الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : إزالة الحواجز بينك وبين أهدافك

رحاب : إزالة الحواجز بينك وبين أهدافك

أحمد المعشني

**
يحكى أن حكيما صينيا عاش في قرون غابرة وكان له تلاميذ، يدربهم على التركيز وحدة الملاحظة. وفي ذات يوم أراد تلاميذه أن يختبروه، فتركوه حتى إذا اطمأنوا أنه قد دخل في سبات عميق، حاولوا أن يتسللوا على رؤوس أصابع أقدامهم لكي يصلوا إلى مزهرية كانت في غرفته رغبة منهم في اكتشاف كيف ستكون ردة فعله. لكن المفاجأة وقعت قبل أن يدخولوا إلى غرفته، نظروا إليه فرأوه يغط في نوم عميق، فتجرأوا وقرروا دخول غرفته، لكن الحكيم فاجأهم قائلا: من هناك؟ فذهلوا وأسقطوا في أيديهم، لكنهم لم يئيسوا بل حاولوا إعادة الكرة مرة أخرى، ولكن كان صوت أستاذهم يأتيهم قبل أن يخطوا خطوة واحدة؛ كما لو أنه كان يقرأ نواياهم عن بعد. وفي الصباح يظهر الاعياء والاجهاد عليهم، بينما يكون الحكيم في قمة الحيوية واليقظة والنشاط. سأله تلاميذه عن سر تمتعه بهذه الحيوية بالرغم مما يظهر من يقظة عندما كانوا يحاولون اقتحام مخدع نومه. فكان يجيبهم بصوت مملوء بالثقة والهدوء: فقط عليكم أن تمعنوا النظر فيما حولكم. ثم سأل أحدهم: ماذا تريد أن تحقق في حياتك؟ فأجابه تلميذه بقوله: هناك أشياء كثيرة تنتظرني لكي أحققها. واستطرد الشاب يتحدث عن أهدافه بلغة تفصل ما يرغب في تحقيقه عنه شخصيا. وعندما فرغ الشاب من كلامه، قال الحكيم: تمعن في كلماتك التي قلتها آنفا، سوف تلاحظ أنك كنت تتكلم عن أهدافك كأشياء تقع خارجك، كما لو أن بينك وبينها جدار سميك. ومن شأن تلك المسافة أن تفصلك عن أهدافك، وفي هذا شعور بصعوبة تحقيق ما تسعى من أجله، لأنك تجري وراء أهدافك. وعندما تختبر يقينك بقدرتك على تحقيق ما تريد، ستشعر حتما أن المسافة التي بينك وبينها تبعدك عنها وتدفعك للعمل الشاق، وبذل جهود كثيرة واستغلال موارد كثيرة وفي ذلك بلاء كبير. ثم استدار الحكيم العجوز، وصمت قليلا، ثم تقدم نحو الشاب السائل مستطردا: لكن دعنا نغير الأسلوب، فبدلا أن تتحدث عن أهدافك كما لو كانت خارج ذاتك، تحدث عنها وعبر عنها كما لو كانت تنبثق من داخلك، فالكون كله عبارة عن إدراك قبل أن يكون شيئا مرئيا أو ملاحظا، الحياة كلها تعبير عن وعيك بها، وبالتالي فإن الأهداف شأنها شأن كل شيء في الحياة، هي ادراك وقناعات وأفعال، وعلى قدر ادراكك لها سوف يكون سعيك.
عندما تتواصل مع أهدافك كشيء منبثق من داخلك سوف يتغير موقفك منها، من شخص منفصل عن أهدافه إلى شخص متصل بها، من إنسان يتعامل مع واقع موضوعي خارج نطاق سيطرته إلى شخص يستوعب في منظومة ادراكه واعتقاده كل الحياة وعلى ضوء ذلك يعي ويشعر ويتصرف، لينبثق الفعل من داخله ولتكون النتائج جزءا من إدراكه.
وهكذا يفعل جميع الملهمين والمبدعين والمصلحين، يستمعون جيدا إلى صوتهم الداخلي، ويكتشفون اتصالهم الكوني الذي لا تفصله لغات أو شهادات أو ألقاب أو أي شيء يحد من مرونة اتصالهم. ماذا سيحدث لو دربت نفسك على استشعار هذه العلاقة الكونية الداخلية بمستويات متنوعة من الوعي مع كل شيء في حياتك. سيتيح لك هذا الأسلوب آفاقا أرحب من المعرفة التي تبني عليها علاقات مثمرة مع الأشياء,

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى