الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ليبيا والبريسترويكا الإرهابية

ليبيا والبريسترويكا الإرهابية

أحمد مصطفى

” بررت واشنطن تدخلها الجوي في ليبيا بأنه “ضمن الحرب على الإرهاب”، أي كما تفعل في العراق وسوريا وغيرها وهكذا لتستبشر ليبيا بأن تتفتت أكثر على طريقة سوريا والعراق وأفغانستان وغيرها من ساحات حرب أميركا على الإرهاب. ويتسق هذا التطور مع الاستراتيجية الأميركية التي ترعى جماعات مثل الإخوان وغيرها كبديل لجماعات مثل القاعدة وداعش،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد أيام قليلة من فشل اتفاق تصدير النفط من راس لانوف بليبيا، أعلن بشكل متزامن من طرابلس وواشنطن عن بدء غارات أميركية على التنظيمات الإرهابية في سرت. وبدأ التدخل الأميركي في ليبيا بقصف مباشر مفاجئ إلى حد ما إذ أن تلك أول مرة تتدخل فيها واشنطن مباشرة بهذا الشكل في ليبيا رغم انها لم تكن من المتحمسين جدا لهذا التورط. ومنذ فرضت الولايات المتحدة، عبر اتفاق الصخيرات، مجلسا رئاسيا وحكومة وفاق وطني نقلت إلى طرابلس لم تتبع واشنطن خطى دول أوروبية في إرسال مبعوثين أو إعادة التمثيل الدبلوماسي لليبيا دعما لحكومة الأمم المتحدة تلك. واعتبر الموقف الأميركي متعقلا بانتظار اكتمال شرعية المجلس الرئاسي والحكومة بعد نيلها ثقة البرلمان المنتخب حسب اتفاق الصخيرات (وهو البرلمان الذي انقلب عليه الإخوان وجماعات التطرف بعد عدم تصويت الشعب الليبي لهم، واصر الغرب عير الأمم المتحدة على اشراكهم في الحكم عبر حكومة وفاق).
وفي ظل الوضع الهش للمجلس الرئاسي وحكومته، واعتمادهم على ميليشيات متناحرة فيما بينها ومتطرفة في أصلها واخوانية النهج (أي انتهازية)، يسعى المبعوث الدولي مارتن كوبلر لحشد ما يضفي شرعية دولية على حكومة الوفاق الوطني. ومع الوضع الهش لتلك الحكومة في طرابلس، التي ما زالت تسيطر عليها ميليشيات انقلابية أما كانت مؤيدة للإخوان أو جماعات الإرهاب أو كتائب مصراته المتشددة في العنف، بدأت حكومات اوروبية ترسل بدبلوماسيين او مبعوثين إلى ليبيا في دعم معنوي/سياسي لها. ولم يغير ذلك شيئا على الأرض، وما زالت الحكومة تعتمد على دعم الميليشيات وفي خلاف مع الجيش الوطني والبرلمان الشرعي في الشرق. وبدا وكأن جهود المبعوث الدولي ورعاه الأوروبيين إنما تستهدف تكوين جيش وأجهزة أمن من تلك الميليشيات المتطرفة عوضا عن الجيش الوطني الليبي الذي يقاتل الإرهابيين في بنغازي ودرنة وغيرها.
بررت واشنطن تدخلها الجوي في ليبيا بأنه “ضمن الحرب على الإرهاب”، أي كما تفعل في العراق وسوريا وغيرها وهكذا لتستبشر ليبيا بأن تتفتت أكثر على طريقة سوريا والعراق وأفغانستان وغيرها من ساحات حرب أميركا على الإرهاب. ويتسق هذا التطور مع الاستراتيجية الأميركية التي ترعى جماعات مثل الإخوان وغيرها كبديل لجماعات مثل القاعدة وداعش، فيما تعتبره استخداما لتيار معتدل ضد آخر متشدد من ضمن الفصيل ذاته. ذلك مع ان الحقيقة الدامغة بأن كل تلك الجماعات المتطرفة إنما خرجت من عباءة الإخوان معروفة لدى الاستراتيجيين الأميركيين جيدا، لكنهم يردون التسويق لما يمكن وصفه “إرهاب معتدل” مقابل “إرهاب متطرف” ضمن تيار “الإسلام السياسي” الواسع. هذه الاستراتيجية تريد في ليبيا التعامل مع الميليشيات بديلا للجيش النظامي ومع جماعات متشددة بديلا للبرلمان الشرعي المنتخب، ويمكن بسهولة وصفها بأنها “البريسترويكا الإرهابية” الأميركية (البريسترويكا كلمة روسية تعني إعادة الهيكلة وارتبطت بحركة التغيير في الحزب الشيوعي السوفيتي في الثمانينات التي قادها ميخائيل جورباتشوف وانتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي ووصف سياسة غورباتشوف بكلمة جلاسنوست، أي انفتاح بالروسية).
ومنذ بدء الجيش الوطني الليبي حملته لطرد الإرهابيين من بنغازي ودرنة وغيرها من مناطق الشرق، سعت الميليشيات (التي كانت تشكل تجمع فجر ليبيا الإرهابي سابقا) للتشويش على ذلك بما قالت إنها حملة على سرت، معقل تنظيم داعش. ولم نكد ننسى كيف أن سرت دمرت حتى آخر حجر وأحرق شجرها وحوائطها على أيدي تلك الميليشيات ذاتها بقيادة كتائب مصراته في 2011 وبدعم من قصف طيران الناتو وهجرها أهلها لتصبح خرابة مناسبة لتجمع عناصر “أنصار الشريعة” (تنظيم القاعدة) الذين اصبحوا فيما بعد داعش. وكأنما تلك الميليشيات تتبادل الأدوار في “الخرابة” التي كانت سرت تحقيقا لنظرية البريسترويكا الإرهابية: إرهاب معتدل مقابل إرهاب متطرف. والهدف طبعا هو من ناحية “شرعنة” تلك الميليشيات باعتبارها “جيش” الحكومة المشكلة من قبل الأمم المتحدة وأن تكون هي متلقي أي سلاح يصل ليبيا عند رفع حظر التسلح عنها.
لكن العامل الحاسم في التدخل الأميركي الآن يبدو هو فشل اتفاق كوبلر مع ابراهيم الجضران، الآمر السابق لحرس المنشآت النفطية المعادي للجيش الوطني والقريب من الميليشيات بشأن تشغيل مرافئ تصدير النفط لتوفير الأموال لحكومة الوفاق. ليس عامل النفط فحسب، بل إن زيارة قائد الجيش الوطني لموسكو مؤخرا وما بدا من إمكانية حصوله على سلاح روسي أو ترتيب مساندة روسية ما لجهود محاربة الارهاب في ليبيا عن طريق الجيش الوطني دفعت واشنطن للمسارعة بالتدخل الجوي، بغض النظر عن تحقيق أي انجازات من عدمه. ولنا في غارات أميركا في العراق وسوريا عبرة لا تبشر باي انجاز فكلما كثرت غاراتهم توسع داعش للأسف.
نعم، يعد النفط اولوية عند الأميركيين لكن ليبيا ليست بتلك الأهمية لديهم سوى كونها تضم ذلك الثنائي الذي يسعون لأن يتسيد المنطقة ويبدون: انهم يصلحون أحوالها بتغليب طرف منه على الآخر. ولا يمكن أيضا استبعاد كون ليبيا في تماس حاسم مع مصر من ناحية وتونس والجزائر (والأهم الجزائر) من ناحية أخرى، ومن شأن تحكم الإخوان فيها أن يحفز تغييرات غير مرغوبة في مصر والجزائر.

إلى الأعلى