الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (34)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (34)

ثانياً ـ شروط صحة الجمعة:
1 ـ الوقت: وهذا مجمع عليه فلا تصح قبله ولا بعده، واختلف العلماء في وقت الجمعة على ثلاثة أقوال، الأول: أن وقتها هو وقت الظهر ولا يجوز قبله، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وبه قال ابن حزم، والثاني: أنها تجوز قبل الزوال في الساعة السادسة، وهو قول أحمد وحكي عنه أنه قال في الساعة الخامسة، قال ابن قدامة: والصحيح في الساعة السادسة، والثالث: أنه يجوز فعلها في الوقت الذي تفعل فيه صلاة العيد، وهو قول القاضي وأصحابه من الحنابلة.
واحتج كل فريق على ما ذهب إليه، وأما أصحاب القول الأول فقد احتجوا على أن وقتها هو وقت الظهر بالآتي:
1 ـ ما أخرجه البخاري من حديث أنس أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس، وبوب البخاري لهذا الحديث بقوله: باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس.
قال الحافظ: جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالف عنده.
2 ـ ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع قال: كنا نجمَّع مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء.
3 ـ قال النووي: وهذا هو المعروف من فعل السلف والخلف، قال الشافعي: صلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وأبو بكر وعمر وعثمان والأئمة بعدهم كل جمعة بعد الزوال.
4 ـ وأما المعتدل فقالوا :لأنهما صلاتا وقت ـ أي الجمعة والظهر ـ فكان وقتهما واحداً، كالمقصورة والتامة ولأن إحداهما بدل عن الأخرى، وقائمة مقامها، فأشبها الأصل المذكور، ولأن آخر وقتهما واحد، فكان أوله واحداً، كصلاة الحضر والسفر.
واحتج أصحاب القول الثاني بالآتي: قال ابن قدامة: ولنا عل جوازها في السادسة السنة والإجماع:
1 ـ ما روى جابر بن عبد الله، قال:(كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يُصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حتى تزول الشمس) ـ أخرجه مسلم.
2 ـ وعن سهل بن سعد قال:(ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ـ متفق عليه، قال ابن قتيبة: لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال.
3 ـ وعن سلمة قال:(كنا نصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان فيء نستظل به) ـ رواه أبو داود .
وأنا الإجماع، فروى الإمام أحمد .. عن عبد الله بن سيدان قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر، فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر بن الخطاب فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول قد انتصف النهار، ثم صليتها مع عثمان بن عفان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول قد زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره، قال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية أنهم صلَّوا قبل الزوال، وأحاديثهم تدل على أن النبي (صلى الله عليه وسلم) فعلها بعد الزوال في كثير من أوقاته، ولا خلاف في جوازه، وأنه الأفضل والأولى، وأحاديثنا تدل على جواز فعلها قبل الزوال و لا تنافي بينهما.
وأجاب الجمهور على الأحاديث التي احتج بها أصحاب هذا القول أنها كلها محمولة على شدة المبالغة في تعجيلها بعد الزوال من غير إبراد و لا غيره، قال النووي: وتفصيل الجواب أن يقال: حديث جابر فيه إخبار أن الصلاة والرواح إلى جمالهم كانا حين الزوال، لا أن الصلاة قبله، والجواب عن حديث سلمة أنه حجة لنا في كونها بعد الزوال، لأنه ليس معناه أنه ليس للحيطان شيء من الفيء، وإنما معناه ليس لها فيء كثير بحيث يستظل به المار، وهذا معنى قوله:(وليس للحيطان ظل يستظل به)، فلم ينف أصل الظل، وإنما نفى كثيره الذي يستظل به، وأوضح منه الرواية الأخرى:(نتتبع الفيء) فهذا فيه تصريح بوجود الفيء لكنه قليل، ومعلوم أن حيطانهم قصيرة، وبلادهم متوسطة من الشمس ولا يظهر هناك الفيء بحيث يستظل به إلا بعد الزوال بزمان طويل.
وأما حديث سهل:(ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة) فمعناه أنهم كانوا يؤخرون القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة، لأنهم نُدبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فواتها أو فوات التبكير إليها.
وأما الأثر عن أبي بكر وعمر وعثمان فضعيف باتفاقهم، لأن ابن سيدان ضعيف عندهم، ولو صح متأوَّلاً لمخالفة الأحاديث الصحيحة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، واحتج أصحاب القول الثالث بالآتي:
1 ـ ما روي عن ابن مسعود ومعاوية أنه قال: ما كان عيد إلا في أول النهار، ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يُصلي بنا الجمعة في ظل الحظيم.
2 ـ ما روي عن ابن مسعود ومعاوية أنهما صليا الجمعة ضحىً، وقالا: إنما عجلنا خشية الحر عليكم.
3 ـ ولأنها عيد فجازت في وقت العيد، كالفطر والأضحى والدليل على أنها عيد ما أخرجه ابن ماجة مرفوعاً:(إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين)، وما أخرجه أبو داود وغيره مرفوعاً:(قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان).
وأجاب الجمهور على احتجاجهم بأن الأثرين المذكورين ضعيفان لا ينهضان لمعارضة النصوص الصحيحة المستفيضة الأخرى.
ولا يلزم من تسمية يوم الجمعة عيداً أن يشتمل على جميع أحكام العيد ، بدليل أن يوم العيد يحرم صومه مطلقاً سواء صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة باتفاقهم.
قال ابن قدامة:(وأما في أول النهار، فالصحيح أنها لا تجوز، لما ذكره أكثر أهل العلم، ولأن التوقيت لا يثبت إلا بدليل من نصًّ أو ما يقوم مقامه، ولم يثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا عن خلفائه أنهم صلَّوها أول النهار، ولأن مقتضى الدليل كون وقتها وقت الظهر، وإنما جاز تقديمها عليه بما ذكرنا من الدليل، وهو مختص بالساعة السادسة ، فلم يجز تقديمها عليها .. والله أعلم،
ولأنها لو صليت في أول النهار لفاتت أكثر المصلين، لأن العادة اجتماعهم لها عند الزوال، وإنما يأتيها ضُحى آحاد الناس وعدد يسير).
وبعد عرض الأدلة ومناقشتها فالأولى خروجاً من الخلاف كما قال ابن قدامة: حيث قال: فالأولى أن لا تُصلى إلا بعد الزوال ليخرج من الخلاف، ويفعلها في الوقت الذي كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يفعلها فيه في أكثر أوقاته، ويُعجَّلها في أول وقتها في الشتاء والصيف، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يُعجَّلها، بدليل الأخبار التي رويناها، ولأن الناس يجتمعون لها في أول وقتها، ويبكرون إليها قبل وقتها، فلو انتظر الإبراد بها لشق علي الحاضرين، وإنما جُعل الإبراد بالظهر في شدة الحرَّ دفعاً للمشقة التي يحصل أعظم منها بالإبراد بالجمعة وأما آخر وقتها فإنها آخر وقت الظهر بالاتفاق إلا ما حكاه ابن حزم عن مالك من تفريقه بين آخر وقت الجمعة وبين آخر وقت الظهر، قال ابن حزم: وهذا قول لا دليل علي صحته، وإذ هي ظهر اليوم فلا يجوز التفريق بين آخر وقتها من أجل اختلاف الأيام.
مسألة: إذا خرج وقت الظهر وهم في صلاة الجمعة:
قال النووي في شرحه المهذب:(إذا شرعوا فيها في وقتها ثم خرج وقتها قبل السلام منها فاتت الجمعة بلا خلاف عندنا وفي حكم صلاته طريقان: أصحهما، وبه قطع المصنف وسائر العراقيين وجماعات من غيرهم: يجب إتمامها ظهراً ويجزئه والثاني وهو المشهور للخراسانيين: فيه قولان: المنصوص: يتمونها ظهراً، والثاني، وهو مخرج: لا يجوز إتمامها ظهراً، فعلي هذا هل تبطل أو تنقلب نفلاً؟ فيه القولان السابقان في أول باب صفة الصلاة فيه ونظائره، أصحهما: تنقلب نفلاً وإن قلنا بالمذهب يتمها ظهراً أسر بالقراءة من حينئذ ولا يحتاج إلي نية الظهر
هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور، وحكى صاحب البيان وغيره وجهاً (أنه تجب نية الظهر وليس بشيء) (أ.هـ)، وقال ابن قدامة في المغني: ظاهر كلام الحزمي أنه لا يدرك الجمعة إلا بإدراك ركعة في وقتها، ومتى دخل وقت العصر قبل ركعة لم تكن جمعة، وقال القاضي: متى دخل وقت العصر بعد إحرامه بها أتمها جمعة، ونحو هذا قال أبو الخطاب، لأنه أحرم بها في وقتها أشبه ما لو أتمها فيه.
والمنصوص عن أحمد أنه إذا دخل وقت العصر بعد تشهده وقبل سلامه سلَّم وأجزأته. وهذا قول أبي يوسف ومحمد، وظاهر هذا أنه متى دخل الوقت قبل ذلك بطلت أو انقلبت ظهراً، وقال أبو حنيفة: إذا خرج وقت الجمعة قبل فراغه منها بطلت، ولا يبني عليها ظهراً، لأنهما صلاتان مختلفان فلا يبني إحداهما علي الأخرى، كالظهر والعصر. والظاهر أن مذهب أبي حنيفة في هذا كما ذكرنا عن أحمد، لأن السلام عنده ليس من الصلاة، وقال الشافعي: لا يتمها جمعة، ويبني عليها ظهراً، لأنهما صلاتا وقت واحد، فجاز بناء إحداهما على الأخرى، كصلاة الحضر والسفر.
واحتجوا على أنه لا يتمها جمعة بأن ما كان شرطاً في بعضها كان شرطاً في جميعها، كالطهارة وسائر الشروط، قال ابن قدامة مرجحاً القول أن من أدرك ركعة في وقتها فإنه يدرك الجمعة:(ولنا، قوله (صلى الله عليه وسلم):(من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الجمعة) ولأنه أدرك ركعة من الجمعة، فكان مدركاً لها، كالمسبوق بركعة، ولأن الوقت شرط يختص الجمعة، فاكتُفى به في ركعة، كالجماعة، وما ذكروه ينتقض بالجماعة، فإنه يكتفي بإدراكها في ركعة، فعلى هذا إن دخل وقت العصر قبل ركعة، فعلي قياس قول الحزمي، تفسد ويستأنفها ظهراً، كقول أبي حنيفة، وعلى قول أبي إسحاق بن شاقْلا يتمها ظهراً كقول الشافعي، وقد ذكرنا وجه القولين.
* فائدة: قال في المغني: إذا أدرك من الوقت ما يمكنه أن يخطب، ثم يصلي ركعة، فقياس قول الحزمي أن له التلبس بها، لأنه أدرك من الوقت ما يدركها فيه، فإن شك هل أدرك من الوقت ما يدركها به أو لا؟ صحَّت، لأن الأصل بقاء الوقت وصحتها.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى