الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / معالم على طريق اقتصاد المعرفة

معالم على طريق اقتصاد المعرفة

**
تؤثر تكنولوجيا الاتصالات وتقنية المعلومات بشكل كبير ومتزايد على الاقتصاد العالمي والاقتصادات الوطنية في شتى بقاع العالم وذلك لما تملكه من مقدرة على زيادة الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية وتطوير الخدمات العامة للجمهور، لذا فإننا نرى أن أغلب الرؤى الاقتصادية والتنموية تتضمن بناء اقتصاد قائم على المعرفة كجزء أساسي لتحقيق التنمية المستدامة، إلا أنه ينبغي الإدراك بأن تطوير الاقتصاد القائم على المعرفة في أي مجتمع مرتبط ارتباطا وثيقا بآليات عمل الحكومات ومدى مرونتها وقدرتها على التغيير والتطوير لكي تتواكب مع خصائص التقنيات الحديثة. فالاقتصاد ومجتمع المعرفة يحتاجان إلى المناخ الحيوي لكي ينموا ويزدهرا ويفيدا، وبالتالي فإن ايجاد اقتصاد معرفي يحتاج أن يوضع في السياق الأوسع للسياسة الوطنية لتطوير الاقتصاد وقبله تطوير الحكومة لتكون متواكبة مع المتغيرات ومستجيبة لتطلعات مواطنيها الاقتصادية والخدمية.
إن الفشل في إدراك حقيقة أن التقنية ما هي إلا أداة وأن الهدف الأول والأخير هو إيجاد حكومة حديثة واقتصاد حديث وراء الكثير من التعثر الذي شهدته العديد من دول العالم النامي وذلك لكون هذه السياسات لم تتحلًّ بالوضوح في الرؤية.
أوجدت ثورة الاتصالات والمعلومات فرصًا هائلةً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي إلا أن الاستفادة منها وترجمتها لمنافع اقتصادية واجتماعية يتطلب استراتيجيات متسقة نابعة من واقع المجتمع وتنفيذ أمين، ورقابة فاعلة، فالابتكار يعتبر روح وعصب وقلب الاقتصاد المعرفي ولا يمكن أن يوجد اقتصاد معرفي مستدام بدونه، إن ذلك ينبع من أن صميم الوعد في الاقتصادات المعرفية هو القدرة على تحقيق منفعة وبالتالي عوائد أكبر عن طريق الاستخدام الأمثل للتقنية والمعلومات لتحقيق التنافسية وبالتالي الربحية والعائد الاقتصادي، وهنا نجد أن دولنا الخليجية لديها فرصًا بما تملكه من موارد بشرية تمثل ما يقارب نصف عدد المواطنين وتحديات يفرضها واقع التعليم وهو المغذي والمولد للابتكار، وقد عمدت عدة دول في الأقليم إلى إنشاء مراكز للابتكار، ووجهة نظري بأنها لن تكون فعالة إذا حصرت نفسها في السوق المحلية لتكون الجمهور المستهدف ومصدرًا للعقول مولدة للابتكار، فالدول المبتكرة هي في غالبها منفتحة ومستقطبة للكفاءات. كما أن الارتقاء بقطاع الاتصالات من أهم البرامج المطلوبة لإيجاد اقتصاد معرفي منافس، وهنا ظنت العديد من دولنا بأن المنافسة المقننة المحدودة يمكن لها أن تحقق ذلك، لكن التجربة بعد عقد من الزمن لم تأت بالتغيير المطلوب، وكان لسنن الاقتصاد أن تعلمنا إن الاقتصاد واحد. وإذا ما اعتبرنا دولاً مثل أيرلندا والهند، وماليزيا، وسنغافورة أمثلة ناجحة للسياسات الوطنية نحو اقتصاد المعرفة فإننا سنجد أن حكوماتها قد وضعت ثلاثة أنواع من السياسات لتحقيق الاقتصاد المعرفي: (1) تقديم الدعم للإنتاج المحلي للتكنولوجيا (2) تشجيع استخدام التكنولوجيا في القطاعين العام والخاص (3) الاستثمار في البنى الأساسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات ورآس المال البشري ورآس المال المخاطر.
إن بناء اقتصاد معرفي وطني منافس دوليا وقائم على إنتاج التكنولوجيا والاستخدام الفاعل للمعلومات يحتاج إلى تآزر بين العرض والطلب على المستوى المحلي بداية لكي يسهل تسويق الابتكارات والتكنولوجيات إقليميا وعالميا. ولكي يتم ذلك فلابد من وجود برامج لتشجيع ودعم وحماية الشركات الوطنية العاملة في هذا المجال. كما ينبغي وجود برامج لحث أو حتى إلزام القطاعات التقليدية من صناعة وزراعة وإنشاءات وغيرها على الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا لمعالجة ضعف تنافسية هذه الاقتصادات كما هو مذكور قي تقارير التنافسية التي ينشرها المنتدى الاقتصادي العالمي. إن كل ذلك سيولد طلبا محليا أكبر على التكنولوجيا وهو عامل أساس لكي تصل للمنافسة على المستوى الدولي، كما ينبغي إعادة النظر في منهجية الحكومة الالكترونية التي تعاني من التعثر على الرغم من مرور ما يزيد من عشر سنوات منذ إطلاق استراتيجية عمان الرقمية، فالقطاع العام لا يزال أكبر منفق حيث يمثل جزءًا كبيرًا جدًا من الإنفاق المحلي. كما إن تحقيق طلب محلي أكبر على التكنولوجيا يحتاج إلى قدرات تقنية وإدارية قادرة على إدخال التكنولوجيا بنجاح في معاملات القطاع الحكومي والقطاع الخاص، هذا ناهيك عن المهارات المطلوبة لكي تبتكر وتنافس في الصناعة التكنولوجية المعولمة وعالية التنافسية، لذا وجب الاستثمار في تنمية القدرات البشرية الوطنية بتطوير مهارات مخرجات التعليم العام والعالي في طرق الابتكار ومهارات اكتساب المعرفة وريادة الأعمال. وكما هو معلوم فإن وجود البنى الأساسية التقنية من اتصالات ومراكز بيانات على مستوى عالمي، عوامل ضرورية لخلق اقتصاد معرفي منافس عالميا.
يتطلب بناء اقتصاد معرفي فهما واضحا لما ينبغي تحقيقه وهو بناء دولة حديثة في الحكومة والاقتصاد والمجتمع، هذا الوضوح (في الفهم) حيوي ومهم. كما يتطلب العمل على جانبي الطلب والعرض وتوفير الموارد البشرية والبنى التقنية اللازمة وهي مكونات حيوية مترابطة بعضها ببعض، فالطلب على المنتجات والخدمات التكنولوجية يشجع زيادة في العرض، وكذلك فإن وجود ابتكارات تكنولوجية جيدة تشجع على الزيادة في الطلب. كما ينبغي علينا أن ندرك أن نقص مهارات مخرجات التعليم يؤثر في استخدام التكنولوجيا وإنتاجها، لذا لابد من تطوير التعليم وتعزيز التدريب لمن هم في سن العمل على مهارات اقتصاد المعرفة، كما يمكن النظر في استقطاب العقول المبتكرة والأولى تشجيع أبناء الوطن الذين يعملون في الخارج في شركات التكنولوجيا العالمية على العودة ودعمهم، إن اتباع سياسة وطنية لبناء اقتصاد المعرفة ينبغي أن يكون أولوية وطنية فهي يمكن لها ان تكون محركا للنمو وخلق فرص عمل مجزية جاذبة للشباب الشريحة الأكبر من المواطنين. كما إنها ستسهم اكثر من أي شي آخر في بناء اقتصاد متنوع حديث قادر على امتصاص تقلبات الاسواق العالمية السلعية. والأهم هو الإدراك بأن بناء صناعة معرفية كبناء أي صناعة أخرى، يتطلب تدخلا حكوميا ودعما في مجال السياسات وبرامج الدعم المالي والحمائي وغيرها من جوانب الدعم الأخرى.

يوسف بن علي الحارثي
باحث في الاقتصاد المعرفي

إلى الأعلى