الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / على هذه الأرض ما يستحق الحياة “10″

على هذه الأرض ما يستحق الحياة “10″

عند الصخرة المشرفة، نزلنا نصلي ونتذكر معراج خاتم الأنبياء، كان المكان ضيقا وبالكاد اتسع لجمعنا، وقفت في البدء أنظر لتكوين الصخرة ومعجزة تعلقها بين السماء والأرض بدون أعمدة، ـ كما قال مرشد العتبات المقدسة ـ، لكنني لم استطع تأكيد هذه الفرضية، وتأييد هذا القول، بكل ما يحمله من تضاد مع المتعارف عليه، والقدسية التي تحاط بالصخرة باعتبارها نقطة المعراج إلى السماء.
أتبتل في مكاني، أطلق لمناجاتي العنان، وأرخي زمام الدعاء، وتسبقني الكلمات، أشعر بنفسي وحيدا في مصلى الصخرة، لا أحد سواي، وحدي وهذه الدموع التي تسبقني لتغسل حروف الكلمات، وتطهرها من وعثاء الحياة، أرتفع نحو السماء، وأعرج كما الصخرة معلقا، لا أرض تقلني ولا فضاء يحدني، أطير، أصير غيري في التجلي.
لا أرى أحدا ورائي .. لا أرى أحدا أمامي
كل هذا الضوء لي، أمشي . أخف . أطير
ثم أصير في التجلي، تنبت الكلمات
كالأعشاب من فم أشعيا النبوي :
“إن لم تؤمنوا لن تأمنوا “.
***
أرفع بصري، أرى الصخرة تظلني، أمد يدي نحوها، أمسح عليها، ثم أنسل بخفة، من المكان، وأحضن موجة الهواء في الخارج، وأعود لأشتم فيها نسيم القدس، ودروبها العتيقة، وحاراتها الضيقة، وأنفاس الدكاكين..
نجتمع لصورة تذكارية، يتطوع مرافقنا المصور محمد عطية لأخذها من زوايا مختلفة، نتقاسم معه فرح التقاط الصور، ونطلب صورا أخرى بمقاساتنا، بين العتبات المقدسة.
ـ أريد قبة الصخرة، وهذه الأعمدة تحيط بي كإطار للصورة التي تأخذها لي.
هكذا اخترت الصورة التي أود أن أحملها من هذا المكان، لكن حمود الطوقي أشار إلى زاوية أخرى تبدو أجمل من سابقتها، “قف هنا، وسألتقط لك صورة جميلة”، قالها لي، وهو يشير إلى درج يؤدي إلى باحة المسجد الأقصى المجاور لمسجد القبة، هناك أقف، وبعدها كانت الصورة جامعة لكل رفاق الرحلة.
في البرنامج التالي، كنا نجلس مع الشيخ عبدالعظيم سلهب رئيس مجلس الأوقاف الإسلامية في القدس، القائم بأعمال قاضي القضاة، والشيخ محمد حسين المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية، في حديثهما نحونا كانت كلمات الشكر والتقدير تتناسل، لتسكب علينا من كل حدب وصوب، قالها باعتزاز بالغ: “شكرًا لأنكم جئتم إلينا، وعشتم بعض معاناتنا، وصبرنا على الاحتلال وممارساته بحقنا في هذه الأرض المكافحة الصامدة، إلى أن يتحرر كل شبر منها”.
كانا يرميان بحديثهما ذلك إلى تفنيد الفتوى التي أصدرها بعض علماء الدين، بشأن “تحريم زيارة فلسطين وهي تحت الاحتلال”، قال لنا مفتى القدس إن فتوى التحريم “تقدم خدمة مجانية للاحتلال الإسرائيلي الذي يريد عزل المدينة المقدسة عن محيطها العربي والإسلامي، ولا يرغب برؤية أي وجود عربي أو إسلامي في القدس، ويضع كل العراقيل والعقبات أمام وصول الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين إلى مقدسات المدينة، ويعمل في نفس الوقت على تكثيف الوجود اليهودي لتهويد المدينة المقدسة والاستيلاء على مقدساتها”.
وكان في حديثه ذلك على صواب، تعايشنا معه منذ دخولنا الأراضي المحتلة، وتجوالنا في المدن والقرى الفلسطينية، فعلى الرغم أننا لم نكن نحمل أي وعود أو مساعدات مادية، إلا أن وجودنا بينهم، ومعايشتنا لهم، وكلمات التضامن التي ألقيناها على مسامعهم كانت زادهم في مواصلة الكفاح والنضال حتى تتحرر فلسطين “من النهر إلى البحر”..
في ساحة الحرم القدسي، قال لنا رجل فلسطيني بعدما عرفنا بسماتنا وملامحنا، “لا نريد منهم أكثر من أن يأتوا إلينا ويطمئنوا على أحوالنا”..
كانت أخبار التضامن العربي والاسلامي مع القدس، مخيبة لآمالنا، لم تتجاوز وعودا، وخطابات رنانة في مؤتمرات القمم العربية والاسلامية، فصندوق القدس الذي كان قد أنشأه المؤتمر الإسلامي خالٍ إلا من الأصفار، والحصار في المعابر على أشده بصمت عربي إن لم يكن بموافقتهم.
وحيدون، نحن وحيدون حتى الثمالة
لولا زيارات قوس قزح
لنا أخوة خلف هذا المدى.
إخوة طيبون. يحبوننا. ينظرون إلينا ويبكون.
ثم يقولون في سرِّهم:
ليت هذا الحصارَ هنا علنيٌّ.. ولا يكملون العبارةَ:
لا تتركونا وحيدين، لا تتركونا.
خسائرُنا: من شهيدين حتى ثمانيةٍ كُلَّ يومٍ.
وعشرةُ جرحى
وعشرون بيتاً.
وخمسون زيتونةً…
***
كان البرنامج التالي لزيارة القدس يشير إلى زيارة أحد مستشفيات المدينة المقدسة وهو مستشفى مار يوسف، والاقتراب من نضال الكوادر الطبية في إسعاف وعلاج المرضى الفلسطينيين، والمصابين في المصادمات مع قوات الاحتلال، والتعرف على الامكانيات الفنية والتجهيزات الطبية المتوافرة لديهم، ونقل معاناتهم من نقص الكوادر والأدوية…
شخصيا وبعد زيارتين صباحيتين إلى مستشفى المقاصد الخيرية الاسلامية ومستشفى المطلع وتكرار الصورة النضالية في المستشفيين، وددت لو اكتشفنا شيئا آخر في هذه المدينة، التي قد لا تتاح مجددا فرصة زيارتها، وليس من الهين أن تكون في القدس، لبضع ساعات وتشغلها في التعرف على جانب واحد.
كنت أريد التجول ـ مثلا ـ في المدينة القديمة، والعبور بين الدكاكين، أو كما قال عاصم الشيدي، نشعر بصوت فيروز وهي تصدح برائعتها “القدس العتيقة” ونمتلئ معها بالحنين الملوَّن بالأمل، ومثلما تمنيت أنا تمنى الكثير من الرفاق هذه الأمنية المغلفة بعشق المدينة، وحب التجوال فيها، والتعرف عليها أكثر من كل الزوايا.
وجدت موافقة من قبل عبير زياد الفتاة الفلسطينية التي جاءت لرفقتنا، فيما تبقى من برنامج زيارة القدس، تطوعت عبير لأخذنا جولة في المدينة، ريثما ينتهي الرفاق من زيارتهم المقررة لمستشفى مار يوسف، وطلبت أن نكون أربعة اشخاص فقط، نظرا لأنها ستأخذنا بعدئذ بسيارتها إلى مكان اللقاء التالي.
اكتشفت في الدقائق التي صحبتنا فيها عبير، معرفتها بكل تفاصيل المدينة التاريخية والتراثية وآثارها وشواهدها، وتعرفنا عليها كونها باحثة في آثار القدس، ويتم الاستعانة بها لتعريف الوفود السياحية الزائرة عن المدينة وتاريخها وكل ما يتعلق بها، وهي متحدثة جيدة، وتمتلك رصيدا ضخما من الثقافة والفكر.
كنا أنا وعاصم الشيدي وحاتم الطائي في صحبة عبير، بعدما انسحبنا عن الرفاق على أن نلحقهم في حفل الغداء المقام على شرفنا من قبل محافظ القدس، بعد جولتهم في مستشفى مار يوسف.
ندخل من باب القطانين، نًشْتَمُّ روائح صلاح الدين والعابرين إلى القدس، وأمجادا خطت على هذه الدروب، وبين هذه الأزقة، في كل ركن هنا حكاية، تنبئ عن تاريخ عريق، ومجد ضارب في القدم، دماء سالت هنا، ومعارك اشتعلت، جاء مستعمر ورحل مدحورا بعد حين من الزمن، وكل احتلال آل إلى الرحيل، وبقيت القدس، كما هي أول مرة عربية، تتعايش في كنفها الديانات السماوية، ويلتقي المسلم بالمسيحي واليهودي، دون أن يضاد أحدهم الآخر. فهنا الكل يتوجه وفق ديانته، دون أن يتضاد مع الآخر.
تتحاذى المنازل، في عقبة الخالدية، تشير عبير إلى منزل فيها، “هذا بيتنا”، وتتوقف لتنادي أمها، تطل الأم من الشرفة العلوية، تحيينا بابتسامة، وتطلب منا الدخول لتناول القهوة، نعتذر لها بلطف، ونواصل مسارنا.
تخبرنا عبير عن عائلتها، وعن صمودهم في هذا المكان، رغم إغراءات الاحتلال ومحاولاته لشراء المنزل بأي مبلغ، كحال الكثير من البيوت العربية في المدينة القديمة، وإعطائها للمستعمرين اليهود، في سعي إسرائيلي إلى تغيير المعادلة الديموغرافية للسكان العرب الفلسطينيين في القدس لصالح السكان اليهود الإسرائيليين.
تقص عبير علينا شيئا من ذكرياتها في عقبة الخالدية، يومها كانت في العاشرة من العمر، وقد وقعت حادثة مقتل يهودي في الحي على أيدي رجال من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فاستنفر الاحتلال كل قواته، وهجموا على الحي، بحثا عن الجناة، وصاروا يطلقون النار عشوائيا على كل من يصادفونه في طريقهم من العرب، واقتحموا البيوت، واقتادوا كل من فيها.
تتذكر عبير هلع أسرتها، ووالدها على وجه الخصوص، وكيف طلب منها أن تهرب بنفسها، ولا تلتفت لما يحدث خلفها، وحينما كان الاحتلال يقتاد والدها، كانت عبير تجري وجلة إلى المجهول، وصوت الرصاص يصم أذنيها، والخوف يسكن قلبها.. وانزوت بعيدا تبكي المصير الذي سيؤول إليه والدها.
تقول لنا عبير بكل فخر: إن زوجها قضى سنوات أسيرا في سجون الاحتلال، قبل أن يفرج عنه، وهي تتباهى كما الكثير من شبان المدينة بمشاركتهم في النضال، ومقاومة الاحتلال، ويعتبرون القدس والأراضي المحتلة أمانة في أعناقهم..
***
ونحن نسير داخل أحياء المدينة القديمة، بدا لنا الحال المأساوي الذي آلت إليه، وكيف أن اليهود تغلغلوا فيه، وأصبحوا ضمن سكانها، يضطهدون جيرانهم العرب، ويمارسون كل أنواع الأذى، من أجل ترحيلهم، والاستيلاء على هذه المساكن.
يخرج مستعمر يهودي من أحد الدور القريبة منا، يرمقنا بنظرة احتقار، نبادله بأشد منها، ثم يمضي في طريقه، تخبرنا عبير عن استيلاء قوات الاحتلال على منازل الكثير من الفلسطينيين، وتحويلها إلى ملكية المستعمرين، ومحاولات تهويد القدس، وتضيق الخناق على السكان عبر فرض ضرائب ومخالفات بناء طائلة، تؤدي إلى هدم المنازل أو انتزاعها بالقوة، في حالة عدم السداد، ويصاحب ذلك وضع العراقيل والمعوقات لإصدار تراخيص البناء للفلسطينيين.
وقامت سلطات الاحتلال بتحويل ما يزيد على 40% من مساحة القدس إلى مناطق خضراء يمنع البناء للفلسطينيين عليها، وتستخدم كاحتياط لبناء المستعمرات كما حدث في جبل أبو غنيم، وقد دفعت هذه الإجراءات إلى هجرة سكانية عربية من القدس إلى الأحياء المحيطة بالمدينة، نظرا إلى سهولة البناء والتكاليف، وهذا ما تهدف إليه إسرائيل.. لكن ذلك لا يمنع من وجود مجموعة كبيرة من السكان الفلسطينيين الذين قاوموا كل إغراءات الاحتلال، وتحدوا كل ممارساته، وبقوا في منازلهم، متمسكين بهويتهم، ومناضلين للبقاء..
يا سيداتي.. سادتي!
يا شامخين على الحراب!
الساق تقطع.. والرقاب
والقلب يطفأ ـ لو أردتم ـ
والسحاب..
يمشي على أقدامكم ..
والعين تسمل، والهضاب
تنهار لو صحتم بها
ودمي المملّح بالتراب!
إن جفّ كرمكم ،
يصير إلى شراب !
والنيل يسكب في الفرات،
إذا أردتم ، والغراب ..
لو شئتم.. في الليل شاب!
لكنّ صوتي صاح يوما:
لا أهاب
فلتجلدوه إذا استطعتم..
واركضوا خلف الصدى
ما دام يهتف: لا أهاب!.

للحكاية بقية

خلفان الزيدي
Twitter: @khalfan74

إلى الأعلى