرم، كما أن تهم الأخير لا يبدو قابلًا للإشباع، بدليل أن أنظار الروس تحولت إلى أقاليم شرق أوكرانيا الصناعية الغنية بعد أن ابتلعوا القرم وعززوا ابتلاعها بقدح من الماء لمنع خروجها ثانية تقيؤًا.
أما علامات الحرب الباردة، فقد بدأت تلوح فعلًا: فقد أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عن سلاح جديد خارق السرعة يرد الصواريخ العابرة للقارات. وهذه واحدة من علامات الحرب الباردة، بكل تأكيد، وكما عهدناها عبر عقود النصف الثاني من القرن العشرين. ولا أعتقد بأننا سننتظر طويلًا حتى يعلن الروس عن سلاح مقابل، وهكذا دواليك.
لقد قدم الرئيس بوتين صدمة للخيلاء الأميركي الذي بقي ينظر إلى دول العالم الأخرى على نحو مشحون بالدونية، حتى تمادت هذه النظرة في غيها لتشمل دولًا لا تقل قوة ولا غنى عن الولايات المتحدة نفسها، دول مثل روسيا والآن الصين. يمكن أن يمرر الروس عددًا من الإعلانات الاستفزازية الأميركية دون استجابة انفعالية بوصفها من رواسب عصر القطب الواحد الذي يريدون إزالته. بيد أن هذا التمرير لن يمر بلا ملاحظة، خاصة وأن لموسكو من ثقل الشراكة الدولية عبر مجلس الأمن والأمم المتحدة ما يكفل لها الإجهاز على الهيمنة الأميركية على قرارات المنظمة الدولية. بل إن الأخطر يتجسد بالخوف الأوروبي من شبح الحرب الباردة التي اعتقد الأوروبيون أنهم قد طردوه من حياتهم الآن وإلى الأبد لحظة انهيار جدار برلين أوائل تسعينيات القرن الزائل.
وإذا كانت قد “لاحت رؤوس الحراب .. تلمع بين الروابي” أمام ناظرينا، فإن لدول المنظومة العربية أن تستبق أسوأ الاحتمالات، أي “عودة الحياة إلى الحرب الباردة” كي تعتمد موقفًا موحدًا ينطوي على إحساس بوحدة المصالح والمصير المشترك في خضم صراع الكبار. وإذا كان الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، سوية مع جواهر لال نهرو وجوزيف بروس تيتو قد ابتدعوا حركة “عدم الانحياز” موقفًا سياسيًّا معتمدًا لدولهم (مصر والهند ويوغسلافيا) حقبة ذاك، فإن على الدول العربية وربما الشرق أوسطية عامة، إقليمًا، أن تفكر من الآن في الكيفية التي ستتصرف بموجبها إذا ما اندلعت حرب كونية باردة من جديد. لنلاحظ أن الطلاق الأميركي ـ الروسي سيقود إلى سلسلة فظيعة من التحالفات والاصطفافات الإقليمية والدولية التي ستكون نتائجها تسلسلية وسريعة. لذا على العرب التفكير في كيفية تأمين النفس وحمايتها من عواصف الحرب الباردة التي يمكن أن “تسخن” في أية لحظة.

إلى الأعلى