الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حرب تحرير سوريا.. أم حرب تدميرها؟!

حرب تحرير سوريا.. أم حرب تدميرها؟!

علي عقلة عرسان

” إن الارهاصات المعاصِرة، للعودة الروسية إلى الشرق الأوسط، وتنامي الاهتمام الاستراتيجي به إلى درجة ملحوظة التأثير على الأمن والسلم العالميين.. إن ذلك بدأ منذ سنوات، وأخذ بالتنامي في الحرب على سوريا وفيها، بعد ما جرى في العراق وليبيا وما يجري فيهما وفي اليمن، حيث الغرب وحده قوة فاعلة.. كما أن العودة إليه حلمٌ وحنين لما كان من تاريخ وأحلام روسية قديمة – حديثة،”
ـــــــــــــــــــــــــــ
المعارك الشرسة في حلب وريفها، وما يُتوقَّع حدوثُه في إدلب، بعد إسقاط المروحية الروسية يوم الاثنين ١ أغسطس ٢٠١٦، ومقتل من كانوا على متنها من الروس، والتطورات الأخرى المتلاحقة في معظم المناطق السورية.. تشير كلها إلى مرحلة ربما تكون من أشد ما مرّ على سوريا وما جرى فيها، من معارك وصراعات دموية، ذات أبعاد خارجية، خلال حرب “تدمير سورية”، تلك التي بدأت منذ أكثر من خمس سنوات، ومازالت نيرانها تستعر، وكوارثها تتلاحق، وتعقيداتها تتزايد، وآفاقها عاصفة، وأجواؤها يتراكم فيها الظلم والظلام.. لتصبح “المسألة السورية”أكثر من فتنة مذهبية، “سُنيَّة – شِيعيَّة”، وأكثر من تدمير لمركز حيوي من مراكز الحركة القومية العربية في الوطن العربي، وأكثر من مشروع تقسيم بلد ذي موقف وموقع وتاريخ، أو تقاسمه بين قوى دولية، تتصارع فيه وتتصارع عليه، وأكثر من إعادة هيكلة “جيو – سياسية”للمنطقة.
ذلك لأن التصريحات الأخيرة التي صدرت عن مسؤولين كبار في الدولتين الراعيتين “للصراع على سورية وفيها”، تشير إلى ذلك، وربما لا تسمح بغير هذه القراءة. وإنه ليؤسفنا أن يحاصرنا هذا الشك، أو هذا القين.. إذ لا نستطيع أن نقول:إن الدولتين العظميين الراعيتين للتفاوض، وصولاً إلى حلول سياسية للمسألة السورية، قد عملتا، وتعملان، بجد وصدق وإخلاص، على إيجاد حل سياسي، لكنهما لم تنجحا؟! ذلك لأن كل المفاتيح بيديهما، وكل الأطراف المنخرطة في الحرب/الكارثة، تحت إمرتهما، أو لا تصمد أمام إصرارهما على طلب محدد، واضح، حاسم. ونحن لا نستطيع أن ننفي عن أنفسنا “تهمة ؟!”عدم فهم “مقاصدهما النبيلة”، لأننا ندرك أنهما ليستا عاجزتين، وأن مجلس الأمن الدولي بيدهما، وأن الكلام المتواصل عن حل سياسي ما هو، بعد الذي حدث ويحدث، سوى ورقة من أوراق اللعب، والكذب، والخداع، والصراع، والحرب الباردة.. التي عادت بصورة ما، وبدفع يشبه ما كان من شأنها في خمسينيات القرن العشرين، كما ظهر ويظهر كل يوم.؟!وإلا فما معنى أن لا يتم اتفاق حتى على وقف “الأعمال العدائية”لوقت قصير، وأن كل طرف يغدر بالآخر بشأن استقراره واستمراره ويستثمره للحرب، وكل من الطرفين يحمِّل المسؤولية عن فشله للطرف الآخر.. وإبقاء القتل منطلقاً من كل عقال”، والأزمة الفتاكة”من دون حل، ومن دون أمل بحل.. على الرغم من إهراق الدم يومياً، وأشكال الدمار الهائل الشامل يومياً، وتشريد نصف الشعب السوري في مجاهل الأرض، وجعل نصفه الثاني يعيش المحنة كل يوم.. وما معنى إنهاك الدولة، والتيئيس منها.. لدرجة أن السيد جورن برينان، مدير وكالة المخابرات الأميركية C.I.A، قال في منتدى أسبين السنوي:”لا أعرف ما إذا كان يمكن أو لا يمكن عودة سورية موحَّدة مرة أخرى.”؟!
إن التصريحات الأخيرة لمسؤولين في الدولتين الأعظم، تنذر بصدام سياسي عنيف بين الدولتين – المعسكرين، قد يتحول إلى دموي، بعد أن تجاوز صراعهما المعلن والخفي.. من حيث المضامين، والأهداف، والحشد العسكري، وتعزيز القواعد العسكرية الحديثة في سوريا والعراق، إضافة إلى تلك القديمة الموجودة في دول الخليج العربي .. أقول بعد أن تجاوز صراعهما كل حدود التربُّص السلمي، وبعد أن استمرا تعزيز القوى الموجودة على الأرض، تحت غطاء الحرب على الإرهاب.. وبعد أن تجاوزت الأمورُ الصراع البارد، والخداع، واللعب على حبال السياسة والدبلوماسية، بخبث معهود.. ودخلت فيما يقارب المواجهة.؟!
من المعروف أن الشرق الأوسط، وفق المصطلح الذي روجه الغرب، ليقسم الوطن العربي إلى شرق أوسط وشمال أفريقية .. هو منطقة أكثر من حيوية للقطبين السياسيين الرئيسين في العالم، وهو كذلك للأوروبيين.. ومن الطبيعي أن يكون قبل ذلك، وبعده، وفوقه.. لدى أهله، من العرب والمسلمين، الذين سكنوه وعمَّروه وصنعوا تاريخه وحضارته، وقدموها للعالم، فكانت خميرة الثقافة والعلم، والحضارة.. أولئك الذين يطالهم ما يطالهم من العدوان والاستهداف لأنهم طينه وماؤه، وسماؤه وفضاؤه.. وهم فيه يُقتَلون، ويقتلون أنفسهم اليوم، بتأثير من يستهدفهم، وللوثة أصابت من أصابت، فطفا الخبث، ورسب الجوهر.
إن الارهاصات المعاصِرة، للعودة الروسية إلى الشرق الأوسط، وتنامي الاهتمام الاستراتيجي به إلى درجة ملحوظة التأثير على الأمن والسلم العالميين.. إن ذلك بدأ منذ سنوات، وأخذ بالتنامي في الحرب على سوريا وفيها، بعد ما جرى في العراق وليبيا وما يجري فيهما وفي اليمن، حيث الغرب وحده قوة فاعلة.. كما أن العودة إليه حلمٌ وحنين لما كان من تاريخ وأحلام روسية قديمة – حديثة، منها السيطرة على اسطنبول.. وقد سلبها منها الاستعمارُ الأوروبي للمنطقة، بعد الحرب العالمية الثانية، وأبعد الدُّب الروسي عنها، أو أنامه عن ذلك. لكن الدب استيقظ الآن، وربما كان في هذا الصدد، ما جاء من تحذير الرئيس الأميركي أوباما لسياسيي بلده، من إيقاظ الروس.
إن التفكير الروسي الحالي بالشرق الأوسط، يختلف عن المرحلة السوفييتية، التي اعتمدت تصدير السلاح والتنظيم الشيوعي والفكر الماركسي، وربما يتواصل أكثر مع مراحل من الحكم القيصري، لا سيما من الجانبين السياسي والديني، بعد أن انتهت الحرب الشيوعية على الدين. فلجهة البعد السياسي -الاستراتيجي، قال فيودور لوكيانوف، رئيس مجلس السياسات الخارجية والدفاعية في موسكو:”الشرق الأوسط هو وسيلة لتوضيح أن الغياب الروسي عن المشهد الدولي، كأحد دول الطليعة، قد انتهى.”. ولجهة البعد الديني -المسيحي الأرثوذكسي، نُذكِّر بأن موسكو ترى نفسها “حامية مسيحيي الشرق الأوسط”، لا سيما الأرثوذكس.. وقد وصف البطرك كيريل، رأس الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا، وصف الحرب الحالية في سوريا “بأنها حرب مقدَّسة، ووصف المقاتلين الروس فيها، بالمقاتلين المحبّين للمسيح.”. وقبل أيام قليلة أشار الوزير لافروف إلى أن روسيا هي من يحمي المسيحيين الأرثوذكس في العالم، وأنها قوة فاعلة في الشرق الأوسط.. وقال في تصريح آخر:بـ “تأمين آلية مهمة لروسيا لتعزيز مواقفها في الشرق الأوسط ، وضمان الوجود الروسي، واستعادة “فلسطين الروسية”.. وبعد ذلك بوقت قصير، وفي “تطور لافت طرأ على الموقف الروسي، أعلن الرئيس بوتين، بمناسبة انعقاد مؤتمر موسكو لمسيحيي الشرق:”أن روسيا لن تتخلى عن المسيحيين في الشرق الأوسط، ولا عن “فلسطين المسيحية”.وبذلك دخل على خط مشترك ساخن، مع الأميركيين في “فلسطين المحتلة”، أو كيان الإرهاب الصهيوني، حلفاء العنصرية الصهيونية الأقرب .. وبرز بعد مسيحي للمسألة من جديد، ربما بسبب اتفاق البابا والبطرك في هافانا، أو على الرغم منه.. فبين الدين والسياسة علاقات لا يمكن التكهن بمدى تطورها وأبعادها وتقلباتها. وبهذا أصبحت القدس من جديد بؤرة توتر وصراع سياسي يتلفَّع بالدين، بين المسيحيين “كاثوليك، وأرثوذكس، وبروتستانت”، وبينهم وبين المسلمين.. أما اليهود فيقطفون من الطرفين ثماراً ناضجة، فهم في القدس قوة احتلال، وأحلام بلا ضفاف، وحلفاء تاريخيون للأميركيين، وللروس منهم وبينهم نصيب كبير، يعود لعدد اليهود الذين صدرتهم روسيا السوفييتية وما بعد السوفييتية، إلى فلسطين، أولئك الذين يقول ممثلهم الروسي القريب من موسكو، أفيغدور ليبرمان، في مقابلة قبل توليه منصب وزير خارجية نتنياهو:”تجربتي، هو أنه يمكنك القيام بالعمل مع الروس. فهم براجماتيون، ويُمكنك أن تُتم الصفقة معهم وتحصل على جواب واضح”. وأضاف:”روسيا قريبة من هنا، ولن تقوم أبداً بالتخلي عن مصالحها في الشرق الأوسط. هي قوة كبيرة جداً لا يمكن تجاهلها”. ونحن نعرف أنه قد أصبح بين الطرفين تعاون، وتنسيق عسكري جوي، ومناورات مشتركة في سورية الطبيعية، التي قسمها اتفاق سايكس بيكو، ومنها:”سورية السياسية وفلسطين المحتلة”.
وبعد إسقاط المروحيّة الروسية “مي ٨”في إدلب، بنيران “النصرة، أو غيرها من المسلحين”، ومقتل العسكريين الروس الخمسة الذين كانوا على متنها، قالت وزارة الدفاع الروسية في ٢/٨/٢٠١٦:”.. لا توجد قوة على الأرض، تستطيع أن تمنع الجيش الروسي من القصاص من مرتكبي جريمة إسقاط مروحية روسية لإغاثة المنكوبين، والتمثيل بجثت عسكريين روس.”. وبدا أن هذا التصريح المفعم بالتشدد، والمكتَنِز بالتهديد والوعيد والتحدي، إنما جاء رداً على ما قاله الوزير جون كيري من كولومبيا، في مؤتمره الصحفي مع وزيرة خارجية كولومبيا ماريا أنغيلا هولجوين، حيث قال:”من الضروري على نحو واضح أن تمنع روسيا نفسها، ونظام الأسد، من تنفيذ عمليات هجومية مثلما هي مسؤوليتنا أن نمنع المعارضة من الدخول في تلك العمليات .. هذه أيام مهمة في تحديد ما إذا كانت روسيا ونظام الأسد”سيرتقيان إلى مستوى جهود إنهاء العنف واستئناف محادثات السلام.. الشواهد حتى الآن مقلقة للجميع بشدة.”. وإذا أضفنا إلى هذا تشكيك مسؤولين أميركيين بموقف روسيا ونواياها، في حلب، بعد أن تم حصارها بصورة تامة، وإعلان روسيا عن فتح ممرات لخروج المدنيين المحاصرين في أحيائها الشرقية، حيث قال أولئك المسؤولون: إن “عملية إنسانية” روسية سورية بشأن مدينة حلب، مجرد خدعة لإجلاء المدنيين، حتى تتمكن قواتهم من ملاحقة المسلحين في الجزء الخاضع لسيطرة المعارضة من المدينة.”.
إذا أخذنا كل هذا بعين الاعتبار، ونظرنا إلى المشهد من زوايا أخرى، من ضمنها تغيّر الموقف السياسي الأميركي نسبياً، من الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، حيث كان الموقف يشير إلى ضلوع أطراف أميركية فيه، وإلى انزعاج من فشله، حيث قال قائد القوات المركزية الأميركية، جوزيف فوتل: “حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في الجيش التركي هم الآن في السجن./ عن تويتر ٢٩ تموز ٢٠١٦/ ومن ثم قام يوم الاثنين ١ أغسطس ٢٠١٦ رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، الجنرال «جوزيف دانفورد»، بزيارة لأنقرة، وأكد خلالها “تأييد بلاده الكامل للديمقراطية في تركيا.”، وقال لـرئيس الوزراء بن علي يلدريم:”من المهم بالنسبة للولايات المتحدة أن تظهر لتركيا، صديقتنا وحليفتنا، أن تظهر موقفاً واضحاً وحاسماً ضد محاولة الانقلاب الإرهابية الفاشلة هذه، ضد أمتنا وديمقراطيتنا». وهذا التطور، في هذا الوقت بالذات، يمكن قراءته عسكرياً وسياسياً، في ضوء معارك حلب، وفي ضوء التوتر الروسي – الأميركي المتصاعد حول الموضوع ذاته، وفي ضوء حاجة الولايات المتحدة إلى شد تركيا إليها، بعد أن تصالحت مع روسيا، وبعد عودة العلاقات بسرعة إلى طبيعتها، وتأكيد كل من البلدين على تفعليل العمل في مشروع “سيل الغاز الروسي”إلى أوروبا عبر تركيا.
إن المشهد في بلادنا، وفي منطقتنا، يقترب من انفجار أكبر، دموي – تدميري لنا بالدرجة الأولى.. ونحن من انقسام إلى انقسام، ومن عاصفة موت إلى أخرى.. يُختَطَف أولادنا ورجالنا من بين أيدينا، وتنتشر القبور، وأشلاء لا تجد لها قبوراً في بقاع وطننا.. وتتشرد نساؤنا ويعانين ما لا يوصف .. فهل لنا دور فيما يجري لنا، ولما يجري في بلدنا ولبلدنا، في أمتنا ولأمتنا.. وضد وجودنا، وحقوقنا، وديننا وهويتنا وحضارتنا؟! أُصاب بما لا أستطيع وصفه، حين أتابع مجريات هذه الحرب المجنونة، والفتنة المزهوة بنفسها، المفتون بها أهلها.. وهي تحصدنا منذ سنوات، وتؤسس لموت قادم ملء زمن آت، لا أدرك مداه ولا مدته.. وأُصاب بما هو أكثر وأشد وأفظع، حين أرى وأتابع، سوريين وعرباً ومسلمين، على ضفتي نهر الموت والخراب والدمار والجنون، الذي يجتاح أوطاننا وأمتينا، وهم يشمت بعضهم ببعض، وينحر بعضهم بعضاً، ويهتفون بأعلى الصوت ممجدين أعداءهم، حين يذبحونهم، وحين يأمرونهم بأن يذبح بعضهم بعضاً.. يا الله الأرض دماء.. والفتنة داء يداوونها بها، فيغلب الداء على الحياة والأحياء.. وليس لنا إلا أنت رجاء.
في حرب تحرب يقولون جميعاً إنها حرب تحريرها، وما هي إلا حرب تدميرها.
كان الله في العون.. كان الله في العون.

إلى الأعلى