الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (117)

الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد: فـمـن حـديث الإمام عـلي بن طالب ـ كـرّم الله وجهـه ـ في العـلـم، مخـاطـباً كـميـل بن زياد:

الإمـام عـلي وكـميل بن زياد:
وروى كـميـل بن زياد بن نهـيـك النخـعي، قال حـدثني الإمام عـلي كـرم الله وجـهه عـن العـلم فـقال:(يا كـميـل إن هـذه القـلـوب أوعـية فـخـيرها أوعـاهـا، فأحـفـظ عـني ما أقـول لـك: الناس ثـلاثـة عـالم رباني، ومتعـلـم عـلى سـبيـل نجـاة وهـمـج رعـاع أتباع كل ناعـق، مـع كل ريح يمـيلـون، لم يستـضئـووا بـنـور العـلـم ولـم يـلجـؤوا إلى ركـن.
يا كـميـل العـلـم يحـرسـك وأنـت تحـرس الـمال، والـمال تـنقـصه الـنفـقة، والعـلـم يـزكـو عـلى الانـفـاق، ومـنـفـعـة الـمال تـزول بـزواله والعـلـم لا ينقـطـع نفـعـه.
يا كـميـل: محـبة العـلـم دين يـدان بـه، ويكسـب الإنسان الطاعـة في حـياته، وجـميـل الأحـدوثـة بـعـد وفاته، والعـلـم حاكـم، والـمال محـكـوم عـليه، يا كـميـل مات خـزان الـمال وهـم أحياء، والعـلـماء باقـون ما بقي الـدهـر أعـيانهـم مفـقـودة وأمثالهـم في الـقـلـوب مـوجـودة.
قال الشـاعـر:
الناس صـنـفان مـوتى في حـياتهـم
وآخـرون ببـطـن الأرض أحياء

يا كـميـل: ها إن هاهـنا لعـلـماً جـمّاً، وأشـار بيـده إلى صـدره، لـو وجـدت له حـلة، فـلا أجـد إلا لـقـنا غــير مـأمـون، يسـتعـمـل آلة الـدين للـدنـيا، ويستـظهـر بنعـم الله عـلى عـباده، ويحجـبه عـلى أولـيائه، أو مـنـقـاداً لحـملة الحـق ولا بصـيرة له في أحـبائه، وينـقـدح الشـك في قـلـبه لأول عـارض مـن شـبهـة، لا إلى هـؤلاء ولا إلى هـؤلاء، أو منهـوماً باللـذة سـلـس القـياد للشهـوة، أو مغـرماً بالجـمع والادخـار.
فهـو ليـس مـن رعـاة الـدين في شيء ، أقـرب شـبها به الأنعـام السائمة، كـذلك يـذهـب العـلـم بمـوت حاملـيه، اللهم بلى لا تخـلـو الأرض مـن قائـم بحجـة الله، أما ظاهـراً مشهـوراً، وإما خـائفـا مغـمـورا، لـئلا تبـطـل حجـج الله وبيناته.
وكـم ذا وأين أولـئـك والله الأقـلـون عـدداً، والأعـظـمـون عـنـد الله قـدراً، بهـم يحـفـظ الله له حججه وبيناته، حتى يـودعـوها نظـراءهـم في قـلـوب أشـباههـم، هجـم بهـم العـلـم عـلى حـقـيقة الإيمان، فـباشـروا روح اليـقـين، فاسـتلانـوا ما استخشـن المترفـون، وأنسـوا بما استـوحـش منه الجاهـلـون، وصحـبـوا الـدنيا بأبـدان أرواحها معـلقـة بالـرفـيق الأعـلى.
يا كـميـل: أولـئـك خـلفـاء الله في أرضه، والـدعـاة إلى دينه آه، آه شـوقا إليهـم.
وروي أن أحـد العـلـماء العـاملـين قال: لا يـكـون العـالـم عـالـماً حـتى تـكـون فـيه ثـلاث خـصال: أن لا يحـتـقـر مـن هـو دونـه، وأن لا يحـسـد مـن هـو فـوقه، وأن لا يـأخـذ بالعـلـم ثـمـناً.
وقـيـل للشـعـبي: افــتـنا أيها العـالـم؟، فـقـال إنما العـالـم مـن اتقـى الله ، قـالـوا إن مـن تمـام صـفـات العـالـم أن يـكـون شـديـد الهـيبة، رزين المجلـس وقـوراً صـمـوتاً، بطـيء الالـتـفـات، قـليـل الاشـارات سـاكـن الحـركات، لا يصخـب ولا يغــضـب، ولا يبهـر في كـلامه، ولا يمسح عـثـنـونه عـنـد الـكلام في كـل حـين، فإن هـذه كلها مـن آفـات العـيي.
قـال الشـاعـر:
مـليء ببهـر والـتـفات وسـعـلة
ومسـحة عـثـنـون وفـتـل الأصابع

ومـدح خـالـد بن صـفـوان رجـلاً فـقال: كان بـديـع المنطـق، جـزل الالـفـاظ عـربي اللسـان، قـلـيـل الحـركات، حـسن الإشـارات، حـلـو الشـمائـل، كـثـير الطـلاوة، صـموتاً وقـوراً يهـنأ الجـرب، ويـداوي الـدبـر، ويفـل الحـز ويطـبـق المحـز، ولم يكــن بالـزمـر الـمـروءة، ولا الـهـذي المنـطـق، متـبـوعـاً غـير تابـع ، كـأنه عـلـم في راسـه نـار.
ودخـل رجـل عـلى عـبـد الـمـلك بن مـروان، وكان لا يسأله عـن شيء إلا وجـد عـنـده منه عـلـماً، فاستـغـرب عـبـد الملك مـن ذلك، فـسأله أنى لـك هـذا؟.
فـقال لـه الـرجـل: لـم أمنـع قـط يا أمـير الـمـؤمنين عـلـما أفـيـده، ولـم احـتـقـر عـلـماً اسـتـفـيـده، وكـنـت إذا لـقـيت الـرجـل أخـذت مـنه وأعـطـيـتـه.
وجـاء كيسان الـمقـبري المـدني إلى الخـلـيـل بن أحـمد الـفــراهـيـدي يسأله عـن شيء، فـفـكـر فـيه الخـلـيـل ليجيـبه، فـلـما استـفـتح الـكلام قال له: لا أدري ما تقـول، ولـذلك يـقـولـون آفـة الأخـبار عـدم الفـهـم، فـالكـلام واحـد والمستمعـون كـثـيرون ولـكـن الفـهـم عـلى حـسب اسـتقـبال المسـمـع، فـتفـاوت الأفهـام.
فأنشـأ الخـلـيـل يـقـول:
لـو كـنت تـعــلـم ما أقـول عـذرتـني
أو كـنـت أعـلـم ما تقـول عـذ لتكا
لــكـن جهـلـت مـقـالتي فـعـذلـتـني
وعـلـمـت أنــك جاهـلا فـعـــذرتـا
وقال الشاعـر:
نعـم الأنـيس أذا خـلـوت كـتاب
تلهـو به أن خـانـك الأحساب
لا مفـشـياً سـراً أذا استـودعـته
وتـفـاد مـنه حـكـمـة وصـواب

المعـاملة بالمثـل:
وركـب زيـد بن ثابت بن الضحـاك الأنصاري يـوماً، وكان مـن أعـلـم الناس بعـلـم الـفـرائـض (المـيراث)، حـتى أنه يـروى في حـقه، قـول رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم):(زيـد أفـرض الناس، وفي رواية أفـرض الناس زيـد بن ثابت ) وفي روايـة:(أفـرض أمـتي زيـد).
ركـب زيـد بن ثـابـت يـوماً، فاخـذ عـبـد الله بن العـباس ـ رضي الله عـنهـما ـ بـركابه أي يقـود ركابه، فـقـال لـه لا تفـعــل يا ابن عـم رسـول الله، فـقال عـبـد الله هـكـذا أمـرنا أن نفـعــل بعـلـمائـنا.
فـقـال زيــد: أرني يـدك فـلـما اخـرج عـبـدالله بن العـباس يـده قـبلها زيـد بن ثـابـت، وقـال هـكـذا أمـرنا أن نـفـعــل بابن عـم نبيـنا.
وقال الإمام عـلي بن أبي طـالب ـ كـرّم الله وجهه ـ مـن حـق العـالـم عـلـيـك إذا أتيته أن تسلـم عـلـيه خاصة، وعـلى القـوم عـامة، وتجـلـس قـدامه ولا تـشـر إلـيه بـيـدك ولا تغـمـز بعـينـيـك، ولا تـقـل قال فـلان خـلاف قـولـك، ولا تأخـذ بثـوبه ولا تلـح عـلـيه في السـؤال، فإنـما هـو بمـنزلة النخـلة الـمـرطـبة، التي لا يـزال يسـقـط عـليـك منها شيء مـن رطـبها، وقـالـوا كـن كـالشـجـرة المثـمـر، تـرمـيها الحجـرة وتعـطيـك الثـمـرة.
وقال الحسن البصـري: العـلـم عـلـمان، عـلـم في الـقـلب فـذلـك العـلـم النافـع الـذي يحـبه الله، ويـكـون حجـة لصاحـبه، وعـلـم في اللـسان فـذلك حجـة الله عـلى عـبـاده وتلك صـفة الـمـنافــق، قال الله تعـالى:(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام، وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّم وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ، وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (الـبقـرة 204 ـ 207).
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى