الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “مدخل إلى الأدب” يصور الملاحم والمسرح والشعر الغنائى والنثر في مختلف العصور
“مدخل إلى الأدب” يصور الملاحم والمسرح والشعر الغنائى والنثر في مختلف العصور

“مدخل إلى الأدب” يصور الملاحم والمسرح والشعر الغنائى والنثر في مختلف العصور

عرض ـ حسام محمود:
يوضح المؤلف الفرنسى إميل فاجيه فى مقدمته القصيرة أن الادب يهدى المبتدئ الى الطريق ويرضى تطلعات فضوله الأولى ، بل هو بالأحرى يحفزها ويثيرها ، وهو يعطى فكرة كافية عن مسار الأحداث والأفكار ، ويأخذ بيد القارئ فى شىء من العجلة الى رحلة من المنابع الموغلة فى القدم الى اخر ما تفتقت عنه القريحة البشرية من جهود ، فالادب يمكن ان يكون سجلا مريحا يلجأ اليه القارئ ليلم بالروح العام لهذا العصر او ذاك فى خطوط عريضة ، ويتبين ما يربطه بالعصر الذى يليه والعصر الذى سبقه ، ويخص ما يريد هو ان يكون اطارا يندرج فيه على نحو مريح ما يتحصل من خلال دراسات تالية من معارف أكثر تفصيلا وأكثر تعمقا ، ويرى الكاتب ان الأدب سيكون محققا هدفه اذا هو حفز على البحث الوافر والتأمل الكثير وهيأ لهما التهيئة الصحيحة.
الأدب الهندى
كان للهنود الناطقين بالسنسكريتية أدب قد يرجع فى مبدئه الى القرن الخامس عشر قبل ميلاد المسيح ، كان لهم بادئ ذى بدء ، شأنهم شأن كل الأمم أدب مقدس مرتبط أوثق الارتباط بالدين ، بدأ بالفيدا وهى كتب تحكى عن الآلهة المعبودة آنذاك وتمجدها ، كما تولد عن البوذية أدب جديد كليا ، فكان يتألف من حكم مثل حكم فيثاغورس وكذلك القصص الأخلاقية القصار والأمثولات ، ثم انبسط هذا الأدب ليصبح قصائد ملحمية طويلة جدا كان من اهمها المهابهاراتا ، والتى كانت من أهم سماتها الخلط الدائم بين الحيوان والانسان ، ثم تبع تلك الملاحم الطويلة عدد كبير من القصائد الأقصر ، والتى اتسمت بالتنوع الشديد فى النبرة والنهج ، وينتقل الكاتب الى الشعر التمثيلى الهندى ليذكر ان امره كان عجيبا ومثيرا للفضول ، اذ لم يختلط بالملحمة بالمعنى الدقيق ولكنه اختلط دوما بضروب من وصف الطبيعة ورسم لوحات لها ومناجاتها ، فالشاعر المسرحى الهندى لا يفصل الانسان عن العالم المحيط به ، كما اتسمت تلك التمثيليات بأنها مؤثرة ومثيرة للفضول ، كما تنضوى على دراسة للنفس واعية ثاقبة ، ومن تلك التمثيليات كانت “عربة من الفخار” ، أما شعر الحكمة فقد ظل زمنا طويلا ينعم بالحظوة لدى الهنود ، اذ تجلوه دائما حكمة سامية ويتضمن فى كثير من الأحيان روحانية عالية ، ولقد ظل الأدب الهندى مثمرا وان فقد الكثير من خصوبته الى القرن الخامس عشر والسادس عشر الميلادى ، ومن الممكن القول انه استمر على مدى خمسة وعشرين قرنا دون انقطاع ، ويرى الكاتب ان الأدب الهندى قد تميز بانه الأدب الأصيل الوحيد الذى لا يدين بشىء لأدب آخر فهو ابن وطنه بمعنى الكلمة .
الأدب المتشكل
وينتقل الكاتب للأدب العبرانى فيقول إن للعبرانيين تاريخا أدبىا ترجع بداياته الى 1050 عاما قبل الميلاد ، فقد كتب العبرانيون قصائد سجلوا فيها القصص المتداولة بين سواد الناس منذ أقدم عصور وجودهم ، ويرى الكاتب ان الكتب المقدسة من توراة وتلمود واناجيل قد جمعت اثرا من اجمل آثار الفكر الانسانى ، كما اشتملت على بلاغة وشعور دينى عميق ، اما عن الأدب الإغريقى فلا شك أن اقدم كاتب اغريقى معروف هو “هوميروس” والذى من اهم اعماله ” الإلياذة ” و “الأوديسا” ، واغلب الظن ان الاغريق منذ اقدم العصور اوتوا شعراء وجدانيين وغنائيين ، أى ينظمون فى ابيات شعرية ما يجيش فى نفوسهم ووجدانهم من احاسيس شخصية ، ثم ولد النثر اخيرا فى القرن السادس قبل الميلاد ، وذلك مع الفلاسفه امثال طاليس وهيراقليطوس ، ومع المؤرخين الذين لم يحقق منهم شهرة ظلت باقية الا هيرودوت ، ثم ولدت التراجيديا الاغريقية والتى تعد معجزة من معجزات العقل الانسانى وذلك فى القرن السادس قبل الميلاد ، وكانت بدايتها قصيدة اليثيرامبوس ، وهى قصيده كان المداحون ينشدونها جماعيا ، ثم ما لبثت ان تحولت الى مسرحية من ثلاثة ممثلين ، أما الكوميديا فقد طال امدها اكثر من التراجيديا ، وكان اصلها يكتنفه الغموض الشديد ، واقرب الظن انها تولدت من الوان المزاح المقذع التى كان العامة يتبادلونها فى افراحهم ، واتسمت تلك الكوميديا فى بداياتها بخيال حر حرية مطلقة ، واتخذت شكل حوارى خطابى غنائى ساخر ، كما ظهر الكثير من الفلاسفة امثال سقراط وأفلاطون ، ومن التربة الاغريقية شب أدب جديد اكثر تبحرا فى العلم واقل تلقائية ، وهو الادب الذى اطلق عليه الأدب السكندرى ، كما تضاعف فى تلك الفترة عدد المؤرخين الاغريق ، ومن اهم اريانوس تلميذ مؤرخ حملة الاسكندر الأكبر ، اما عن الادب اللاتينى فما هو الا فرع من الأدب الاغريقى ، بدأ بعده بزمن طويل وانتهى بعده بزمن طويل ايضا ، وظل دائما يغترف منه جزءا من قواه الحيوية ، ويذكر الكاتب ان الأدب اللاتينى كانت بدايته الحقيقية منذ اللحظة التى اتصل فيها الرومان بالاغريق ، وقرأوا مؤلفاتهم واحسوا بما يغريهم بتقليدها ، مما يعنى انه بدأ فى القرن الثالث قبل الميلاد ، وكان اول ما ظهر فى الادب اللاتينى ينتمى الى النوع الملحمى ، وكانت المسرحيات الكوميدية والمأساوية التراجيدية موجودتين فى ذلك العصر ، ويلاحظ الكاتب انهما اختفتا بعد ذلك ولم يكن لهما وجود فى عصر ازدهار الأدب اللاتينى ، وقد كانت التمثيلية الايمائية ملهاة قومها من العادات الشعبية وكان بها تصوير لطبقات قاع المجتمع من منظور جوانبها الملهاوية ، وبالرغم من التحرر البادى فى المسرحيات الملهاوية الا انها كانت عامرة بحكم اخلاقية رفيعة حفظها النحويون اللاتين ، ويضيف الكاتب ان النثر الأدبى قد ظهر فى روما فى نفس وقت ظهور الشعر ، وكان الخطباء والمؤرخون والكتاب التعليميون هم حملة لواء النثر فى ذلك الوقت .
العصر الوسيط
انفصل الادب الفرنسى فى العصر الوسيط عن اللغة اللاتينية حوالى القرن العاشر والذى بدأ فيه ازدهار الملاحم الكبيرة واناشيد المعارك ، ومن تلك الأناشيد ما تغنت بأبطال طرواده والإسكندر ، اما الشعر الغنائى فلم يكن موجودا فى تلك القرون الا فى جنوب نهر اللوار ، وكانت الحكايات الخرافية “الفابليو” متعة الفرنسيين فى ذلك الوقت ، وهى نوادر منظومة عن مغامرات اكثرها بورجوازية مشابهه لأقاصيص “لافونتين” ويغلب عليها طابع التهكم والسخرية ، اما عن مسرح العصر الوسيط فكان مليئا بالحيوية والأصالة ومطابقا لأحاسيس الشعب وافكاره ، اما العصر الوسيط فى انجلترا فقد اشتمل على ادب كتب باللاتينية ، ونوع اخر كتب بالأنجلوسكسونية ، وكان هناك تأثير ظاهر للأدب الفرنسى ناتج عن الغزو والمعارك ، اما الأدب الألمانى فى ذلك العصر فتنوع بين قصائد ملحمية وقصائد شعبية ، وكانت لالمانيا مسرحها الشعبى والذى شابه نظيره الفرنسى الى حد كبير ، وينتقل الكاتب الى الأدب الايطالى ليذكر انه ارتبط فى العصر الوسيط بأدب “الطروبادور” الذى كان موجودا فى جنوب فرنسا ، وقد كانت نابلى وصقلية مركزا للأدب الايطالى الخالص فى القرن الثالث عشر ، اما الأدب الاسبانى فيذكر الكاتب ان بدايته شابهة الأدب الفرنسى فى انشاد المعارك الا انه خلا من الاعمال العظيمة، اما عن الأدب البرتغالى فقد كان ممتعا على الرغم من انه تطور فى دائرة ضيقة ، وغلب عليه النوع الملحمى والغنائى ، لكنه لم يحقق ازدهارا ملحوظا الا فى القرن السادس عشر ، اما عن الادب الروسى فقد ظهر فى القرن الثانى عشر ما عرف بـ “مدونة نيستور التاريخية” والتى تعتبر أول اثر تاريخى عن روسيا ، وتنوع الادب الروسى فظهر المسرح وازدهرت اللغة الروسية ، كما اثرى الادب الروسى بالعديد من المؤرخين والفلاسفة والروائيين والخطباء ، اما الأدب البولندى فهو مختلف كليا عن الأدب الروسى ، فهو أكثر غربية منه واكثر قياما على اساس الثقافة الاغريقية اللاتينية ، وكان البريق الادبى الاعظم فى القرن السادس عشر ، كما تطور الادب البولندى بمرور الزمن ليحفل بنشاط ادبى كبير ويكون ادبا اصيلا كل الأصالة ، ومازالت بولندا فى العصر الحديث أمة جديرة بالانتباه رغم كونها لعجزها السياسى تكاد تتلاشى من الوجود كأمة ، الا انها تبذل جهدا للاحتفاظ بلغتها وادبها وهى بهذا تبقى على وطنها قويا ، لتستطيع مثل الاغريق والايطاليين عندما تجود صروف التاريخ أن تستعيده يوما ما .
وكتاب “مدخل إلى الأدب” تأليف إميل فاجيه، ترجمة مصطفى ماهر، ونشرته
الهيئة المصرية العامة للكتاب.

إلى الأعلى