الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ما لا تعرفه عن العملية “ابيسكام”

ما لا تعرفه عن العملية “ابيسكام”

جيمس زغبي

”لن أنسى أبدا أطفالي لدى عودتهم إلى المنزل من حفل هالوين بعد العملية ابيسكام وهم يقولون لي إنهم لا يريدون أن يعرف أي شخص في المدرسة الكائنة بإحدى ضواحي واشنطن أنهم من أصل عربي لأن موكب هالوين السنوي لتلك السنة ضم عددا من زملائهم يرتدون أزياء عربية كاملة مع أنوف كبيرة، شاهرين البنادق والسكاكين وعلب الزيت، وأكياس من المال.”

يعرض حاليًّا في دور السينما الأميركية الفيلم الكوميدي” أميركان هاسل”، المبني على أساس فضيحة “ابيسكام”. وبالنسبة لأولئك الذين لم يسمعوا عن الفيلم أو الذين لا يتذكرون تلك الفضيحة أواخر عقد السبعينات، كانت عملية ابيسكام مصيدة نصبها مكتب التحقيقات الاتحادي (اف بي آي) وقام ببطولتها عملاء يرتدون زي شيوخ عرب، قام خلالها هؤلاء المشايخ الوهميون في شريط مسجل بالفيديو عن طريق اف بي آي بتقديم رشى نقدية لأعضاء في مجلس الشيوخ وأعضاء بالكونجرس طالبين المساعدة في مجموعة من الأنشطة غير المشروعة. وقد ألقي القبض على الجناة من أعضاء الكونجرس، وأدينوا، وحكم عليهم بالسجن بتهمتي الرشوة والتآمر.
وقد ولد الفيلم جدلا حول عرض الأحداث والشخصيات بصدق، وعما إذا كانت التكتيكات المستخدمة من قبل مكتب التحقيقات الفدرالي تشكل فخا من عدمه. ولكن كان هناك بعد آخر للعملية ابيسكام لم يتناوله الفيلم وتجاهلته وسائل الإعلام، وهو أثر العملية على العرب الأميركيين.
بالنسبة للكثيرين في مجتمعي لم تكن القصة بمجملها سوى مثال آخر للتنميط السلبي المؤذي، فلقد نشأنا وترعرعنا في ظل وجبة ثابتة من التصوير العنصري للعرب أنهم إما إرهابيون أو شيوخ نفط فسقة جشعون متعطشون للدماء. ولعقود ظلت هوليوود تغذي تلك الصور النمطية، حتى جاء التلفاز ليعزز هذه الصور الذهنية، وجعل منها رسامو الكاريكاتير الصورة القياسية.
وبحسب الدراسات التي أجريت في ذلك الوقت، كان يتم تصوير العرب افتراضيا في السينما والتلفزيون بشكل سلبي، وأحيانا بشكل صارخ جدا. وفي غياب أي صورة إيجابية، تثبت الصور السلبية. أن تكون عربيا لم يكن أمرا مختلفا فحسب، بل أن تكون سيئا، فاسدا، وأقل إنسانية. في ذلك الوقت، نشر الكاتب نيكولاس فون هوفمان مقالا قال فيه “إنه ليست هناك جماعة دينية أو قومية، أو ثقافية … تعرضت لمثل هذا القدر من الذم على نطاق واسع وباستمرار. ”
وكان تأثير ذلك على المجتمع الأميركي واضحا. بعد فترة وجيزة من العملية ابيسكام، أصدر معهد الشرق الأوسط نتائج استطلاع للرأي العام يظهر أغلبية الأميركيين يصفون العرب بـ “الهمجية والوحشية” و “الخيانة” و “النزعة الحربية” ، و”الثراء” .
لن أنسى أبدا أطفالي لدى عودتهم إلى المنزل من حفل هالوين بعد العملية ابيسكام وهم يقولون لي انهم لا يريدون أن يعرف أي شخص في المدرسة الكائنة بإحدى ضواحي واشنطن أنهم من أصل عربي لأن موكب هالوين السنوي لتلك السنة ضم عددا من زملائهم يرتدون أزياء عربية كاملة مع أنوف كبيرة، شاهرين البنادق والسكاكين وعلب الزيت، وأكياس من المال.
وأضحت الصور النمطية السلبية عن العرب متأصلة حتى في الثقافة لدرجة أنها باتت مقبولة للاستخدام حتى من قبل أعلى وكالة لإنفاذ القانون في الولايات المتحدة. أتذكر أنني واجهت مسؤولا بمكتب التحقيقات الاتحادي بعدة أسئلة حول العملية ابيسكام من بينها “لماذا استخدام الكاريكاتير العربي للإيقاع بشخصيات سياسية؟ لماذا توريط العرب في مخطط الرشوة في الكونجرس، في حين أن العرب لم يفعلوا أي شيء من هذا القبيل في أي وقت مضى؟ هل تم استخدام أي مجموعة عرقية أخرى من قبل؟ وجاء رده إجابة على كل شيء: “كنا نبحث عن إنشاء سيناريو قابل للتصديق وقد كان هذا السيناريو منطقيا بالنسبة لنا ! ”
بوضوح صار كونك “عربيا ” موضع اتهام. ولم يكن الأثر ثقافيا فقط. فلقد اكتشفنا انه كانت هناك عواقب سياسية بالنسبة للأميركيين العرب، كذلك. فباختراع قصة لم تحدث من قبل ـ أي استخدام العرب للمال “لشراء” الكونجرس ـ تسبب مكتب التحقيقات الفيدرالي في تعريض المشاركة السياسية للعرب الأميركيين للخطر. في السنوات التي تلت ذلك، رفض العديد من الحملات السياسية الكبرى المساهمات من الجهات العربية الأميركية المانحة خوفا من اتهامها بـ” أخذ المال من العرب ” .
والحقيقة لم يركن كل العرب الأميركيين لقبول أحداث ابيسكام كمصير لهم. فقد بلغ الغضب بالسناتور الأسبق الجريء والشجاع، جيمس أبو رزق درجة أنه توجه باحتجاجه مباشرة لمكتب التحقيقات الاتحادي ثم أصدر نداء إلى العرب الأميركيين لاستعادة الحق في الدفاع عن وتحديد تراثهم. وقد طلب مني الانضمام إليه في المشاركة في تأسيس لجنة مكافحة التمييز الأميركية العربية. واستثمر أبو رزق رأسمال سياسي كبيرا في حفز المجتمع للقتال مرة أخرى، وفي مساعدتنا على التنظيم، ومنحنا صوتا. واستطعنا معا بناء وسيلة لمحاربة التشهير والتمييز، ورصد وسائل الإعلام والكتب المدرسية، وتحدي السياسيين والمعلنين والشبكات التي تعتمد على الصور النمطية السلبية عن العرب .
كانت تلك الأيام شديدة حيث اكتشفنا قوة أن تكون مجتمعا منظما. صحيح أننا واجهنا تحديات هائلة، ولكننا ثابرنا على طول الطريق وفزنا بالعديد من المعارك. وإذ تتبقى بالتأكيد مشاكل خطيرة، لكننا الآن في وضع أفضل قياسا باليوم الذي كنا عليه في عام 1979 .
بالنسبة للأميركيين العرب، كانت هذه هي قصة ابيسكام. لقد كان “فيلما أميركيا” لا ريب، ولكنه سبب جرحا عميقا لثقافة بأكملها. الأهم من ذلك، انه كان الحدث الذي دفع بنا إلى العمل. انه من العار أن هوليوود لم تجنح إلى تصحيح هذا الجزء من القصة. ولكن أن تفعل ذلك لا بد لها من الاعتراف بالدور الذي لعبته في المساعدة على تعميم الصورة النمطية السلبية التي استخدمها مكتب التحقيقات الفيدرالي في المقام الأول.

إلى الأعلى