السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / من هو المحافظ الحقيقي: هيلاري.. أم دونالد؟

من هو المحافظ الحقيقي: هيلاري.. أم دونالد؟

أ.د. محمد الدعمي

” .. إذا ما كان لفظ “محافظ” يكتسب هالة من المعاني والدلالات السلبية في عالمنا عبر الشرق الأوسط ، باعتباره، مرادفاً للفظ “رجوعي”، فانه يكتسب ما يعاكس ذلك في “العالم الجديد”، أي في الولايات المتحدة الأميركية. فعندما يدعي ترامب بأنه محافظ، فانه يعني أنه يرنو للحفاظ على ما يسمى بالتقليد الأميركي أو “الحلم الأميركي” الذي أسس له رجال (الآباء المؤسسون، كما يسمونهم هناك) عاشوا في عصر زائل كان قد طوي منذ زمن طويل.”
ــــــــــــــــــــــــــ
بينما يراهن مؤيدو السيدة هيلاري كلينتون على أمل الابقاء على تقليد حكومي “ديمقراطي” يمتد، على أقل تقدير، من ولايتي زوجها، بيل كلينتون، عبر تسعينيات القرن الفائت، مروراً بالرئيس باراك أوباما وتواصلاً معه، إن حققت الفوز برئاسة الولايات المتحدة، لتدشن مرحلة جديدة في تاريخ مؤسسة الرئاسة الأميركية، كأول “مدام رئيسة” لأقوى وأغنى دولة في العالم، أقول بينما يراهن هؤلاء على ما ورد أعلاه من نقاط، يعوّل مؤيدو منافسها الجمهوري، دونالد ترامب، على “الرج” الذي يعد بتوجيهه لهذه المؤسسة من خلال “محافظة” العودة الى “ذكورية” المرحلة “الماكارثية” (دون ذكر مكارثي) في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، مستفزاً ومستحضراً مكامن الخوف الهاجسي الذي يحياه المحافظون التقليديون على نحو وسواسي في سبيل إعانته للفوز بالرئاسة في الانتخابات القادمة. لذا يكون النقد الذي وجهه الرئيس أوباما في خطابه بالمؤتمر الانتخابي العام للحزب الديمقراطي بفيلادلفيا يوم الأربعاء، يوليو 2016، نقداً في محله، خاصة عندما قال إن الكثيرين خارج أميركا لا يدركون ما الذي يجري فيها الآن بدقة.
وإذا ما كان لفظ “محافظ” يكتسب هالة من المعاني والدلالات السلبية في عالمنا عبر الشرق الأوسط، باعتباره، مرادفاً للفظ “رجوعي”، فانه يكتسب ما يعاكس ذلك في “العالم الجديد”، أي في الولايات المتحدة الأميركية. فعندما يدعي ترامب بأنه محافظ، فانه يعني أنه يرنو للحفاظ على ما يسمى بالتقليد الأميركي أو “الحلم الأميركي” الذي أسس له رجال (الآباء المؤسسون، كما يسمونهم هناك) عاشوا في عصر زائل كان قد طوي منذ زمن طويل.
المفارقة هنا تتجلى في أن صفة “المحافظة” عند ترامب هي صفة عدائية انكماشية وانعزالية، المحافظة في قاموسه تعني، على أغلب الظن، تفوق العنصر الآري الأشقر، الأمر الذي يبرر تشبث الإعلام الموالي له بتسريحة شعره الشقراء، رمزاً له؛ والذي يبرر، كذلك تحسس وكراهية فئات اجتماعية واسعة، مثل السود واللاتينو (من المتحدثين بالأسبانية والبرتغالية) حياله، وأخيراً عدم تحبيذ اليهود الأميركان له، خشية أن تنطوي المركزية الآرية لديه على عدائية للسامية. وهكذا تستيقظ “الأسطورة الآرية” التي رفع هتلر بيرقها في أوروبا قبل أكثر من نصف قرن، لترتفع، عبر الأطلسي في الولايات المتحدة، على أيدي رجل امتطى الخوف الأشقر مركباً من أجل تكريس الانعزالية البيضاء، وكي يطعن بجميع من يراهم طارئين على أميركا الأصل، أي “إنجلترا الجديدة” البيضاء والشقراء. ومن هؤلاء الطارئين على الكيان السكاني الأشقر الأصل، هم السود واللاتين والمسلمين واليهود، بطبيعة الحال. لنلاحظ أن هناك قطاعات من اليهود الذين يعدون أميركا “جيروسلم” الجديدة.
حاول ترامب تطمين اللوبي اليهودي المتنفذ في الولايات المتحدة، متحدثاً عن دعمه لإسرائيل وعن حبه لحفيده الجديد، اليهودي الصغير (ويقصد ابن أو ابنة ابنته) المقترن بسيدة يهودية الديانة، إلا أن هذا التطمين القوي لليهود في سبيل انتخابه أو المساعدة على ذلك، لم يكف لتطمينهم، بدليل تكرار وصفه بالفاظ من نوع “فاشستي” أو “نازي” أو عدائي، من بين سواها من الألفاظ التي بقيت قرينة بالرايخ الثالث وبرجاله.
وهكذا تلتوي دلالات لفظ محافظ عدة مرات في أميركا مكتسبة معاني جديدة طي كل التواء على نحو حلزوني تتابعي يرهق متابعي دلالات الاصطلاح السياسي.

إلى الأعلى