الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / جمعة خضبت بالدماء

جمعة خضبت بالدماء

الذكرى الثانية لمجزرة رفح ..
الاحتلال يشن 700 غارة جوية خلال 5 ساعات وسقوط عشرات الشهداء والجرحى الفلسطينيين.
غزة ـ الوطن ـ وكالات:
في الصباح، كان الأول من اغسطس مجرد يوم من أيام الحرب، يوم جمعة، وبعد ساعات، صار يوماً لن يمحى من ذاكرة المدينة وتاريخها، شيء طار فوق الجنون، 700 غارة على رفح في خمس ساعات، الشهداء في الشوارع وتحت البيوت المقصوفة، قال لي أحد الشباب هناك: أستطيع الآن أن أكتب مقالاً بسهولة عن يوم القيامة. في الأول من اغسطس من العام 2014، بدأت المجزرة في مدينة رفح، حيث قام جيش الاحتلال الإسرائيلي بكل آلته العسكرية، وبشكل مفاجئ، بقصف مدينة رفح من البر والجو والبحر، دون توقف طوال اليوم ولو لثانية واحدة، وزارة الصحة في تقريرها النهائي عن هذا اليوم، قالت: إن مئة وشخص [101] استشهدوا وأربعمائة شخص أصيبوا بجروح، وكان مشهد المائة وواحد جثة أمام مسجد العودة في اليوم التالي وسط مدينة رفح، مشهداً لن ينساه من رآه طيلة حياته، خصوصاً مشهد عدد من الأمهات وهن يرفعن بوجل الأكفان عن وجوه الشهداء كي يتأكدن أن أبناءهن الغائبين ليسوا مع هذه الثلة من الشهداء. فبعد أن أعلنت الأمم المتحدة عن هدنة لمدة ثلاثة أيام، اخترقتها إسرائيل فجأة لتنفذ المجزرة في مدينة رفح، ووصل الأمر بعد أن تم قصف المستشفيات إلى أن يوضع الشهداء في ثلاجات الخضار والآيس كريم بعد أن فاضت بهم الثلاجات التي نجت من القصف. هذا بالطبع عدا عن الدمار الكارثي الذي أصاب المدينة، حيث تحولت أغلب البيوت في المناطق المقصوفة إلى ركام، وفيما المسعفون يقومون بدورهم المذهل، يستشهد ثلاثة منهم تحت القصف أيضاً، وينزف الجرحى على أرصفة الطرقات، وتدعو المستشفيات كل من لديه خبرة ولو ليوم واحد في الإسعافات الأولية للتوجه إلى المستشفيات التي لم تعد تستطيع تقديم الخدمات لأحد غير تلك الحالات التي على باب الموت، لا أدوية، لا علاجات، لا طرق آمنة لسيارات الإسعاف، الرعب يجتاح المدينة والجثث في، على، تحت كل مكان. أكبر مستشفى في مدينة رفح، هو مستشفى أبو يوسف النجار، يتم قصفه بالمدفعية، فتضطر إدارة المستشفى إلى إخلائه، والامتناع عن نقل الجرحى إليه، ما يزيد من تعقيد الأزمة، ويضع الطواقم الطبية في مأزق جديد، فأين سنذهب بالجرحى بعد أن دمروا أكبر مستشفى في المدينة؟. الجرحى ينزفون حتى الموت في الطرقات، ولا أحد يستطيع أن يفعل لهم شيئاً، وإذا حالف الحظ إحدى السيارات بالوصول إليه، فإنها إما تتعرض للقصف أو لا تتمكن من الخروج من المدينة إلى مستشفيات خان يونس أو غزة، القيامة تقوم في رفح، ولا يمكن للطواقم الطبية أن تدخل من خارج المدينة لتغيث أهلها، لتستمر القيامة. سبب هذا العدد الكبير من الشهداء والجرحى هو خروج الناس نتيجة إعلان الهدنة من قبل الأمم المتحدة “أعلنت من قبل بان كي مون وجون كيري”، كي يشتروا ما يلزمهم بعد أن قضوا أياماً طويلة دون مؤونة أو حليب للأطفال، لم يكن أحد يتوقع أن يتم خرق الهدنة بهذه السرعة، الموت كان يمشي في الشوارع معنا، هكذا عبر أحد من فقدوا عائلاتهم من مدينة رفح. إلى هذا اليوم، تمشي ظلال الجمعة الحمراء بشهدائها في مدينة رفح، ويتذكر الناس كل شيء حين يمرون بباب مسجد العودة الذي يتوسط المدينة، حيث وضعت مئة وواحد جثة متجاورة للصلاة عليها، ويقول أحد الناجين من المجزرة: هل يمكن لأحد أن ينسى مشهداً مثل هذا حتى لو رآه في فيلم سينما؟ فكيف إذن وقد كنا نشم رائحة الدم من تحت الأكفان؟.
سرد روايات ناجين من مجزرة رفح، في ذكراها الثانية؛ ليس لتأكيد ارتكاب الاحتلال الإسرائيلي جرائم حرب بحق الفلسطينيين، فقد أكدت ذلك منظمة العفو الدولية في تقرير صدر عنها أخيرًا، ومنظمات أخرى. ولم يأتِ هذا التقرير لينكأ الجراح، أو يذكر المكلومين بمصيبتهم الملتصقة بذاكرتهم، ولكنه لتذكير العالم بصمته، وتعريفه تفاصيل إنسانية موجعة عن جريمة هي الأبشع في تاريخ الإنسانية. ويروي التقرير جزءًا من هول المجزرة التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين العزل بمحافظة رفح جنوبي قطاع غزة، إبان عدوانه الأخير على قطاع غزة، ويرصد حكايات من أصابتهم شظايا العدوان، وتجرعوا عذابات الموت ألف مرة دون أن يظفروا به. كان ذلك في الأول من (أغسطس) 2014م، حين تحولت التهدئة المعلنة إلى مشاهد مروعة تحت جحيم كثافة نارية ضخمة أطلقتها مدفعية الاحتلال وطائراته الحربية والطائرات دون طيار، فخلفت أكثر من 140 شهيدًا، ومئات الجرحى، ودمرت عشرات المنازل والتجمعات السكانية.

تجربة
وكان يوم الجمعة الأوّل من اغسطس من العام 2014، خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزّة، نقطة التحول في حياة أحمد من يومها اختلف تعريف أحمد للحرب، تغيّرت ماهيتها في نظره، اقترب من سبر أغوارها أكثر، فباتت لوناً أسود، يقيضُ حاضره ومستقبله بالطريقة ذاتها التي طمس بها على ماضيه. يحكي أحمد عن أول الساعات في يوم “الجمعة السوداء” كنّا قد وصلنا للتوّ إلى البيت من منزل عمتي، حيث مكثنا منذ بدء الحرب. عودتنا إلى المنزل كانت بعد إعلان الهدنة المؤقتة، والتي كان من المفترض أن تبدأ مع ساعات الصباح. لكن لم تنقضِ سوى عشر دقائق على وصولنا إلى البيت، حتى عادت القذائف، كسوطٍ لم نكَدْ ننسى لسعاته بعد. حانت مني نظرة إلى الشباك في خضم موجة الرعب تلك، رأيت الناس الذين كانوا لتوّهم قد عادوا إلى منازلهم يهربون إلى الشارع العام، يهربون من الموت، من اللاملجأ إلى اللاملجأ، إلى حيث يقود الخوف أقدامهم. أما أمي التي تملّكها الرعب والأسى فقد صرخت بإخوتي وأمرتنا بالخروج من البيت. حملنا أغراضنا التي أتينا بها للتوّ مستعدين بذلك لرحلة لجوءٍ جديدة. القذائف لا تتوقف. انتظرنا عشر دقائق، أخيراً تمكنّا من الخروج، أنا وأفراد عائلتي نمشي على الأرض المفروشة بقذائف الدبابات وشظاياها، والسماء الملبّدة بالطائرات. خرج والدي وإخوتي الصغار في البداية، وتبعتهم. ولجنا متسلّلين إلى أحد الشوارع الفرعية الموصلة إلى الشارع العام، عشرات الجيران يركضون في الشارع، والكل يترقّب أين ستنفجر القذيفة التالية! أثناء السير في الشارع، على الجانب الأيمن للطريق يد مبتورة، في الجانب الآخر ما تبقى من جسدٍ لم ألحظ هويته، الحرب لا تسلب من أجساد الشهداء ملامحها فقط، بل تسلبنا حواسنا. وقتها رسمت في ذهني العشرات من السيناريوات التي رأيتني فيها جسداً بلا ملامح، صرت أركض هرباً مني، من الخيال، من الموت، أركض، نركض، أجساد الناس موزّعة على الطرقات، عشرات الجثث التي عجنتها الصواريخ: أُمٌ حولها أبناؤها، أخ بجانب أخته، لقد رأيت صورتي على وجوه الشهداء جميعاً. تملكني الخوف من السقوط، مَن يسقط يسقط، لا أحد ينظر للخلف، “يموتُ مَنْ لا يستطيع الركض في الطرقات”، مَن يستطع النفاذ بروحه وجسده كاملاً ينفذ. نركض ونركض والقصف لا يتوقف، الموت يكره أن يفارقنا. وصلنا أخيراً إلى أبواب المستشفى، حيث بدأ الناس بالتجمّع، إذ إنّ المستشفيات في آونة كهذه منطقة نحسبها آمنة تأوينا من لهيب القذائف المُستعرة في الشوارع، هذا ما نقنع أنفسنا به. في أروقة المستشفى جثث كثيرة ملقاة، عشرات من الجرحى، الذين ينتظرون دورهم للعلاج أو للموت. الكثير من الناس في الممرّات يبكون إما على الموتى أو المفقودين الذين انقطع الاتصال بهم، أو من المجهول المقبل. بعد وصولنا إلى المستشفى اكتشفنا أننا ناقصون، اثنان من أخوتي مفقودان، أين ساهر ورامي؟! أشعر أن صوت سؤالي أسمع العالم! نتفقّد ما حولنا، فلا نجدهم. بعد محاولات عديدة للاتصال بهم عرفنا أنّهم لم يتمكّنوا من الخروج من المنزل، فالقذائف كانت تلتهم الإسفلت المقابل لباب البيت، بقيا الاثنان لمدة ساعتين جالسين تحت درج المنزل، منتظرين أن تسنح لهم الفرصة حتى يتمكنوا من النفاذ من موتٍ محتمٍ يترصد خطواتهما، أو لعلهما كانا “محظوظين جداً” إذا قررت قذيفة ما أن تنتزعَ روحيهما من دون أن تُخلفهم جريحين بأضرارٍ جسيمة، يا لبؤسنا، إننا نبكي الموتى ونحسدهم. أحيانًا نتمنى مصيرهم. بعد لحظاتٍ من وصولنا إلى المستشفى بدأت القذائف تنهمرُ قبالة باب المستشفى. أعلمتنا الأطقم الطبية بأنَّ ثمةَ تحذيراً من جيش الاحتلال الإسرائيلي بوجوب إخلاء المستشفى. صار علينا عندها أن نكمل طريقنا إلى وسط المدينة سيراً على الأقدام. كان استقلال أي مركبة متحركة بمثابة انتحار، الطائرات تقصف كل شيء متحرك من السيارات إلى الدراجات النارية، حتى سيارات الإسعاف تم قصفها. كل شيء يتحرك على الأرض كان هدفاً للطائرات. انطلقنا من المستشفى مع عشرات العائلات، الكل يهرول على جانب الطريق. أثناء سيرك لا بد أن تمر بأكوام من الحجارة كانت قبل لحظات عمارات قائمة، وبجثث كثيرة لأناس كان يسيرون منذ لحظات فقط. لا أعلم كم من الوقت استغرقه ذاك الطريق حتى وصلنا إلى ما يُعرف بوسط المدينة بهدفِ اللجوء إلى أحد مدارس “الأونروا” أملاً بتوفير الأمان والحماية. تفقد عندها الإحساس بكل شيء، تصبح خارج الزمان والمكان، كل ما تفكّر فيه فقط (أين سينزل الصاروخ القادم، بمن ستفتك القذيفة التالية، مَن الذي سنودّعه للأبد بعد لحظات)، تحاول أن تُفكِر بكل شيء إلا أن تكون أنت الضحية التالية، تحاول الهرب من خيالك ولا تستطيع. عندما وصلنا بدأنا بتفحّص أجسادنا. لقد نسيت أن تفكر في جسدك، في الرضوض وفي تعب المسير، أنت لم يتسنَ لك أن تطمئن عليه! بقيت هذه الساعات غصّة ولعنة تلحق بي وأجرّها خلفي، ظلي الذي لم أختره. إنّه يتربّص بي في كل يوم. حتى اليوم، وفي كل يوم جمعة أتلمّس جسدي عندما أستيقظ. أنا لستُ واثقاً بأنني خرجت سليماً. أنا لم أنجُ، أنا في كابوسٍ أبدي”.

جرائم حرب

الشاب إبراهيم مصطفى غنيم (31 عامًا) من سكان حي التنور شرق رفح، استشهد والده وزوجة أخيه وأصيب أخوه وزوجة والده وأخته، روى لصحيفة “فلسطين” مشاهد لن ينساها طوال حياته حين انهالت عليهم القذائف والصواريخ فجأة. وقال غنيم: “كنا جالسين في المنزل نتناول طعام الإفطار، كنا نسمع أصوات إطلاق نار وقذائف مدفعية، لكنها كانت بعيدة في المناطق الشرقية، وفجأة تقريبًا الساعة التاسعة أصبح صوت القذائف عاليًا وقويًّا، وتلبدت السماء بجميع أنواع الطائرات: الاستطلاعية و(الأباتشي) والحربية”. وأضاف: “بقينا جالسين في المنزل خوفًا من إصابتنا بالشظايا، تقريبًا الساعة التاسعة ونصف وخمس دقائق سقطت قذيفة أمام باب الغرفة التي نجلس بها، شوهت المنزل، وارتقى على الفور والدي إبراهيم مصطفى غنيم، وزوجة أخي نهى جمال يوسف غنيم شهيدين”. وتابع: “من صعوبة الضربة والقصف أصبنا جميعًا بغيبوبة، لا أعلم كم استمرت من الوقت، لكنني بعد أن أفقت منها وجدت الغرفة مليئة بدخان أسود يمنع الرؤية، خرجت من الغرفة لأتنفس، وعدت بعد وقت قصير، فوجدت شقيقي وقد أصيب في ظهره وغارقًا بدمائه، فأخذته إلى باب المنزل فوقع مني ولم أستطع حمله”. وأكمل حديثه: “خرجت من المنزل بهدف استدعاء إسعافات، وصلت إلى مدخل التنور فوجدت جريمة كبيرة، نساء وأطفال بعدد كبير ملقون في الشارع نتيجة قصف عمارة أبو شوارب، مقابل البلبيسي”، لافتًا إلى أنه وجد سيارة إسعاف وأخبر المسعفون بحالتهم داخل الحي، فقالوا له: “لا نستطيع؛ فأعداد المصابين والشهداء هنا كثيرة”. وأشار غنيم إلى أنه واصل المشي تحت القصف وأصوات الطائرات حتى وصل إلى شارع دير ياسين، ووجد هناك سيارة إسعاف فرافقها إلى المنزل، قائلًا: “دخلت الغرفة فتجلت الصورة ووضحت الأمور أمامي، وجدت أبي غارقًا بالدماء وبدا فاقدًا روحه، كذلك زوجة أخي، أما أختي فوجدنا أطرافها الأربعة مكسورة (أجري لها عمليات كثيرة بغزة ومصر)، ووجدت أحد جيراني الذي يعمل بمجال التمريض يجري الإسعافات الأولية لأخي”. وتابع: “نقلنا بسيارة الإسعاف المصابين وذهبنا إلى مستشفى النجار، هناك طلبت سيارة إسعاف للعودة إلى المنزل من أجل انتشال الشهداء، فأرسلت معي بصعوبة بعد وقت من الرجاء والتوسل، لصعوبة الموقف والقصف العشوائي، وأخرجنا أبي وزوجته، والباقين الذين لم يصابوا بأذى”. ووصف غنيم ما حدث بأنه مجزرة بشعة بحق الإنسانية، قائلًا: “نحن نطالب بمحاسبة الاحتلال الإسرائيلي المجرم، ونريد من السلطة الفلسطينية أن تتحرك في المحافل الدولية ولا تبقى نائمة، وسكوتها حتى هذه اللحظة لا يعني إلا شيئًا واحدًا، وهو أنها متواطئة مع الاحتلال”.
المسألة

أما فتحي حربي شيخ العيد الذي يسكن بمنطقة مشروع عامر فقد استشهد شقيقه محمد ووالده حربي يوم المجزرة، عاد بذاكرته إلى الوراء خلال حديثه ، مشيرًا إلى أنه سمع في الأخبار بعقد هدنة إنسانية، فتوجه إلى المنزل برفقة والديه وأشقائه وعائلاتهم (زوجاتهم وأطفالهم). وقال: “أنا ذهبت إلى السوق من أجل اشتراء حاجيات المنزل وطعام الغداء ليوم الجمعة، اتصل بي أخي وقال: (لا تعد إلى المنزل، لقد قررنا الخروج منه مرة أخرى لاشتداد القصف)”، مشيرًا إلى أن المنزل كان يحوي عددًا كبيرًا من الأطفال، والجميع يجب أن يغادره إلى منطقة البلد أو حي الشابورة، ولا يوجد إلا سيارة واحدة. وتابع شيخ العيد: “ركب أخي سائقًا لها وخلفه والدي وأخي، ووالدتي بجانبه، وعند وصول السيارة إلى مفرق مشفى النجار ما يسمى “كف المشروع” سقطت قذيفة قرب السيارة، فاستشهد والدي على الفور، أما شقيقي السائق فاستشهد بعد خمس أيام متأثرًا بالإصابة”. وأضاف: “والدتي أصيبت وأخي الثاني، ولم أعرف ما حدث معهم إلا بعد وقت طويل من الانتظار الصعب، بسبب انقطاع الاتصالات تمامًا عن رفح، وحاولت الوصول إلى المستشفى بالسيارة، لكن لم أستطع لشدة القصف، فحاولت الوصول إليها مشيًا على القدمين ولم أستطع”. ووجه رسالته بعد مضي عامين على المجزرة المرتكبة بحق المدنيين إلى مؤسسات حقوق الإنسان، قائلًا: “جاؤونا مرارًا وتكرارًا، وأخذوا إفاداتنا وشهاداتنا دون أن يحركوا ساكنًا، عليهم أن يصعدوا الأمر إلى أعلى مستوى”.

وطالب شيخ العيد السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس بقرار سياسي والتحرك تجاه المحافل الدولية، ورفع ملفات جرائم الحرب إلى محكمة الجنايات الدولية، قائلًا: “ما حدث في يوم الجمعة الأسود ليس له علاقة بمقاومين، لأن جميع من استهدفوا في ذلك اليوم مدنيون لا علاقة لهم بالمقاومة أو حمل السلاح”.
عدوان لايرحم مسن
ولا يمكن لفادي وحيد أبو جمعان (24 عامًا) أن ينسى مشهد استشهاد جدته التي تبلغ من العمر (77 عامًا) أمام عينيه، عندما كان يرافقها في عملية الهروب من النار والقذائف والقصف. أبو جمعان بين أن جدته كانت بصحة جيدة، قائلًا: “سمعنا بالهدنة، جئت المنزل في منطقة المشروع، كما باقي الناس الذين أرادوا العودة إلى منازلهم بعد مدة طويلة من الحرب ليتفقدوها”.
وتابع: “جلست أمام المنزل برفقة شباب من أبناء الجيران، فسمعنا أصوات إطلاق نار، ففتحنا نقاشًا عن ماهيته، وعن الهدنة أما زالت سارية المفعول أم اخترقت، وما هي إلا دقائق حتى ظهرت طائرة مروحية وأطلقت صاروخًا”. وأضاف: “تقريبًا الساعة التاسعة والربع بدأ القصف يشتد، وحينها وصلت جدتي برفقة زوجة عمي وأحفادها إلى المنزل، فقلت لجدتي: “لندخل المنزل حتى لا تصيبنا الشظايا”، فرفضت وقالت: “لنخرج مثل باقي الناس”، فرافقتها في رحلة الهروب من الموت”. وأشار أبو جمعان إلى أن جدته كانت تحمل كيسًا به ملابس خاصة بها، وآخر به دجاج مذبوح اشترته من السوق من أجل تجهيز طعام الغداء، تابع: “فحملت عنها الأكياس وهي حملت حفيدًا لها (ابن عمي) في سن ثلاث سنوات اسمه إبراهيم، ومن شدة القصف كانت لا تستطيع الالتفات إلى الخلف”. ومضى يقول: “ونحن في طريقنا نحو الشارع العام أبلغنا أحد الجيران أن منزلنا قصف، فسمعته جدتي وقالت: “المال معوض”، وصلنا إلى الشارع العام شارع البلبيسي، كنت أمامها أجري، ونظرت إليها خلفي، انتظرتها قليلًا وأخذت منها الطفل لأخفف عنها”. قلت لها: “شدي حيلك وتحركي بسرعة”، فقالت لي: “اذهب ولا تنتظرني”، فقلت لها: “كيف أتركك؟!”، أنا اجتزت بعض أمتار وأصبحت في منتصف الطريق، وهي خلفي تجتاز الطريق، فجأة أصبحت الدنيا سوداء وسمعت صوت انفجار قريب جدًّا” قال أبو جمعان. وأكمل: “نظرت إليها، ولأنها تلبس “داير” و”قنعة” لونهما أسود لم أرها، قلت في نفسي وأنا أنظر إليها: “أستخرج حية من القصف أم لا؟”، المشهد استغرق لحظات، لكنني شعرت به كأنه سنة كاملة”. ومضى يقول: “جريت نحوها، ورميت الأكياس والطفل، فوجدتها مصابة بشظية في يدها وثانية في رقبتها وأخرى في صدرها، فصرخت: “إسعاف إسعاف إسعاف”، لقنتها الشهادة وارتقت روحها وهي مسندة على يدي”. وأشار إلى أنه حملها وأدخلها في إحدى سيارات الإسعاف، وبقي يبحث عن الطفل، لكنه لم يجده، فظن أنه استشهد وخرج من المنطقة نحو المستشفى، قائلًا: “الطفل وجدناه مع عائلة المهموم بعد ثلاثة أيام في مدرسة إيواء، وقالوا لنا: (إنه كان مع ثلاث نساء، طالهن قصف فاستشهدت اثنتان، ونجت الثالثة التي كانت تحمله)”. وأضاف أبو جمعان: “إن الموت والقصف لاحقاني وأنا جالس في مستشفى النجار الذي طال القصف ساحته والمنطقة التي أمام بوابته”، مبينًا أن طريقة الدفن كانت صعبة، ولا يسمح إلا لمرافق واحد أو اثنين مع كل جثة لدفنها، علاوة على عملية البحث الشاقة بين جثث الشهداء في ثلاجات الخضار. وأكد أن ما حدث “مأساة كبيرة”، قائلًا: “يجب ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين ومعاقبتهم في المحافل الدولية، وإظهار فضائحهم وجرائمهم للعالم”.

إلى الأعلى