الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / إبداع الكاتب .. وجوهر الكتاب

إبداع الكاتب .. وجوهر الكتاب

” ..لأن العلوم والمعارف المتنوعة موجودةٌ ومدونةٌ في بطون الكتب، فلابدّ من القراءة، التي تحيا بها العقول ويستقيم من خلالها الفكر أن تكون مفتاح المعرفة وطريق الرقي, وما من أمة تقرأ إلا ملكت زمام القيادة وكانت في موضع الريادة. ومهما تطورت وسائل المعرفة الأخرى ومهما امتلأ العصر بالوسائل الإعلامية التقنية المتقدمة سيبقى الكتاب مصدر ومنبع بقية الوسائل الأخرى ولا غنى عنه.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منذ أقدم العصور تمثل الكتابة مصنعاً لإنتاج الوعي الاجتماعي, وما كان لأية حضارة حديثة أن تقوم بمعزل عن الكاتب, بل حتى الحضارة السومرية اكتسبت أهميتها من اختراع التدوين الذي ساد تلك المرحلة القيمية والشاهد على ذلك ما تمتلكه مكتباتنا من كنوز حيث إن الكاتب والكتاب كل منهما يكمل الآخر فبدونهما لما كان هنالك قراءة وعلم منجب للمعرفة والثقافة ولذلك هما استندا إلى فلسفة أن الكلمة بدء.
ولأن العلوم والمعارف المتنوعة موجودةٌ ومدونةٌ في بطون الكتب، فلابدّ من القراءة، التي تحيا بها العقول ويستقيم من خلالها الفكر أن تكون مفتاح المعرفة وطريق الرقي, وما من أمة تقرأ إلا ملكت زمام القيادة وكانت في موضع الريادة. ومهما تطورت وسائل المعرفة الأخرى ومهما امتلأ العصر بالوسائل الإعلامية التقنية المتقدمة سيبقى الكتاب مصدر ومنبع بقية الوسائل الأخرى ولا غنى عنه.
يقول الجاحظ (إن الكتاب يقرأ بكل مكان ويظهر ما فيه على كل لسان ويوجد مع كل زمان, وقد يذهب الحكيم وتبقى كتبه ويذهب العقل ويبقى أثره) فالكتاب وعاء من نور يقع بين يدي من يقرأ، وكم يكون الكاتب عظيماً إن كان عصارة فكر ونتاج علم وخلاصة فهم. والكتاب مهم إذا كان ذات فحوى وجدوى باعتباره جسراً فكرياً تنهض وتتقدم به الأمم.
من المسلم به أن الكتاب يتبوأون موقع الصدارة في طليعة المجتمعات, لأنهم بطبيعتهم الإبداعية طليعيون ونهضويون يؤسسون وعي مجتمعاتهم نحو آفاق النهضة والتقدم، وإن كانت الصحافة المكتوبة لاتزال سيدة الموقف، وقد تكون (حاجة القراء إلى المقالة أشد أحياناً من حاجتهم إلى الكتاب) كما قال الأديب المصري محمود محمد شاكر.
إن أهمية الكاتب ليس لشخصه بل لتأثير ما يكتب، وسرّه يكمن في نفس الذات الإنسانية التي تبقيه كاتباً مخفيّاً ضمن جوهره، فالكاتب الجيد يأخذ القارئ بين كلمات كتابه ومقاله ويبحر بين السطور ليصل إلى الشاطئ حاملاً ثقافة تطور منه ومن مجتمعه، وكلما كان دور الكاتب بارزاً ومقدراً ونافذاً إلى مختلف الشرائح الاجتماعية ازداد مستوى الوعي الاجتماعي وارتقت الذائقة القرائية لدى المجتمع وارتفع الحس النقدي البناء في النظر للأمور.
ولكن ما يحدث اليوم من استبدال روائع الفكر والأدب بكتابات سطحية تقتل روح الرغبة للمعرفة جعل من الضرورة تكثيف الجهود في الدعوة والتوعية إلى القراءة الهادفة المنظمة، والاهتمام والتدقيق في اختيار الكتاب والكاتب. وكما قال المؤرخ والفيلسوف الإنجليزي, عاشق دراسة الحضارات (أرنولد توينبي) ( ليست العبرة في كثرة القراءة، بل في القراءة المجدية).
العبرة في خلاصة هدفنا ليس كل كِتَابٍ يستحق القراءة، وليس كل كاتب يستحق أن يُقْرَأ له. ولذلك أصبح من الضرورة بناء المناعة الذاتية أمام ما يقرأ, وأن ليس كل ما يُكتب يصلح لأن يكون قاعدة فكر أو سلوك وأن ليس كل كاتب له دور بناء في المجتمع وليس كل كاتب مميز.
إن الكتابة تأمّلية تفكرية لازمة للساعي إلى ترك بصمة في الحياة، فإما أن تحوِّل كاتبها إلى اسم مؤثر في المجتمع بحكم واقعية الحاجة إلى أفكاره، أو إلى كاتب فريسي أو إلى ما يطلبه القراء، ويكثر النموذجان الأخيران بين الكتّاب.
لقد أصبحت الكتابة وللأسف بضاعة، وبات لابد من انتقاء أفضلها, ولابد من وجود مناعة صحية تلقائية تجاه ما يقرأ، حتى تتم الاستفادة من حاسّة البصر وتحويلها إلى بصيرة. كما لابد للكاتب أن ينظر إلى كلماته بأنها مسؤولية وليست وسيلة شهرة، فمسؤوليتها تتجاوز مسؤولية رجل السياسة، لأن رجل السياسة مهما طالت مدة حكمه لابد أن تنتهي إنما الكاتب لا مدة تحكم تواجده، فهو يكتب طالما هو على قيد الحياة، ويحيا رغم الموت طالما أن هناك من يقرأ له، لتتضخم مسؤولية كلماته أمام نفسه والمجتمع.

سهيلة غلوم كاتبة كويتية

إلى الأعلى