الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً)

(لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً)

أيها القراء الأعزاء: إن هذه الأمة التي تبث الخير، وتحمل الحق إلى العالم كله، ليرجع إلى دين الله الواحد، لم تكن عملية بنائها وتربيتها عملية سهلة، هينة لينة، ولم يكن الطريق إلى ذلك قفزات سريعة، يستعجل فيها الداعون الوصول إلى الهدف المنشود. ولكنها كانت عملية بناء متكامل، يبذل فيها المسلمون الجهد والعناء، ويصبرون على أشواك الطريق الذي يسيرون عليه بخطىً متئدة متدرجة، كل خطوة تسلمهم إلى التي تليها ليكونوا بذلك على الجادة المستقيمة من الطريق بعد تلك المجاهدة والمصابرة قال تعالى:(والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ).
ومن سنة الله تعالى في الحياة الاجتماعية أنه لا يتم تغيير ما بالمجتمع حتى يبذل المرء جهده في عملية التغيير النفسي، أولاً: قال الله تعالى:(إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) فسقوط الحضارات ونهوضها، والأمم في ارتفاعها وهبوطها، مرتبطة بهذا التغيير النفسي في مسارها عبر التاريخ والحاضر والمستقبل، وهي سنة ماضية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل.
فهذا عمر ـ رضي الله عنه ـ يأتيه خبر فتح خراسان، فيقول للناس في المدينة:(لا تبدلوا، ولا تغيروا، فيستبدل الله بكم غيركم، فإني لا أخاف على هذه الأمة إلا أن تؤتى من قبلكم).
وها هو يؤتى إليه بغنائم فيرى ياقوته وجوهره، فيبكي، فيقول له عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه:(ما يبكيك يا أمير المؤمنين وهذا موطن شكر؟! فيقول عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى الله هذا أقواماً إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى الله بأسهم بينهم)! وقد كان ما خافه رحمه الله! قال الله تعالى:(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
ولعلك تتساءل ـ أيها المسلم الغيور ـ عن الطريق العملي لهذا الإصلاح الذي ينشده الإسلام للفرد، ليكون خطوة على طريق الإصلاح الشامل للمجتمع الإنساني كله؟ وقبل أن أبدأ في سرد العناصر لابد من تقرير مبدأ مهم ألا وهو: غير نفسك أولاً .. كن قدوة فعلية ليسترشد بك غيرك على الطريق، ففعل رجل يؤثر في ألف رجل.
تحقيق مفهوم العبودية لله رب البرية:
كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يفهمون العبودية بالمعنى العام الواسع الشامل، العبودية التي تستوعب كل حركة وسكنة في حياة الإنسان ولذلك لما حققوا هذه العبودية لله عز وجل بمفهومها الشامل أخضع الله لهم العالمين، ولذلك جيء بملوك الروم وملوك الفرس مقيدين بالسلاسل إلى هذه البلاد الجرداء الصحراء، جاءوا عبيداً لمن عبدوا الله عز وجل حق عبادته.
هذه العبودية التي تتمثل في قول الله تعالى:(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)، وهذه العبودية التي تعني إخلاص الوجه لله عز وجل في كل عمل ظاهر وباطن، قال تعالى:(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)، قال تعالى:(قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي، فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ) وهذه العبودية التي تستوعب كل شرائع الإسلام صغيرها وكبيرها ما توافق منها مع هواي أو لم يتوافق قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) فلا نأخذ البر والصلة من الإسلام ونترك إقامة الحدود أو نأخذ إقامة الصلاة ونترك الجهاد في سبيل الله، ولكن نقول كما جاء في الآية:(آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)، وقال سبحانه:(اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) وأما لو أخذنا من الدين ما يتناسب مع أهوائنا وتركنا ما يخالفها فهذا نذير شر وشؤم في الدنيا قبل الآخرة قال تعالى:(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)، فما بالك بمن يرفض شريعة الله مطلقاً !! وكثير ما هم؟!، وهذه العبودية التي تجعل العبد دوما يراقب ربه فلا يجرؤ على معاصيه كما في الحديث:(أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وهذه هي العبودية التي تحرر صاحبها من الوهم والخرافة ومن العبودية للهوى والشهوة والشيطان، لتجعله عبداً لله تعالى وحده، فيشعر عندئذ بحريته الحقيقية وإنسانيته الكاملة.
الانقياد لأمر الله ورسوله:
قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) والاستجابة لله ورسوله تكون بفعل أمرهما واجتناب نهيهما، وتطبيق ما أمرا به على أكمل وجه – بحسب قدرة الإنسان – ولا تكون في الرخاء دون الشدة أو العكس، بل لابد أن تكون في الحالتين معاً لأن هذه هي الاستجابة الحقيقية، وعند المكاره والشدائد يتبين المستجيب الحقيقي من غيره.
فتضمنت هَذِه الْآيَة أمورا أَحدهَا أَن الْحَيَاة النافعة إِنَّمَا تحصل بالاستجابة لله وَرَسُوله فَمن لم تحصل لَهُ هَذِه الاستجابة فَلَا حَيَاة لَهُ وَإِن كَانَت لَهُ حَيَاة بهيمية مُشْتَركَة بَينه وَبَين أرذل الْحَيَوَانَات فالحياة الْحَقِيقِيَّة الطّيبَة هِيَ حَيَاة من اسْتَجَابَ لله وَالرَّسُول ظَاهرا وَبَاطنا فَهَؤُلَاءِ هم الْأَحْيَاء وَإِن مَاتُوا وَغَيرهم أموات وَإِن كَانُوا أَحيَاء الْأَبدَان وَلِهَذَا كَانَ أكمل النَّاس حَيَاة أكملهم استجابة لدَعْوَة الرَّسُول فَإِن كَانَ مَا دَعَا إِلَيْهِ فَفِيهِ الْحَيَاة فَمن فَاتَهُ جُزْء مِنْهُ فَاتَهُ جُزْء من الْحَيَاة وَفِيه من الْحَيَاة بِحَسب مَا اسْتَجَابَ للرسول.
وبِحَسَبِ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ تَكُونُ الْعِزَّةُ وَالْكِفَايَةُ وَالنُّصْرَةُ، كَمَا أَنَّ بِحَسَبِ مُتَابَعَتِهِ تَكُونُ الْهِدَايَةُ وَالْفَلَاحُ وَالنَّجَاةُ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَّقَ سَعَادَةَ الدَّارَيْنِ بِمُتَابَعَتِهِ، وَجَعَلَ شَقَاوَةَ الدَّارَيْنِ فِي مُخَالَفَتِهِ، فَلِأَتْبَاعِهِ الْهُدَى وَالْأَمْنُ وَالْفَلَاحُ وَالْعِزَّةُ وَالْكِفَايَةُ وَالنُّصْرَةُ وَالْوِلَايَةُ وَالتَّأْيِيدُ وَطِيبُ الْعَيْشِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلِمُخَالِفِيهِ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ وَالْخَوْفُ وَالضَّلَالُ وَالْخِذْلَانُ وَالشَّقَاءُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَدْ أَقْسَمَ (صلى الله عليه وسلم) بِأَنْ (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وَأَقْسَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِأَنْ لَا يُؤْمِنَ مَنْ لَا يُحَكِّمَهُ فِي كُلِّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ يَرْضَى بِحُكْمِهِ، وَلَا يَجِدَ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا مِمَّا حَكَمَ بِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمَ لَهُ تَسْلِيمًا وَيَنْقَادَ لَهُ انْقِيَادًاً، وَقَالَ تَعَالَى:(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)، فَقَطَعَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى التَّخْيِيرَ بَعْدَ أَمْرِهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ، فَلَيْسَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَخْتَارَ شَيْئًا بَعْدَ أَمْرِهِ (صلى الله عليه وسلم)، بَلْ إِذَا أَمَرَ فَأَمْرُهُ حَتْمٌ، وَإِنَّمَا الْخِيَرَةُ فِي قَوْلِ غَيْرِهِ إِذَا خَفِيَ أَمْرُهُ وَكَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ وَبِسُنَّتِهِ، وقال الله تعالى:(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، وجاء في الحديث:(مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ولنا الأسوة والقدوة الحسنة في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لهم مواقف تكاد لا تحصى تبين سرعة استجابتهم لأمر الله وأمر رسوله (صلى الله عليه وسلم) حتى لو تصادم هذا الأمر مع عقولهم أو مصالحهم في الظاهر، فهم أصحاب اليد الطولى في هذا الباب.
عاقبة أهل الاستجابة:
قال تعالى:(الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ)، قال الله تعالى:(وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا، وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) عاقبة من لا يستجيب: يقول سبحانه وقوله الحق:(لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَاد).

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى