الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / عشاء رأس السنة الجديدة للعم ريتشارد

عشاء رأس السنة الجديدة للعم ريتشارد

في صبيحة رأس السنة الجديدة بمدينة كوينسي لا تقضى عطلة رأس السنة في إنجاز الأعمال، كانت بريسي بيكر في محلات أوسكار ميلر تبتاع أعواد الثقاب، عندما دخل عمها ريتشارد إلى المحل. لم يلتفت إليها، كما أنها لم تتمن له عاماً سعيداً؛ حيث إنها لم تجرؤ على فعل ذلك بما أن عمها ريتشارد في خلاف مع أبيها، شقيقه الوحيد، منذ ثمانية أعوام.

كان ريتشارد رجلا ممتلئاً، متورد الوجنتين، تبدو عليه سيماء النعمة والثراء، وهو مصدر فخر لها واعتزاز، وقد خالجها شعور بحزن دفين، لو أن عمها كأعمام الناس الآخرين، أو في الواقع، كما اعتاد أن يكون لطيفا معها. لم يكن لها عمٌ سواه، وعندما كانت في عمر الزهور كانا صديقين حميمين؛ إلا أن ذلك كان قبل الشِجار، الذي لم تكن طرفاً فيه، بكل تأكيد، مع أن العم ريتشارد قد أدخلها طرفا في هذا الخصام.

أفضى ريتشارد بيكر للسيد ميلر أنه في طريقه إلى نفار بحمولة من اللحم.

وأردف قائلا “لم أكن أبتغي الذهاب حتى الأصيل، إلا أن جو هيمينج أنبأني بالأمس أنه لن يبتاع اللحم بعد الساعة الثانية عشرة هذا اليوم. ولذلك يجب عليّ أن أشد الرحال فوراً. ولا أكترث بالعمل صبيحة رأس السنة الجديدة.”

فرد عليه ميلر “ينبغي عليك التفكير في الأمر، فذلك لا يجعل رأس السنة الجديدة مختلفا، بالنسبة لك، عن مثيلاته من الأيام.” كان ريتشارد بيكر رجلاً أعزباً تقوم السيدة جينواي، وهي إمرأة مسنة، بخدمته والاعتناء بمنزله.
فأجابه ريتشارد بيكر “في حقيقة الأمر، أُحب تناول عشاءٍ طيبٍ رأس كل سنة جديدة، إنها السبيل الوحيد لاحتفالي إلا أن السيدة جينواي تود قضاء هذا اليوم مع عائلة ابنها في أورينتال، وبالتالي سوف اعتمد على نفسي في إعداد العشاء. لقد قمت بتجهيز كل شيء في المخزن الليلة الماضية، بما أنني قطعت وعداً لإيصال اللحم. ولن أتمكن من الإياب من نفار قبل الساعة الواحدة ولذلك قررت أن استجمع قواي حتى لا أقع فريسة لموجات البرد القارس.
وبعد أن أَفَلَ عمها ريتشارد، اتجهت بريسي إلى منزلها مشيا على الأقدام وهي مستغرقة في التفكير. حيث إنها خططت بأن تقضي عطلة جميلة كسلى برفقة الكتاب الجديد الذي أهداها والدها إياه مع علبة الحلوى أثناء الاحتفال بأعياد الميلاد. كما أنها لم تفكر إطلاقا حتى في إعداد عشاء، بما أن والدها قد ذهب إلى المدينة ذلك الصباح لملاقات أصدقائه وسيمكث برفقتهم طوال اليوم. كما لا يوجد معها شخصٌ آخر لتعد له العشاء؛ فوالدتها قد قضت نحبها عندما كانت بريسي طفلة صغيرة. وقد بقيت تعتني ببيت أبيها وتقضي جل وقتها برفقته.
وبينما كانت تمشي إلى منزلها، كان عمها ريتشارد يستحوذ على كل تفكيرها. حيث إنه بالتأكيد سوف يحتفي برأس السنة الجديدة بفتور، يكفي لأن يلقي بظلاله على السنة بأكملها. وقد شعرت بحزن شديد تجاهه، فقد تخيلته وهو عائدٌ من نفار، يقرسه البرد ويلسعه الجوع، ليجد بيتاً بلا موقد مشتعل ولا عشاء مطهو.
وفجأة لمعت في رأسها فكرة. هل ستجرؤ على تنفيذها؟ أيمكن أن تفعلها! ولكن لن يعلم هو بذلك، فلديها وقت كافٍ لتنفيذها.

وحثت الخطى تجاه منزلها، وألقت بأعواد الثقاب جانبا، واختلست نظرة سريعة مشوبة بالندم على كتابها المغلق، ثم أوصدت الباب وراء ظهرها واتجهت إلى بيت عمها ريتشارد الذي لا يبعد سوى نصف ميل عن مقر سكناها. كانت قد اتخذت قرارا أن تطهو له عشاء رأس السنة، وتقوم بتجهيزه بشكل جميل، ثم تعود إلى المنزل قبل إيابه. فكان على بريسي ألا تدع أي مجال له ليشك في طبخها؛ لأنها كانت تعلم بأنه سيفضل رمي أي عشاء تطبخه خارج الباب بدلا من أن يأكله.

مرت ثماني حجج على النزاع الذي نشب بين ريتشارد بيكر وشقيقه ايرفينج حول قطعة أرض عقارية. حينها كانت بريسي في التاسعة من عمرها. ولم يكن والدها السبب الرئيس في هذا النزاع، بل كان خطأ عمها ريتشارد، وتلك الحقيقة جعلته صارماً وعنيداً. ومنذ ذلك الوقت، قاطع ريتشارد شقيقه حيث قرر أنه لن يكلمه مدى حياته. وقد شعرت بريسي ووالدها بالتبرم من ذلك، أما عمها ريتشارد فلم يساوره أدنى شعور بالاستياء جراء ذلك القرار. وكل شيء يدل على أنه نسي تماماً أن هناك أُناسا في هذا العالم مثل أخيه أيرفينج وابنة أخيه بريسي.

لم تكن لدى بريسي أي مشكلة في اقتحام بيت عمها ريتشارد، حيث إن باب الكوخ الخشبي كان مفتوحاً على مصراعيه. تسللت إلى المطبخ وخداها متوردين والشقاوة تتألق في عينيها. كانت هذه مغامرة لكنها مشوبة بالمتعة! سوف تُخبر أباها عما أقدمت عليه فور إيابه إلى المنزل ليلا وسوف يقهقهان.

كانت النار لا تزال متأججة في الموقد، وفي المخزن وجدت بريسي العشاء غير المطهو- سيكون شواءً لذيذاً من اللحمِ الطازج والبطاطا والملفوف والشلغم ومقادير حلوى الزبيب، حيث إن ريتشارد بيكر مولع بها، وهو يتقن صنعها مثل جينواي، إن كان ثمة شيء يمكن أن يفتخر به فهو اتقانه حلوى الزبيب.

وفي وقت قصير، عَبِقَ المطبخ بالروائح الشهية وأمتلأ بأصوات الفرقعة والفقاعات. لقد وجدت بريسي متعة كبيرة، أما حلوى الزبيب والتي ارتابت من خلطتها، فقد اختلطت وبشكل جميل من تلقاء ذاتها.

وبينما تدق الساعة الثانية عشرة، قالت لنفسها “سيعود العم ريتشارد إلى بيته الساعة الواحدة، والآن سأقوم بتجهيز الطاولة، وسأضع العشاء عليها، وسوف أتركها في مكان يبقى فيه الأكل دافئا حتى يعود. ثم أعود إلى المنزل. كنت أتمنى أن أرى وجهه وهو يدخل متصوراً أن واحدة من فتيات جينر القاطنات على مقربة منه قد قامت بإعداد العشاء.”

قامت بريسي بتجهيز الطاولة وبينما كانت تُتبِّل الشلغم، إذا بصوت أجش ينبثق من ورائها:
“عجباً، عجباً، ماذا يعني هذا؟”

التفتت بريسي بسرعة وكأن طلقة اخترقت نياط قلبها، ورأت عمها ريتشارد منتصباً على باب الكوخ الخشبي!

ما كان بإمكان المسكينة بريسي النظر أو الشعور بمزيد من الذنب لو أن العم ريتشارد قد قبض عليها وهي تسرق منضدته. ومن العجيب أن طبق الشلغم لم يقع من يديها، لكنها كانت في غاية الحيرة لتنزله للأسفل، ولذلك ظلت واقفة تحمل الطبق، فكان وجهها قرمزيا وقلبها يخفق بشدة وأصابها اختناق مخيف في حنجرتها.

وتلعثمت “أ-أ- أتيت لأطبخ لك العشاء، عمي ريتشارد، فقد أصغيت إليك في المحل وأنت تقول بأن جينواي قد ذهبت إلى بيتها وأنه لا يوجد أحد معك ليطبخ لك عشاء رأس السنة الجديدة. ولذلك فكرت أن آتي وأقوم بإعداده لك، إلا أنني كنت أنوي العودة إلى المنزل قبل إيابك.”

لقد شعرت المسكينة بريسي أنها لن تصل إلى نهاية ما تود قوله. أيغضب منها عمها ريتشارد؟ أيأمرها بمغادرة المنزل؟

فرد عليها عمها بطريقة جافة “هذا من طيبتك، شيء عجيب أن يسمح لك والدك بالمجيء.”

“والدي لم يكن بالمنزل، لكنني على ثقةٍ تامةٍ أنه لن يمنعني لو كان موجودا. فوالدي لا يكنّ لك مشاعر عدائية، ياعمي.”

“حسنا، مادمت قد طبخت العشاء، فيجب عليك البقاء لتساعديني في أكله. أعترف لك أن الطعام تفوح منه رائحة زكية. لقد اعتادت السيدة جينواي دوما حرق اللحم عند شيه. اجلسي يا بريسي، فأنا أتضور جوعا.”

جلسا معًا. ومن فرحتها شعرت بدوار وبأنفاس منحبسة وبالكاد تناولت شيئا؛ أما عمها ريتشارد فقد عاد من نفار بشهية مفتوحة واستطاب كثيرا عشاء رأس السنة الجديدة. كما أنه حاوَرَ بريسي بلطف وبأدب جم، وعندما أنهى عشاءه قال لها بتمهل: “إنني ممتن لك، بريسي، وأقدم لك اعتذاري لأنني جعلتك طرفا في النزاع، وكنت أود منذ أمد بعيد أن أُحْيي صداقتي مع والدك، لكنني كنت لا زلت أشعر بالخجل الشديد وسأفتخر بأن أكون المبادر إلى الصُّلح. والأمر راجع إليك إن أردتِ إبلاغ والدك بالنيابة عني. وإن كان مستعداً أن يعفو عما سلف، فأخبريه برغبتي في أن يأتي معك هذه الليلة بعد عودته إلى المنزل ليقضي هذا المساء برفقتي.”

بكت بريسي من شدة الفرح ونبست “بكل تأكيد سوف يأتي، إنني أدرك ذلك، فهو يشعر بالاستياء أنه لم يكن ودودا معك، إنني في قمة السرور، يا عمي.”

هرعت بريسي باندفاع وطبعت قبلة رضىً على رأس عمها ريتشارد. فألقى نظرة على ابنة أخيه الطويلة بابتسامة سارة.

“أنت فتاة مهذبة طيبة القلب يابريسي، وإلا لما أتيت هنا لطهو عشاءٍ لعمٍ عجوزٍ، سيئ الطبع، لا يستحق أكثر من عشاءٍ باردٍ بسبب كبريائه. لقد شَعرتُ اليومَ بغضبٍ يعتصر قلبي بينما كان الناس يهنئونني بالعام الجديد. كنت أشعر وكأنني أضحوكة بينهم عندما لم أر روحا بينهم تنتمي إليّ لتجلب لي السعادة. إنها مبادرة جلبت لي السعادة فعلًا، لذلك أظن أنها ستكون سنة سعيدة من بدايتها وحتى نهايتها.”

فتبسمت بريسي ضاحكة وقالت: “ستكون سنة جميلة، أشعر الآن بسعادة لا توصف، يمكنني الغناء. أؤمن أن فكرة المجيء إلى هنا، لطبخ العشاء، كانت إلهاما.”

فقال لها عمها ريتشارد “أتعدينني أن تأتي وتطبخي لي عشاء رأس كل سنة جديدة بما أننا نعيش بالقرب من بعض.”

فوعدته بريسي بذلك.

تأليف: لوسي مود مونتجمري ت
رجمة: سليمان الخياري
sulaiman8@hotmail.com
مترجم بمجلس الشؤون الإدارية للقضاء

إلى الأعلى