الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / أضواء كاشفة

أضواء كاشفة

ناصر اليحمدي

القمة العربية .. ضجيج بلا طحن
بالرغم من التحديات التي تحدق بأمتنا العربية من كل صوب وحدب والتي تصيب جميع شعوبها بالخوف والهلع على مستقبلها إلا أن دعوات الوحدة والتكاتف من أجل مواجهة هذه التحديات مازالت لا تجد صدى يقضي على تشرذم الأمة وتفككها ويعيد لها مكانتها المفقودة وكلمتها المسموعة ويحقق لشعوبها الاستقرار والأمان في الحاضر والمستقبل ويعزز من جهود توفير التنمية المستدامة المنشودة.
وعندما اجتمع القادة العرب في القمة العربية العادية الـ 27 منذ أيام في نواكشوط العاصمة الموريتانية لم يتفاءل العرب في أن تفضي هذه القمة إلى قرارات حاسمة وحازمة تعبر بالأمة من عنق الزجاجة بل توقع أن تكون كسابقاتها منبرا لإطلاق الشعارات التي بمثابة المخدر للضمير .. وبالفعل خرجت القمة باهتة رغم أن توصياتها براقة إلا أنه كان من المعلوم مسبقا أن هذه التوصيات مصيرها في النهاية الأدراج المغلقة وأنها مجرد ضجيج بلا طحن.
لقد دعا بيان نواكشوط إلى عدة نقاط محورية وهامة في ظل الظروف التي تمر بها الأمة منها التأكيد على وحدة الهدف والمصير وتطوير العلاقات البينية وتجاوز الخلافات القائمة وتأسيس لعمل عربي بناء وهذا بلاشك مطلب كل الشعوب العربية ولكن هل سيطبق على أرض الواقع ؟.. فالـ 26 قمة السابقة دعت لنفس المطلب ولكنه لم ينفذ حتى الآن ومازال الانقسام والتشرذم هو سيد الموقف بالنسبة للوضع العربي.
أما فيما يخص تطوير آليات مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن والسلم العربيين بنشر قيم السلام والوسطية والحوار ودرء ثقافة التطرف والغلو ودعايات الفتنة وإثارة الكراهية فهذا يتطلب تضافرا وتعاونا مكثفا ليس متواجدا على الساحة العربية في الوقت الراهن .. ونحمد الله أن السلطنة تسير على هذا المنهج منذ بداية العصر الزاهر فقيادتنا الحكيمة استطاعت أن تنأى بالبلاد عن منابع الفتنة فجمعت شمل المواطنين بكافة مذاهبهم ودياناتهم وطوائفهم على قلب رجل واحد في تسامح وسلام وتعايش آمن كل همهم مصلحة الوطن العليا التي تحقق للجميع الاستقرار والتنمية والرخاء .. لذلك يجب على كل البلاد العربية أن تقتدي بالسلطنة وتسير على هذا النهج حتى يتحقق لها الأمان والاستقرار المنشود.
وبالتأكيد لم تمر القمة العربية ككل قمة سابقة دون التطرق للقضية الفلسطينية المزمنة وكالمعتاد أكد بيان نواكشوط على دعم الشعب الفلسطيني وتكريس الجهود للتوصل لحل عادل وشامل ودائم يستند إلى مبادرة السلام العربية ومبادئ مدريد وقواعد القانون الدولي والقرارات الأممية ذات الصلة والترحيب بالجهود الأخيرة لدفع عملية السلام خاصة المبادرة الفرنسية وطالبت القمة العربية المجتمع الدولي بتنفيذ القرارات القاضية بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي والانسحاب من كامل الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان العربي السوري والأراضي المحتلة في جنوب لبنان إلى حدود الرابع من يونيو 1967 .. ولكن هل يستجيب المجتمع الدولي؟..
بالطبع المشكلة ليست في المجتمع الدولي وحده بل في الطرف الإسرائيلي المتعجرف المتصلف الذي يعيث في الأرض فسادا واحتلالا وانتهاكا دون رادع أو وازع من ضمير .. فبنو صهيون لن يستجيبوا للمطالب العربية إلا إذا وجدوا أمامهم طرفا قويا يمتلك أوراق ضغط كفيلة بإثنائه عن أفعاله الإجرامية .. أما عبارات الشجب والتنديد والتباكي على الوضع المأساوي الفلسطيني لم تعد تجد صدى ولا يعيرها أحد اهتماما.
كما تناول بيان نواكشوط القضايا الليبية واليمنية والسورية والصومالية والسودانية ودعا شعوبها لتبني الحوار الإيجابي البناء حتى يمكنها التصدي للجماعات الإرهابية التي تفتك بأمنها واستقرارها وتسعى لتقسيمها .. وتناسى البيان أن هذه الدول لن تستطيع أن تحقق الاستقرار دون مساعدة أشقائها .. فلو تكاتفت جهود الدول العربية جميعها وخلصت النوايا لتم حل جميع مشاكل هذه الدول التي يعلم الله وحده إلى أين سينتهي بها الحال.
الغريب أن البيان أعرب فيه القادة العرب عن حرصهم على رعاية العلماء العرب والاهتمام باليد العاملة العربية وتمكينها من الحصول على فرص التشغيل داخل الفضاء العربي وبالرغم من ذلك نرى أن العمال الأجانب في كل بيت وشركة ومصنع .. إلى غير ذلك من التوصيات التي لا غبار عليها.
لقد وضعت توصيات القمة العربية يدها على أماكن الخلل في أمتنا العربية وبالرغم من ذلك فإنها لم تقدم حلولا ناجعة لها .. فمتغيرات المرحلة والتحديات التي تواجه المنطقة العربية جعلت من الاستقرار والأمن والتنمية المستدامة أحلاما تتمنى الشعوب العربية أن تعيش فيها خاصة في ظل انكشاف مخططات التقسيم والإرهاب الذي يضرب جنبات أمتنا والربيع العربي الذي تحول لكابوس وكلها مشاكل تتطلب أفعالا لا أقوال.
لاشك أن الشعوب العربية في حاجة لأكثر من مجرد سرد المشاكل والمطالبة بالتكاتف لحلها بل هي في حاجة للعمل الفعلي وتنفيذ هذه الحلول على الأرض .. فهل يأتي اليوم ونرى قمة عربية حاسمة يلتزم أهلها بتوصياتها ؟.. إنه أمل لو تعلمون عظيم.
* * *
من ينقذ مسلمي ميانمار ؟
عندما أجريت الانتخابات في ميانمار منذ أشهر مع نهايات العام المنصرم اعتقدنا أن عهد الظلم انتهى وأن المسلمين هناك سوف تتحسن أحوالهم في البلد ذي الأغلبية البوذية، خاصة أن هذه الانتخابات التي وصفت بالتاريخية لأنها أجريت لأول مرة منذ 25 عاما استطاعت الإطاحة بالحزب الحاكم الديكتاتوري ليتولى مقاليد الحكم في تلك البلاد الحزب المعارض له لذلك قيل عن هذه الانتخابات وقتها إنها شفافة ونزيهة وديمقراطية.
لكن للأسف لم تتغير أوضاع المسلمين الروهينغيين بل يمكن القول إنها ازدادت سوءا .. فعلى سبيل المثال تم مؤخرا تلفيق تهم لأربعة مسلمين بعدم قانونية امتلاكهم لأراض قررت الحكومة منحها لبوذيين قادمين من بنجلاديش وتم تغريمهم بغرامات باهظة.. كذلك قامت الشرطة الميانمارية بافتحام مدارس ومساجد مسلمي الروهينجا وتفتيشها ورغم أنها لم تجد أي مخالفات قانونية إلا أنها فرضت عليها غرامات مالية أيضا.
الغريب أن بعض الولايات في ميانمار تعرضت لفيضانات وسيول اجتاحت منازل الأهالي وأراضيهم واقتلعت بيوتهم وخلفت عشرات الأسر بلا مأوى .. فقام أحد المسئولين بزيارة هذه المناطق ولم يسمح لأي روهينغي بحضور لقاءاته مع الأهالي المتضررين من الفياضانات وهو ما يعد تمييزا عنصريا بل قامت السلطات بمعاقبة المتضررين المسلمين وفرضت عليهم غرامات مالية باهظة بحجة أنها رسوم للسماح لهم بترميم منازلهم وإعادة بنائها بالجهود الذاتية وذلك بدلا من أن تقدم لهم الدولة يد العون وتساعدهم في توفير المسكن الملائم الذي يقيهم التشرد في العراء ودعمت البوذيين فقط في مصابهم وعاقبت المسلمين.
إن أوضاع المسلمين في ميانمار يندى لها الجبين فهم يتعرضون لأسوأ أنواع الإبادة والتطهير العرقي والديني وكافة الممارسات التي تتعارض مع المبادئ الإنسانية والقانونية .. فيكفي أنهم غرباء في بلادهم لأنهم محرومون من الحصول على الجنسية والتعليم وتقلد الوظائف الحكومية بسبب ديانتهم .. حتى السفر للخارج حتى ولو للحج من يقوم به يشطب اسمه من السجلات ويعد أجنبيا عن بلده إلى جانب أن الزيارات ممنوعة بين الأقارب والأهل إلا بإذن الحكومة ويمنع كذلك المبيت خارج المنزل أما المحاصيل الزراعية التي يحصدونها فإنهم يبيعونها إجباريا للحكومة بأبخس الأسعار وذلك حتى يظل المسلمون مهمشين قابعين في فقرهم وجهلهم ناهيك عن الضرائب الباهظة وكافة مظاهر التعصب والتمييز العنصري .. وهو ما يجعلنا نتساءل أين الأبواق العالمية التي تنعق ليل نهار بالديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات الزائفة التي يرفعها المجتمع الدولي والدول الغربية والعظمى ؟.. ولماذا هذا الصمت على الاضطهاد والممارسات العنصرية المستمرة منذ عقود ؟.. ولم لا يطالب المجتمع الدولي الحكومة الجديدة في ميانمار بمنح الأقلية المسلمة حقوقها الشرعية والإنسانية ومعاملتهم كمواطنين عاديين ؟.
لاشك أن سطوة الرهبان البوذيين أقوى من أي سلطة حيث يستطيعون التحكم في مقاليد البلاد والضغط على الحكومات المتعاقبة لتنفيذ أوامرهم التي لا تمت للديمقراطية بصلة بل تندرج تحت وصف حملات الإبادة والتطهير العرقي وذلك تحت مرأى ومسمع من العالم أجمع ومع ذلك لم نر حتى شجبا أو استنكارا لهذه الممارسات التي تتنافى مع الأخلاق والمبادئ الإنسانية والقانونية .. فالانتقاد دائما يوجه للمسلمين إذا ما قاموا بعمل يتنافى مع هذه المبادئ أما إذا حدث العكس فإن الحال يؤول إلى الصمت المطبق والخرس وكأن المسلمين ليس لهم حقوق أو كرامة.
المؤسف أن رد الفعل المخزي على الانتهاكات الميانمارية ليس نابعا من الغرب فحسب بل من المسلمين حول العالم أيضا .. فالدول الإسلامية تقف مكتوفة الأيدي وتغض الطرف عما يحدث لأشقائنا في ميانمار رغم ما يملكه العالم الإسلامي والعربي من إمكانيات تؤهله للتحرك والضغط على المجتمع الدولي لوقف الإبادة الجماعية التي يشهدها مسلمو الروهينجا.
إن ما تعانيه أمتنا من تفكك وشتات ينذر بانهيارها .. فهل يفيق المسلمون قبل أن يأتي اليوم الذي لا يجدي فيه البكاء على اللبن المسكوب ؟.
* * *
آخر كلام
يقول الزعيم الأميركي مارتن لوثر كنج : لا يستطيع أحد ركوب ظهرك إلا إذا كنت منحنياً.

إلى الأعلى