الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الإعجاز العددي بين الأخذ والترك (3)

الإعجاز العددي بين الأخذ والترك (3)

4 ـ فيه الغلو والشطط والغلو هو مجاوزة الحد المقدر له وفيه تصنع ولي الحقائق إذ يؤخذ بها مرة ةتترك مرة حسب انقائية الباحث وحسب شروط موجهة مسبقاً يصل بها الباحث إلى مراده من إثبات ما سماه بالإعجاز العددي ويترتب عليه مفسدة لخروجه عن إطار المصلحة, فمن الغلو القول بأن تفجيرات 11 /9 /1999م التي وقعت بمبنى التجارة العالمي بأمريكا بآية التوبة (110):(لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) فقالوا إن رقم الآية (110) يشير إلى عدد طوابق المبنى وإن ترتيب السورة (9) يشير إلى شهر سبتمبر وإن الجزء الحادي عشر الذي فيه السورة يشير إلى اليوم (11), وهو تكلف واضح فإن صح قلنا من قال ذلك للشهر وذلك لليوم وهذا للطوابق ثم إن حساب القرآني هو بالتقويم الهجري ثم إن هذا التأويل إخراج للنص عن مدلوله إذ الموضوع عن بمسجد الضرار الذي بناه المنافقون زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) والتأويل هنا بأميركا فما العلاقة بينهما!.
5 ـ إنه يتنبأ به عن الغيب خصوصاً الغيب المستقبلي: يقول الله تعالى في سورة الإسراء وتسمى أيضا بسورة بني اسرائيل:(وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) (الإسراء ـ 2) إلى أن قال سبحانه:(وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا)(الإسراء ـ 104) فإنهم حسبوا عدد كلمات في هذه الآيات (2-104) هو 1443, وهو التاريخ الهجري يقابله التأريخ 2022م, وحسبوا الفرق بين هذا التأريخ الهجري وبين تأريخ ميلاد اسرائيل الذي هو 1367هـ (1948م) فوجدوا يساوي 76سنة وهو يطابق عمر دولة اسرائيل حسب النبوءة اليهودية, ثم زعموا إن التأريخ (2022م) هو زوال اسرائيل, وهذا يُرَدّ بالسؤال من أين لكم هذا؟ أأحصلتم عليه من نص بطريقة قطعية أم هو شطحة من شطحات ما أنزل الله بها من سلطان؟ ففيه تقول على الله أو على كلامه بغير علم بل بتخرص ووهم, ولو كانوا يقولون بحرمة ذلك ,قال الله تعالى:( وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ)(النحل ـ 116).
6 ـ تعدد القراءات حيث تصل إلى سبع أو إلى عشر قراءات متواترة فإن أُخذ بإحداها لم ينطبق على الثانية فهل يُعقَل إن الإعجاز العددي يلحق بها دون الأخريات مع إن الجميع قرآن صحيح, فإن هذا يؤدي إلى تضارب بين قارئي القرآن, (وأجيب) إن كل قراءة لها إعجاز عددي و لو خالف الإعجازات العددية للأخريات, ويجبا بأنها من باب التوافقات العددية ولا دليل قطعي على إعجازها.
7 ـ محاكاة التناسق العددي والترابط الرقمي يستطاع أحدنا محاكاته و(رد) أن التناسق العددي وجد في القرآن مع إنه رُتَّب ترتيب تلاوة على غير ترتيب نزول, فلا يمكن أن يكون ذلك وليد صدفة وإنما جاء من لدن ذات عليمة حكيمة وهذا بعينه الإعجاز و(يجاب) لا يخرجه إلى طور الإعجاز كونه جاء غير صدفة ولكنها ظاهرة عددية فحسب.
8 ـ هذه الظاهرة العددية للقرآن هي مجرد لطائف قرآنية تتجلى في ظواهره العددية و(رُد) بالآية الكريمة (قلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الاسراء ـ 88) والشاهد فيها أنه قال:(بمثل هذا القرآن) هكذا بإطلاق ولم يقل بمثل لغته أو مثل تشريعه أو بمثل غيبه, لذلك فإن الأعجاز العددي داخل فيه, و(يجاب) لقد تحددت المثلية بقوله تعالى:(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(البقرة ـ 23)، فإن المطلق يحمل على المقيد وهنا مقيد بسورة أي نظم سورة مثل نظم القرآن.
9 ـ إنه بدعة لم يعمل به النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا صحابته الكرام ولم يبحثه العلماء طيلة القرون الماضية حتى ظهر في عصرنا الحديث, وبما إنه بدعة فهو ضلال كما جاء في الحديث العرباض بن سارية فَقَالَ:(عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلَافًا شَدِيدًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) و(رُد) إن معطيات تلك العصور لا تمكِّن من التوصل إلى هذا الإعجاز, ومع الثورات الصناعية والحاسوبية الكبرى في هذا القرن تسنى لنا معرفته, وهناك بدعة حسنة مقابل البدعة السيئة و(يجاب) البدعة تكون حسنة إذا خلت من مخالفات شرعية ولكن هذا يشيبه بعض الظن كما إن ما لم يستطع علمه البشر في زمن ثم استطاعوا علمه في زمن آخر فليس ذلك بمعجز.
10 ـ يؤدي إلى تقديس الأعداد كما قدست البهايئة العدد 19, (وأجيب) إن تقديس من قدس الأعداد راجع إليهم ونحن لا نعمل به فقد قدس بعضهم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وهم الصوفية كما قدسوا أصحاب القبور ورفعوا الشيخ عبد القادر الجيلاني إلى مرتبة الربوبية حين سموه (محي العظام وهي رميم) ونحن لم نعتقد اعتقادهم (قيل) بل الواقع يقول بتقديس بعض الأعداد كالعدد 19 وجعله محوراً للدراسات العددية للقرآن
11 ـ القرآن كتاب هداية لا كتاب حساب وعلوم ,(وأجيب) إن غير الناطقين بالعربية لا يعرف معظمهم تلاوة القرآن, لذا وفَّر لهم القرآن لغة الأرقام التي يفهمونها حيث هي لغة عصرنا الحالي, و(اجيب) قد تُرجم القرآن الكريم إلى كل اللغات وهناك قنوات فضائية تتكلم عن القرآن بمختلف اللغات حتى دخل القرآنإلى كل بيت وفهمه كل منصت أضف إلى احتكاك المسلمين بهم الذي يولد بينهم التفاعل الديني والثقافي واللغوي.
12 ـ يحتمل خطأ الحاصين للظواهر العددية, كمثل من يحسب (ما يسطرون) كلمة واحدة بالرغم من إنها كلمتان و(رُد) إن خطأ البعض لا يرد صواب البعض الآخر فيه, ومن الأخطاء حساب عدد لفظ (أبليس) بأنه (11) يقابله عدد الإستعاذة منه بنفس العدد, فإن الحاصي حسب فقط لفظتي (أعوذ) و(استعذ) وذهل عن باقي ألفاظ الإستعاذة كـ (أعيذها) و(يعوذون) و(معاذ الله), و(أجيب) قلما يخطأ المشتغل بالإعجاز العددي وذلك بحكم قدرته البشرية المحدودة وعليه لا يتقوم أو يتشخص هذا العلم كإعجاز.
13 ـ عدم الحاجة إلى إعجاز جديد, و(رٌد) بإن زيادة إعجاز جديد فيه زيادة يقين بكتاب الله ما يتقوى الإيمان به و(أجيب) الخوف من الله وزيادة اليقين يكمن بفعل الأوامر و ترك الزواجر والله لم يأمرنا بالإشتغال به.
14 ـ فيه تكلف من المؤلف فيه يستعملها لخدمة مقاصد أو تصورات مسبقة في نفسه وفي ذلك خروج عن مقاصد القرآن وتحميله ما لا يحتمل وقد نهينا عنه بقوله تعالى:(قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) (ص ـ 86), و(رُد) إن ذلك ليس عاماً بل يوجد من الباحثين الموضوعيين غير المتكلفين, و(أجيب) قلما يخلص من ذلك حيث فرصة اتباع الهوى سانحة فمثلاً هل اعتبار الإشارة القرآنية لتفجيرات أميركا تخدم هدفاً من أهداف القرآن.
15 ـ إن هذه الظواهر العددية ليس هناك منطق واضح يربط بعضها ببعض وافتقار منهجية الربط ببينها يضع الكثيرين في حيرة من أمرها متسائلين ما الفائدة ما الغرض.
16 ـ عدم شمولية الإعجاز العددي للقرآن الكريم وغير سالم من المعارضة كذلك لو قُدِّر ونقل الآية الفلانية بمكان الآية الأخرى فإن الإعجاز العددي حسب زعمهم لا يختلف فأين الإعجاز في ذلك مع هذا التناقض الواضح.
أدلة القائلين بالإعجاز العددي:
1 ـ كل شيء بقدر: ألسنا ننظر إلى الكون من بيننا في الآفاق وفي الأرض وبواطنها في المحيط وفي خبايا أنفسنا فنجد إن كل شيء موجود ويعمل بقدر قال الله تعالى:(الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)(الأعلى 2 ـ 3) ومنه قوله تعالى:(اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيب) (الشورى ـ 17) أو ليس من المعقول إن يحتوي القرآن وهي آيات الله المسطورة أن تحتوي على تقادير حسابية معينة تنبأ إن الله هو العليم الحكيم, (ويرد) إنكم جعلتم الأعداد حكَماً على القرآن فماذا لو لم يكن هناك إعجاز قرآني أتقولون إن القرآن غير معجز وبالتالي لا دليل على صدق النبوة فتنتقض الرسالة المحمدية برمتها, ثم إن ليس كل ما قدره الله يكون معجزاً, فالله قدّر السنة الشريعة فقال سبحانه:(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم 3 ـ 4) وهي غير معجزة وكذلك الأحاديث القدسية وهي كلام الله لكن لفظ بها النبي (صلى الله عليه وسلم) وقّدر الكتب السماوية السابقة وهي غير معجزة حيث لم يتحدى الله بها أضف إلى إنها غير محفوظة فقد طرأ عليها التبديل.
2 ـ القرآن أنزل وفيه علم الله جل جلاله فالاية:(لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا), فمعنى (أنزله بعلمه) أي أنزله مصاحبا بعلمه أو أنزل فيه علمه وهذا العلم لم يتحدد بجانب دون جانب لذا كان الجانب العددي مشتملاً فيه، قوله سبحانه:(فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (هود ـ 14), وقوله سبحانه:(قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (الفرقان ـ 6), و(رُدّ) هذا تفسير بالرأي لا يقطع به.
3 ـ أنباء القرآن ستتحقق ومنه أنه كما قال سبحانه:(إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) (ص 87 ـ 88), وقوله سبحانه:(لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (الانعام ـ 67) أي: لكل خبر زمن يستقر فيه متحققاً بقدر الله, و سيرى الله تعالى الناس خصوصاُ الكافرين أنباء القرآن وهي تتحقق في هذا الكون الشاسع ماثلة أمام أعينهم لا يشوبها شك وفي ذلك عبرة لمن يعتبر فقال الله تعالى:(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت ـ 53) و(رُدّ) إن التوافقات العددية خصوصاً إذا رُبِطت بالأحداث تكون تنبأً بالغيب وتكون ألغاز باطلة, إما إذا اعتبرت كمجرد ظواهر عددية فهي تفاسير كما أسلفنا.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى