الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / السياسة / قلنديا .. نموذج للصمود الفلسطيني ضد السرقة الإسرائيلية

قلنديا .. نموذج للصمود الفلسطيني ضد السرقة الإسرائيلية

عاشت 8 ساعات غيرت المشهد
ـ هدم المنازل الفلسطينية تحول لمجزرة حقيقية استهدفت الحجر
ـ فلسطيني1: سأجلس كل يوم على ركام منزلي، ليعلم المحتل أن هذا الفعل لن يحيدنا عن الطريق
ـ فلسطيني2 : ثابتون على أرضنا مهما هدموا سنبني نحن أصحاب حق وهم إلى زوال
ـ الاحتلال يسعى إلى تهجير الفلسطينيين كجزء من الصراع الديمجرافي لإحداث التفوق العددي في القدس المحتلة
القدس المحتلة ـ الوطن ـ وكالات:
في السهل الشمالي لمدينة القدس يتربع مدرج مطار القدس الشرقية المعروف شعبيا بمطار قلنديا، يفصل جدار بارتفاع 9 أمتار بينه وبين قرية قلنديا التي يقطنها قرابة 2000 نسمة من أهالي القدس، وعلى الجانب الشرقي للقرية يتربع مخيم قلنديا، في حكاية تجمع المخيم والقرية والمطار. قلنديا القرية الوحيدة في الضفة الغربية التي تجمع تلك الحكاية، فبعد إغلاقها وحصارها بجدار الفصل العنصري، والسعي لدفع اهالي القدس للخروج منها إلى محيط القرية وقرية كفر عقب المجاورة، بدأ استهداف منازل اهلها وهو ما حدث نهاية الأسبوع الماضي من خلال تدمير 12 منزلا تضم 25 شقة في القرية. على الجانب الآخر من الجدار وتحديدا في مستوطنة “عطاروت” المقامة على أراضي قرى قلنديا وبيرنبالا وبيت حنينا، يعمل الاحتلال ليل نهار من اجل تحويل مدرج مطار قلنديا وأراضٍ محيطة به لمستوطنة جديدة، بعد ان أعلن الاحتلال أنه ينوي البناء في محيط مطار القدس التاريخي، الذي كان يستخدم من قبل حكومة عموم فلسطين حتى النكبة عام 1948. قرية قلنديا يخضع جزء منها لبلدية الاحتلال في القدس، وتسري عليها قوانين تلك البلدية العنصرية والمتطرفة، فيما يخضع الجزء الآخر للإدارة المدنية التابعة للاحتلال، الذي يصنف “ج” حسب اتفاقات اوسلو، والجزء الثالث المصنف “ب” يخضع للإدارة الوطنية الفلسطينية. الاحتلال يسعى حاليا لتحويل نسبة الفلسطينيين في القدس المحتلة، من 36% في العام 2008 إلى 12% في العام 2010 وفق إحصائيات صادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، عبر دفع المواطنين الفلسطينيين لخارج القدس والتكثيف من المستوطنات وإكمال حصار القدس بالمستوطنات، وقلنديا هي الجزء الأبرز من هذا المشروع. يوسف عوض الله رئيس مجلس قروي قلنديا، يقول “إن القرية تكرس حكاية صمود منذ أوائل القرن الماضي، حيث صمدت في وجه العصابات الصهيونية، وبعد ذلك في وجه الاحتلال الإسرائيلي، كما استوعبت فوق أرضها قرابة 20 ألف لاجئ في مخيم قلنديا، كما أنها تقاوم اليوم بما تبقى من بضع مئات من الدونمات يسعى الاحتلال للسيطرة عليها. ويضيف: ” جرى هدم 12 منزلا من القرية تؤوي عشرات المواطنين، بعد ان تم إخطار سكان تلك المنازل قبل أيام من هدمها، ما يؤكد عزم الاحتلال على هدمها رغم تلك الإخطارات، كما أن الاحتلال لم يكتف بذلك، بل حضر بعد هدم المنازل ووزع إخطارات هدم جديدة في القرية، ما يعني أن استهداف المنازل لن يتوقف وستتكرر مأساة الأهالي هناك. ووصف الصحفي محمود عوض الله، وهو شقيق اثنين من أصحاب المنازل التي تم هدمها، والتي كانت على وشك الإنجاز، ما قامت به جرافات الاحتلال على مدى ساعات، بأنه مجزرة حقيقية لمنازل المواطنين الذين هالهم ما رأوه، فتصدوا للجرافات، بيد أن قوات الاحتلال استدعت تعزيزات كبيرة للقرية، وأمطرتهم بالغاز المسيل للدموع وغاز الفلفل، واعتدت عليهم بالضرب بالهراوات. عملية الهدم كما يقول عوض الله، تمت في منطقتين، تخضع الأولى لبلدية الاحتلال في القدس بعد أن صنفوها هكذا، أما المنطقة الثانية فتخضع لسلطة ما يسمى بـ”الإدارة المدنية” التابعة لجيش الاحتلال، والسلطتان -أي البلدية والإدارة المدنية- لهما أنظمتهما الخاصة فيما يتعلق بالبناء، ولكن الهدم حين يتعلق بالفلسطينيين تتوحدان، وتوحد وزارات الاحتلال المختلفة التي أعلنت تارة مصادرة الأراضي، وتارة استملاكها، في حين معظم أراضي قلنديا البلد مملوكة لأصحابها بموجب “الكواشين” والطابو ومسجلة رسميا. وقال عوض الله: إن قرار هدم المنازل كان سياسيا بامتياز كما أكد المحامون المتابعون لقضايا المواطنين، ودليل ذلك أنهم لن ينظروا في الالتماسات المقدمة من قبل المواطنين، بهدف إبقاء قرية قلنديا محاصرة وضيقة للسيطرة على اراضيها لصالح بناء مستوطنة ستقام على أرض المطار، خصوصا أن موقع القرية استراتيجي بالنسبة للاحتلال، ففيها مطار وهي قرية من القدس وتمر منها طرقات تربط شرق فلسطين بغربها وشمالها بجنوبها. أصحاب المنازل المهدومة يؤكدون أنهم تعرضوا لعملية تضليل من قبل الاحتلال بهدف هدم منازلهم، وفي هذا السياق يقول صلاح موسى صاحب أحد المنازل المهدومة “إن الاحتلال قام بوضع إخطار الهدم خلف المنزل يوم الأحد الماضي، ولم نكتشف ذلك إلا في منتصف اليوم التالي، وبعد يوم فقط تمت عملية الهدم ما يعني استحالة التوجه لقضاء الاحتلال غير العادل أصلا من أجل وقف عملية الهدم”. في ذات السياق، يقول محمد أبو شلبك “إنه أثناء تواجده بمنزله فوجئ بقنابل الصوت تنطلق صوبه وعائلته، وعندما حاول الاستفسار عما يحدث اخبره الجنود أن عليه إخلاء المنزل وقاطنيه وأثاثه وممتلكاته في خمس دقائق فقط، لأنه صدر بحقه قرار بالهدم وسيهدم فورا، وقال إنه من المستحيل القيام بذلك لذا هدم المنزل على محتوياته. ويقول رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الوزير وليد عساف، إن منطقة قلنديا تتعرض لمحاولة سيطرة من قبل الاحتلال الإسرائيلي لإجلاء الناس عنها باتجاه مناطق أخرى، وهذه محاولة لتفريغ القدس الشرقية من الفلسطينيين. واعتبر عساف أن ما جرى في قلنديا هو عبارة عن جزء من مخطط إسرائيلي لتهويد مدينة القدس وتهجير اهلها الفلسطينيين، وعدم السماح بالبناء في المناطق والتجمعات الموجودة داخل القدس، مشيرا الى ان عدم منح تراخيص بالبناء للمواطنين الفلسطينيين يقع في نفس إطار خطة التهجير، لافتا الى هناك مخططا لبناء حي استيطاني كبير في محيط مطار قلنديا، لمنع استخدامه كمطار فلسطيني، ولاستكمال بناء الطوق الرابع حول القدس لتهويد المدينة. وقال، “إن ما يجري في قلنديا هو تنفيذ لمخططين: الاول بناء وحدات سكنية على جزء من المطار، والثاني بناء مصانع عسكرية على الجزء الآخر، وعمليات الهدم الجماعية التي تمت هناك تؤكد مساعي الاحتلال للسيطرة على هذه المنطقة، رغم ان الأراضي هي ملك للمواطنين الفلسطينيين، في حين يبني المستوطنون في مختلف أرجاء الضفة ولا يتحرك احد لوقفهم، رغم حديثهم عن وجود بؤر استيطانية غير حاصلة على ترخيص من دولة الاحتلال. وأشار عساف إلى أن الاحتلال يسعى إلى تنفيذ مشروع يقضي بتهجير بدو بادية شرق القدس، وهذا جزء من الصراع الديمغرافي الذي يحاول من خلاله احداث التفوق العددي في مدينة القدس. وأوضح عساف أن عمليات الهدم لهذا العام وصلت إلى 590 عملية، مؤكدا أن هذا الرقم تجاوز مجمل عمليات الهدم طوال العام الماضي التي بلغت 557 حالة هدم، في حين أن إخطارات الهدم ووقف البناء وصلت إلى 444 إخطارا منذ بداية العام الجاري. ويرى الخبير والمختص في شؤون الاستيطان خليل التفكجي، أن التسارع في بناء المستوطنات الإسرائيلية ضمن مخطط إسرائيلي “القدس 2020″، يأتي لتوسيع نطاق حدود بلدية الاحتلال في القدس، والغاء مطار القدس في قلنديا”. وقال التفكجي إن الحكومة الإسرائيلية قررت في العام 1973 خفض نسبة الفلسطينيين في القدس الى 22%، وفي تلك الفترة شرع بالاستيلاء على الاراضي وسحب الهويات وهدم المنازل، فهدم المنازل تحت حجج مختلفة هي وسيلة لتهجير أبنائنا وتقليص نسبة الفلسطينيين في القدس. وأضاف التفكجي إن “المشروع الإسرائيلي لتوسيع المستوطنات القائمة في الجزأين الشمالي والغربي من مدينة القدس، هو لتنفيذ مخطط إسرائيل الكبير في تهويد المدينة المقدسة، وإن التسارع في بناء المستوطنات يأتي ضمن مخطط “القدس 2020″، الذي سيضم 58 ألف وحدة سكنية استيطانية”، مشيرا الى أن إسرائيل تنفذ مشاريعها الاستيطانية في بناء وحدات سكنية بشكل تدريجي ومتسارع، لتصل إلى أكثر من المعلن عنه. وأشار إلى مشروع إسرائيلي خطير ببناء 15 ألف وحدة سكنية في محيط قلنديا، بهدف القضاء على مطار مدينة القدس المنتظر للدولة الفلسطينية المستقلة، معتبرا المشروع “مرحلة من مخطط التخلص من الفلسطينيين في المدينة المقدسة، لرسم خارطة جديدة على أرض الواقع في القدس المحتلة”. وكان التفكجي قد حذر عام 2005 من مخطط إسرائيلي للاستيلاء على مطار قلنديا بشكل كامل. في ظل تواصل عمليات تجريف أراضي المواطنين القريبة من حاجز قلنديا العسكري، القريب من المطار شمال مدينة القدس. ولم ينتظر جنود الاحتلال الإسرائيلي أن يخلد الأهالي للنوم للدخول وتنفيذ جرائمهم كالمعتاد، فما أن أصبحت الساعة العاشرة مساء، حتى اقتحم عشرات الجنود المدججين بالسلاح وتعززهم الآليات العسكرية المتنوعة قرية قلنديا شمال القدس المحتلة. كان الوضع هناك أقرب إلى مجزرة، بالرغم أنها لم تكن هذه المرة ضد البشر بشكل مباشر، بل كانت ضد الحجر، مستخدمين المجنزرات العسكرية والجرافات الكبيرة لتدمير 11 منزلا في القرية تقع بمحاذات مطار القدس المدمر، وذلك في غضون ثماني ساعات متواصلة لم يسمح فيها للأهالي من النوم. بدر حسن سلامة، أحد أصحاب المنازل المهدمة، يقف أمام ركام منزله المكون من ثلاثة طوابق، لم يبقى منه شيء إلا ذكريات العمل والحلم. يقول “إن جرافات الاحتلال شرعت بهدم المنزل حوالي الساعة العاشرة مساء، ورغم كل المحاولات في إخبارهم أن المبنى مرخص من قبل بلدية الاحتلال في القدس، وأنه تم البناء على أساس الترخيص، إلا أنهم هدموه أمام عيني”، مضيفا “هذا انتقام، حرب، ما يسعى له المحتل هو تهجيرنا عن أرضنا، لكننا ثابتون ولن نرضخ لسياسة المحتل النازي”. وتابع “بنيت المزل منذ أكثر من 25 عاما، كل زاوية في المنزل لها ذكرى في حياتي، لكن لم يبق شيء منه، أصبح ركاما على الأرض”. وعلى الجهة المقابلة، يقف طارق أبو شلبك وقد رسم الشقاء والتعب ملامح وجهه، ينظر إلى منزله الذي حول إلى ركام، وتعابير الأسى والحزن تبدو واضحة عليه. يقول طارق “الاحتلال كعادته يرتكب المجازر، وما حدث اليوم في قلنديا هو مجزرة فعلا، أول مرة أسمع في حياتي أن المحتل هدم عددا من المنازل خلال ساعات معدودة، هذه نكبة جديدة”. ويضيف “سأجلس كل يوم على ركام منزلي، ليعلم المحتل أن هذا الفعل لن يحيدنا عن الطريق، مهما ارتكب من مجازر”. من جهته، يقول المواطن الفلسطيني محمود حمدان قريب أحد أصحاب المنازل المهدمة، إن هذه مجزرة ضد الحجر والبشر، والهدف من اقتحام البلدة هو هدم المنازل، حيث قبل أقل من أسبوع وصلت الاخطارات وقرارات الهدم. واعتبر حمدان أن الاقتحام والهدم سبب تخوفات لدى أهل البلدة حول إمكانية أن يكون هناك أمر مبطن، وأن هذه خطوة تهدف إلى تهجير سكانها وطردهم، مشيرا إلى أن أغلب الناس استثمروا كل مستقبلهم في هذه المنازل. على أطراف البلدة، حيث منزل المواطن صلاح سليمان لم يجد أفضل من أن يكتب على حجر من الركام المندثر على الأرض “نحن هنا باقون، وهم زائلون، إن هدموا بيتي سيبنيه أبنائي”. يقول صلاح بنبرة حزن وألم “كل أحلامي راحت، لكن على الرغم مما حصل، إلا أن هذا يزيدنا إصرارا بالثبات على أرضنا، وهذا في النهاية حجر، وسيتم بناؤه من جديد، نحن أصحاب حق وهم إلى زوال”. فيما يشرح الشاب موسى الشاهد لحظة اقتحام الاحتلال البلدة، قائلا “في البداية كان الأمر مخيفا، لم نتوقع أن يكون حجم الهدم إلى هذا المستوى، رغم كثرة الآليات العسكرية التي اقتحمت القرية من المدخل المؤدي للمنطقة الصناعية “عطروت”، وعلى الفور توجه أحد مواطني القرية للمسجد، ونادى في مكبرات الصوت، بأن الاحتلال يسعى لهدم المنازل، وعلى الجميع التوجه إلى المدخل”. ويتابع “في غضون دقائق قليلة، تجمع أكثر من 60 شخصا من الأهالي على المدخل كدروع بشرية لمنع دخول الآليات العسكرية لوسط البلد، في المقابل ألقى الاحتلال قنابل الغاز المسيل للدوع والصوت اتجاهنا، أصيب البعض منا، وقاموا بحجزنا، وهددونا بأنهم سيطلقون الرصاص الحي نحونا إذا قمنا بإعاقتهم، في حين توجهت باقي الآليات للبدء بالهدم”. في السياق ذاته، قال رئيس مجلس قروي قلنديا يوسف عوض الله إن حجم الخسائر التي تكبدها أهالي البلدة جراء عمليات الهدم تجاوزت الـ4 ملايين شيقل. وأشار إلى أن أهالي المنازل المهدمة لجأوا إلى أقاربهم وأصدقائهم، مؤكدا أن هذه مجزرة تستهدف تهجير أهالي القرية من أرضهم. بدوره، قال مدير مركز المعلومات لنشر وتوثيق الانتهاكات الاسرائيلية في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان قاسم عواد إن المنطقة تتعرض لمحاولة سيطرة من الإسرائيليين لإجلاء الناس عنا بإتجاه مناطق أخرى، وهذه محاولة لتفريغ القدس الشرقية من الفلسطينيين. وأشار إلى أن الاحتلال يسعى إلى تنفيذ مشروع يقضي بتهجير بدو بادية شرق القدس، وهذا جزء من الصراع الديمغرافي الذي يحاول من خلاله التفوق العددي على مدينة القدس. وأوضح أن عمليات الهدم لهذا العام وصلت إلى 590 عملية، مؤكدا أن هذا الرقم تجاوز مجمل عمليات الهدم طوال العام الماضي التي بلغت 557 حالة هدم، في حين أن إخطارات الهدم ووقف البناء وصلت إلى 444 اخطارا منذ بداية العام الجاري.

إلى الأعلى